«ثم يأتي الشتاء»: حرب باردة تحت سقف واحد

July 9, 2026

فيلم «ثم يأتي الشتاء» (And then comes winter) للمخرجة جيجي حزيمة هو عمل مستقل يفتق رتقًا في ثوب الطمأنينة المتخيلة التي تجمع بين قلوب الأحبة في أوقات الكرب والحرب. قد يتخيل البعض أن تلك الأوقات العصيبة قد تكون مدعاة للتآزر، لكن الحقيقة شيء آخر؛ إذ تؤكد بعض الدراسات الاجتماعية أن تأثير الحرب يمتد بأثره إلى تفكيك الروابط العاطفية الأكثر هشاشة، فالحب الذي يُفترض أن يكون ملاذًا يتحول في ظل النزاع إلى اختبار قاسٍ، ومشاعر مكبوتة تتفجر غضبًا أو تتكلس صمتًا. تبتعد جيجي حزيمة عن تناول هذه الفكرة كقضية اجتماعية مباشرة، وتعيد صياغتها داخل بناء سينمائي ينتمي إلى تقاليد سينما الفن، تفرض فيه الحرب عزلة خارجية، وفي نفس الوقت تغدو خلفية لاختبار العزلة الداخلية أكثر من كونها موضوعًا سياسيًا.

يحل الشتاء في الفيلم على بلاد غير معلومة، اشتعل فيها فتيل الحرب في مكان ليس ببعيد عن منزل ليف (ماريتزا فيفيس) وآدم (جودي باردين)، زوجان في منتصف العمر يعيشان في هدوء حذر، يلجأ إليهما زوجان شابان نازحان. يعلق الجميع في حالة من الانتظار المهدَّد. قد نبخس من قدر هذا العمل إذا اعتقدنا أن القصة بمثل هذه البساطة، لأن المشاعر المكبوتة تتدفق فيه مثل نهر من الحمم المتأججة تحت طبقة رقيقة من الثلج.

يتتبع سيناريو الأحداث الذي وضعته حزيمة مسارًا متعرجًا، يتقاطع فيه الماضي مع الحاضر، مع تفرعات الأفكار الذاتية وتداعياتها. يتجلى ذلك في المشهد الافتتاحي، حيث يُؤسَّسُ لثلاث عناصر أساسية: المكان المنعزل وسط الغابة، والزمان الذي يكشف عنه الشتاء الذي أعلن عن قدومه بطبقات الثلج الناصعة وغصون الأشجار العارية، إلى جانب الحدث المتمثل في الحرب الوشيكة. تتجول ليف مسترخية وسط الطبيعة، لكن ثمة شيء يشعرنا بأننا خارج الواقع، من الصوت غير المتزامن مع الصورة؛ حيث تحل دقات الساعة محل أصوات الطبيعة المحيطة، ثم تفقد الألوان رونقها تدريجيًا، وتقف ليف في مواجهة الكاميرا، حتى يفجعها صوت انفجار قريب، فتصدر عنها صرخة تفيق على أثرها من النوم. تؤسس هذه اﻷفتتاحية البسيطة حقيقة ما يؤرق البطلة؛ الحرب الوشيكة التي أقلقت الساكن بداخلها.   

مع تقدم الأحداث، يتبين أن ثمة حاجزًا نفسيًا بينها وبين زوجها؛ فهي تعتنق الصمت ولا تبوح بما يقلقها، بينما يبادر هو ويحاول مد جسور التواصل بينهما، لكنهما يظلان منفصلين حتى وهما تحت نفس السقف. يبرز هذا الانفصال من أول حوار يتبادلانه خلال الأحداث، إذ تأتي الجمل الحوارية في غاية البساطة والعمق؛ فحين تسمع ليف اقتراب صوت إطلاق النار تقول: «الصوت يقترب»، فيرد آدم: «نعم، لقد أصبح الجو أكثر برودة». وكأنها في وادٍ، وهو في وادٍ آخر.

كما نرى هذا الانفصال منعكسًا أيضًا عبر صورة الفيلم؛ إذ تعزل الكاميرا كل منهما في إطار منفصل مع استخدام اللقطة المقربة أو المتوسطة، حتى مع اتساع الإطار ليشملهما، تتكفل الفواصل البصرية في تفاصيل المنزل بإبقائهما منفصلين. ولا يقتصر هذا الإحساس على التكوين داخل الإطار، إذ تعزز حركة الكاميرا المحدودة من هذا الإحساس أيضًا عبر إيقاعها المتأني، مما يمنح الصمت وزمن الانتظار ثقلهما الدرامي، فتُترك الشخصيات أسيرةً لفراغِها النفسي.

يُعنى السرد أكثر بشخصية ليف، التي تلتزم الانكفاء على الذات كما لو كان معطفا ووشاحا تتدثَّر بهما. لكن ثمة متنفسٌ يسمح لنا بالاطلاع على مكنونات روحها، متمثلاً في القدرات السردية لمشاهد استرجاع الماضي (الفلاش باك). فوفق دراسات المنظر ديفيد بوردويل المرجعية - لا سيما في مقالته الشهيرة "The Art Cinema as a Mode of Film Practice" وكتابه "Narration in the Fiction Film"- ينتقل الفلاش باك من مجرد "أداة لترتيب الحبكة" كما هو الحال في السينما الكلاسيكية لخدمة تدفق السببية، إلى ملمح بنيوي جوهري يحدد هوية "سينما الفن" (Art Cinema) ويدعم مفهوم "سينما المؤلف" (Auteur Cinema). يصبح  الفلاش باك أداةً لاستكشاف الواقعية الذاتية والمغتربة للشخصيات، مثلما يعكس هنا تشتت ليف وصدمتها النفسية. 

تُحدثُ هذه المشاهد قطيعةً جماليةً عبر الاختيار التصويري القائم على الأبيض والأسود، تسترجع من خلالها البطلة لحظات حميمية مع شريكها وهي تحكي له عن ماضيها، في مشهد فلاش باك داخل آخر، فندرك منه أنها اعتادت الصمت منذ أن تركت بلدها المضطرب وانتقلت إلى بلد آخر حاولت التعايش فيه، لكنها اصطدمت بالحدود التي انتقلت معها من وطنها الأم، متمثلة في القيم التي شبّ عليها والداها. يستدعي هذا المشهد في الذهن مشهدًا آخر من فيلم «هيروشيما حبيبي» (1959 ,Hiroshima Mon Amour) لآلان رينيه؛ فالعقوبة التي وقعت على كلتا المرأتين بسبب الحب والعاطفة واحدة في جوهرها، لكن بطلة «هيروشيما حبيبي» كانت قادرة على التعبير عما يؤلمها، في حين أن ليف، اعتنقت الصمت، واتخذت من الذكريات، وتحطيم الأواني، والنوم في سيارتها بعيدًا عن المنزل، وكتابة الخطابات لزوجها متنفسًا لغضبها المكبوت الذي لا تجد له صوتًا سوى في أحلامها. وفي الفيلمين، تستعاد الذاكرة عبر لقطات استرجاع الماضي  باعتبارها حدثًا حاضرًا يعيد تشكيل علاقة البطلة بالعالم من حولها. كما تغدو هذه المشاهد في الفيلم بصمةً أسلوبيةً فاعلة؛ أقرب إلى الصدع الذي تتسلل من خلاله الذكريات، ومنفذًا تعبيريًا يكشف محنة الشخصية، ويلقي الضوء على كيفية تشكل الأزمات في النفس البشرية.

ولا تقتصر الثنائيات في الأحداث على ليف وآدم وحدهما؛ إذ تُوضعُ شخصيتا الزوجين الشابين أندريه (جان غروس) وسوزان (إميلي ديل وايت) في تباين مع الزوجين الكبيرين، لكن بالنظر إليهما عن كثب لن نجد اختلافًا كبيرًا بينهما؛ فسوزان، على عكس ليف، يؤرقها الخوف من الموت جراء الحرب المندلعة، وينهكها القلق على أهلها، فتبحث عن الطمأنينة وتسعى إلى سماع كلمات تهدئ من روعها وتهدهد قلقها من زوجها. وتشبه، إلى حد ما، آدم الذي يحاول باستمرار اختراق صمت زوجته، في حين يقترب أندريه من طبيعة ليف؛ فهو أيضًا لا يبوح، ولا يعقد آمالًا كبيرة على أي انفراجة قريبة في الوضع المتأزم. ويمكن النظر إلى الزوجين الشابين بوصفهما صورة مبكرة لآدم وليف، وكأن الفيلم يضع الشخصيات في مرحلتين زمنيتين مختلفتين من العلاقة نفسها؛ إحداهما لا تزال تقاوم الانكسار، والأخرى استسلمت له تدريجيًا.

تتجلّى أهمية التآزر بين الأزواج في أحلك اللحظات في مشهد هام يبدأ في لحظة هدوء نسبي تجمع الأزواج، يعكر صفوه دويُّ صفارة الإنذار، فيرتَدون أقنعة الغاز ويجلسون صامتين فوق الأريكة. تنتقل الكاميرا بين طرفي الكادر مستعرضةً الخوف الذي يعتري الإناث وكيف يحتوي كل خليل خليلته لطمأنتها. مشهد طويل نسبيًا يمتزج فيه التعاضد مع الخوف في ظل دوي يملأ أرجاء المكان. ويمتد أثر المشهد إلى إيقاعه الزمني؛ إذ يتحول الانتظار فيه من مجرد حالة تعيشها الشخصيات، إلى تجربة يفرضها على المشاهد أيضًا، ليصبح الزمن نفسه عنصرًا ضاغطًا لا يقل وطأة عن الحرب.

وفور انتهاء الغارة، يتبدَّى الخوف والقلق على سوزان التي تبحث عن الطمأنينة بين أحضان زوجها، الذي سرعان ما يصارحها بعجزه عن ذلك، فلربما كانت الحرب سبيلاً للتآلف بين قلبيهما. يرقصان على نغمات الموسيقى، في تفصيلة تعكس محاولة الإنسان للتأقلم. في المقابل، حين يحاول آدم الاقتراب من زوجته تبتعد عنه، فيؤنبها لأنها جعلت الحرب أكثر إيلامًا بالنسبة له، لتُردَّ متسائلةً أي حرب يقصد: تلك التي تفرقهما، أم الأخرى التي بسببها يظلّان محبوسين معًا تحت سقف واحد؟

إن وقع هذا التساؤل لم يكن يقلُّ قوة عن دوي صفارة الإنذار، وقد عزَّز من وقعه ترتيب الممثلين في اللقطة، حيث وُضِعَ الزوجان الكبيران في مقدمة الكادر، تحيط بهما إضاءة باردة، ويفصل بينهما حاجزٌ مرئي من المنزل، أما الشابان، فيحتضنان بعضهما في الخلفية وحولهما إضاءة دافئة. يحول اختيار التكوين وترتيب الممثلين الكادر إلى بنية درامية قائمة بذاتها، ويصبح توزيع الأجساد داخل الصورة امتدادًا للعلاقات التي تربط بينها، فلا تعود الإضاءة أو العمق المكاني عناصر جمالية فحسب، وإنما أدوات للسرد أيضًا.

وبما أن الشخصيات، ولا سيما ليف وأندريه، لا تسمح لما بداخلها بالخروج، يلجأ السيناريو إلى حيلة سردية ذكية؛ إذ يجعل أندريه يواجه آدم بعدما يقرأ خطاب ليف إليه، الذي تعبر فيه عن رغبتها في خوض تلك الحرب سويًا واستعادة حبهما رغم كل شيء.

ويقابل هذا المشهدَ الحواري مشهدٌ آخر يماثله، يدور بين الزوجتين؛ حيث تعبر ليف هذه المرة عما بداخلها لسوزان، التي تستنكر بدورها هدوء ليف وعدم غضبها، وتشبهها في ذلك بزوجها. وهكذا يتحدث كل زوج بلسان الآخر، لكن النتيجة تأتي مختلفة؛ يعتذر آدم لزوجته عن كذبه عليها، بينما تختفي سوزان فجأة بعد محادثتها مع ليف، تاركة أندريه وحيدًا يواجه مرارة صمته ولامبالاته، وكأنها تعلمت الدرس مبكرًا من ليف حتى لا يصبح مصيرها نفس مصير آدم.

يكشف هذا البناء عن مفارقة لافتة؛ فالفيلم لا يجعل الشخصيات تتغير بفعل المواجهة المباشرة، وإنما عبر وسطاء. لا يصل آدم إلى ليف إلا من خلال أندريه، ولا تفصح ليف عما بداخلها إلا أمام سوزان، وكأن الحرب عطلت أكثر وسائل التواصل بداهة، وجعلت الاعتراف يمر دائمًا عبر شخص ثالث.

ينتمي فيلم «ثم يأتي الشتاء» إلى سينما تدرك جيدًا قيمة الصورة التي بدأ منها الفن السابع قبل أن يُضفي عليها الصوت سمة الواقعية التي يجادل بشأنها منظّرو السينما. تحمل فيه الصورة العبء الأكبر في إنتاج المعنى، أكثر مما يفعله الحوار الصريح. ويتجلى ذلك من خلال الاستعانة برمزية حضور الشتاء، الذي لا يقتصر حضوره على أداء وظيفة زمنية أو مناخية فحسب، فيصبح في سياق الأحداث استعارة بصرية لحالة الجمود التي تفرضها الحرب على الخارج، وعلى العلاقة بين الأزواج في الداخل. 

ومع نهاية الفيلم، وبينما تغيب سوزان ويرحل آدم، ينكسر هذا الجمود من دون أن تنتهي الحرب؛ يبقى ليف وأندريه في صمتهما، فيما يستمر صوت القصف في الخلفية، وكأن ما تبدل هو شكل العلاقة، لا العالم الذي يحيط بها.

كما أن حصر الأحداث داخل مكان واحد، يحوله إلى عنصر فاعل في السرد، ويلعب دورًا كبيرًا في احتدام التوتر بين الشخصيات. تبدو الأعمدة الخشبية، والستائر، والظلال المنعكسة على الجدران، وكأنها قضبان قفص مرئي يضاعف من شعور الشخصيات بالحصار. ولا يعود المنزل مجرد ملاذ مؤقت من الحرب، إذ تمتد آثاره على حالتهم النفسية، فيُحكم قبضته ويفرض عليهم مواجهة ما ظلّ مؤجلًا بين جدرانه.

أما أعمدة الاتصالات المنتشرة في محيط المنزل، فتكتسب مفارقة بصرية بليغة؛ إذ توحي بإمكان التواصل، بينما تشير ضمنيًا إلى استحالته. فهي تعكس مأزق ليف العاجزة عن التواصل مع زوجها عاطفيًا، قبل أن تنقطع خطوط الهاتف فعلًا، فينعزل الجميع عن العالم الخارجي كما هو حالهم في الداخل.

ويبلغ هذا الاشتغال على اللغة السينمائية ذروته في توظيف الصوت خارج الكادر (off-screen sound). فالحرب لا تظهر أمام أعيننا إلا نادرًا، لكن حضورها السمعي المتكرر يكفي لفرضها على وعي الشخصيات والمتلقي معًا. وهكذا تتجاوز حزيمة حدود المكان المرئي، فتمنح العالم الواقع خارج المنزل حضورًا دائمًا، على الرغم من غيابه عن الصورة.

يقترب هذا الاستخدام مما يسميه المنظر والمؤرخ السينمائي ميشيل شيون Michel Chion "الصوت الأكوسماتي- السماعي" (Acousmatic Sound)، حيث يكتسب الصوت الذي لا نرى مصدره سلطة درامية خاصة، فيصبح الخطر المتخيل أكثر وطأة من الخطر المرئي، تبث عبره أصوات القتال إحساسًا يملأ الفراغ ويطارد الشخصيات باستمرار.

بالنهاية، إذا أمعنا التفكير في عدد الطرق التي يمكن للسينما السائدة أن تقدم بها حكاية رجلين وامرأتين تحاصرهم الحرب داخل منزل واحد، لأدركنا أنها عديدة ومتنوعة. غير أن "سينما المؤلف" لا تبحث عن الحكاية بقدر ما تبحث عن الكيفية التي تُحكى بها. يتفق هذا مع منحى كون جيجي حزيمة مخرجة مؤلفة تكتب وتخرج في آنٍ واحد، وهو ما يمنح أفلامها تماسكًا رؤيويًا نادرًا، إذ لا فصل عندها بين ما يُكتب وما يُصوَّر؛ فالصورة امتداد للكلمة والكلمة بذرة الصورة. تقوم سينما هذا الفيلم على عملية مشاهدة تستوجب من المتلقي مشاركةً إيجابية وانتباهًا داخليًا، لأن القرارات الإبداعية فيه تحمل الثقل الأكبر من الحوار الصريح.

يُعلّي الفيلم من نبرته الفنية مبتعدًا عن الجرعات الترفيهية ذات الطابع الاستهلاكي السريع التي تعبأ بها السينما التجارية. لا تسعى سينما هذا العمل إلى حكاية ما يحدث في الخارج، لكنها تركز عوضًا عن ذلك على الكشف عما يعتمر في الداخل، وهذا بالضبط ما يجعل «ثم يأتي الشتاء» فيلمًا يتبع نهج مخرجته تمامًا. وهو ما نراه متجليًا في كافة اختياراتها الجمالية: الانتقال البطيء المتعمد، والصمت البصري، والحوار القليل المحمَّل بما لا يُقال.

حين تسأل ليف زوجها: «أي حرب تقصد؟» لا تنتظر منه إجابة، لأن السؤال نفسه يكشف أن الحرب في الفيلم ليست واحدة. فثمة حرب تُسمع ولا تُرى، تدور رحاها خارج المنزل، وأخرى تُرى في نظرات الشخصيات وصمتها، وبين من يجمعهم سقف واحد. وإذا كانت الأولى تهدد الحياة، فإن الثانية تهدد إمكانية العيش معًا. لذلك يترك الفيلم المتلقي متسائلًا أي الحربين أشد فتكًا: تلك التي تُدمِّر المدن، أم تلك التي تجعل من يسكنون تحت سقف واحد غرباء عن بعضهم البعض؟

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى