«أرض ضائعة»: حين تصبح الهوية وطنًا مفقودًا

لا يوجد شيء أكثر قسوة من طفل يعرف عن العالم أكثر مما ينبغي. فالطفولةُ ليست المرحلة التي يخلو فيها الإنسان من الأسئلة، بل المرحلة التي يُفترض أن يكتشف فيها العالم تدريجيًا، دون أن يحمل ثقل الإجابات، ولا أن يُدفع إلى مواجهة الخوف والمنفى والجوع والموت قبل أوانه. يكبر جسده قليلًا، لكن وعيه يسبقه بمسافات لا ينبغي لأي طفل أن يقطعها.

من هذه الفكرة ينطلق فيلم «أرض ضائعة» (Lost Land, 2025) للمخرج أكيو فوجيموتو، متخذًا من مأساة الروهينغيا مدخلًا للتأمل في معنى اللجوء  والاقتلاع من الجذور وفقدان الوطن، والروهينغيا أقلية عرقية مسلمة تعيش في ولاية راخين بميانمار حُرمت لعقود من الاعتراف بها كمواطنة، وتعرضت للاضطهاد والتهجير القسري، ما دفع مئات الآلاف إلى اللجوء إلى بلدان مجاورة بحثًا عن الأمان.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا السينمائي، قبل أن يشارك ضمن برنامج "سينما الرحلة" في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية. وينطلق من قصة عائلة مكونة من أب وأم مسنين وطفليهما، تبدأ رحلتهم بمغادرة منزلهم المتواضع الذي يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، لتتحول تلك الرحلة تدريجيًا إلى تأمل سينمائي في معنى اللجوء، والانفصال عن الجذور، والهوية، والعلاقة المعقدة بين الإنسان والوطن الذي أُجبر على تركه.

لا يتعامل الفيلم مع هذه المأساة بوصفها قضية سياسية فحسب، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية تمس أكثر الأسئلة ارتباطًا بالهوية والانتماء.

منذ الواقعية الإيطالية، أدركت السينما أن الطريق إلى الإنسان يمر عبر تفاصيله اليومية، لكن «أرض ضائعة» يذهب خطوة أبعد؛ فهو لا يستخدم اليومي ليمنح الحدث صدقيته، وإنما يجعل من اليومي الحدث نفسه. فلا يبحث عن المشاهد الاستثنائية، ولا عن اللحظات التي تفرض نفسها بالقوة، لكن يبني عالمه من خطوات مترددة، ونظرات صامتة وأطفال يتصرفون كما لو أن الحياة اختزلت أعمارهم في أيام قليلة. هنا، تصبح الرحلة وسيلة لقياس الوعي، وليست مجرد مسافة يتم عبورها. 

والوعي هو الفكرة الأكثر حضورًا في الفيلم؛ لأن العالم فرض نفسه على الشخصيات ولاسيما الطفل، ولم يقتصر حضوره على نقاشاتهم فحسب. والطفل هنا لا يحمل براءة السينما التقليدية، ولا يؤدي وظيفة رمزية، لكنه يعيش مفارقةً قاسيةً، فهو صغير بما يكفي ليحتاج إلى الحماية، وكبير بما يكفي ليدرك أنها لم تعد موجودة، هذه المفارقة هي التي تمنح الفيلم ثقله الحقيقي، وتجعل مأساته تنبع من أبسط المشاهد فيه.

لهذا لا يتعامل فوجيموتو مع الروهينغيا باعتبارهم قضية، وإنما باعتبارهم بشرًا. وحين يفعل ذلك، يتراجع السياسي إلى الخلف؛ لأن السينما هنا تبحث عن أثر السياسة في الروح، وليس عن السياسة نفسها. فالمنفى في أرض ضائعة لا يبدأ عند الحدود، وإنما في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن المكان الذي ولد فيه لم يعد معترفًا بوجوده.

يناقش أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة" الهوية بوصفها حصيلة انتماءات متعددة؛ فالإنسان لا يعرف نفسه من خلال دينه، أو قوميته أو دولته فقط، وإنما من خلال مجموع انتماءاته التي تجعله شخصًا لا يشبه أحدًا غيره، لكن ماذا يحدث عندما تمحى هذه الانتماءات كلها دفعة واحدة؟ ماذا يعني أن يصبح الإنسان غريبًا عن الأرض التي ولد عليها، وأن تتحول هويته نفسها إلى موضع إنكار؟ بل ماذا يحدث حين تمحى هوية شعب بأكمله؟ ماذا يعني أن يصبح اسمك، ولغتك، وانتماؤك، وحتى حقك في الاعتراف بوجودك، محل إنكار؟ هنا لا يعود الحديث عن أزمة هوية بالمعنى الفلسفي الذي يناقشه أمين معلوف، لكن عن محاولة لاقتلاع الإنسان من جذوره، وجعله غريبًا حتى عن المكان الذي ولد فيه.  ويعد هذا شكلًا من أشكال الإبادة؛ وليس ضربا من ضروب العزلة، لأن أول ما تفعله الإبادة هو محو المعنى الذي يمنح الجسد وجوده قبل قتله. 

يضعنا فيلم «أرض ضائعة» أمام هذه الفكرة منذ لحظاته الأولى، لكنه لا يقدمها عبر الخطابات أو الشعارات؛ فالسينما هنا تختار أن تتحدث بالصورة. لا يسأل الفيلم عن اﻷسباب وراء تهجير هؤلاء الأشخاص، لكنه في المقابل يطرح تساؤلًا مهمًا حول الكيفية التي يعيش بها الإنسان بعد تهجيره. الفرق بين السؤالين هو الفرق بين السياسة والسينما؛ الأولى تبحث عن الأسباب، أما الثانية فتنشغل بالأثر الذي تتركه تلك الأسباب في الملامح، وفي الصمت، وفي نظرة طفل لم يعد يعرف إن كان الطريق سيقوده إلى بيت جديد أم إلى فقدان آخر. 

لهذا لا تبدو الرحلة في الفيلم انتقالًا من مكان إلى آخر، بقدر ما تغدو انتقالًا من مرحلة عمرية إلى أخرى، فالمسافة الحقيقية التي يقطعها الأطفال تتمثل في الوعي بأن كل محطة تسلب منهم جزءًا من طفولتهم، وكل قرار يُجبرون على اتخاذه يضيف إلى أعمارهم سنوات لم يعيشوها. وهنا ينجح الفيلم في قلب الصورة التقليدية للطفل في السينما؛ إذ يخرج الطفل خارج إطار البراءة ويصبح شاهدًا على انهيارها.

وإذا كانت أفلام الطريق غالبًا ما تتعامل مع الرحلة بوصفها وسيلة لاكتشاف الذات، فإن «أرض ضائعة» يقلب المعادلة؛ ذلك أن شخصياته تعرف نفسها جيدًا، لكنها تبحث عن مكان يسمح لها بالاحتفاظ بهذه المعرفة. فالوطن هنا يتجاوز كونه مجرد أرض، ليغدو المكان الذي تصبح فيه الهوية أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى إثبات. وما إن يُنتزع هذا الحق، حتى يتحول الإنسان إلى مشروع دفاعٍ مستمرٍ عن وجوده.

ولعل أكثر ما يميز الفيلم أنه لا يحاول استدرار التعاطف؛ فلا يبالغ في الموسيقى، ولا يراكم المآسي، ولا يصنع مشاهد صادمة لمجرد الصدمة. إنه يثق بأن الحقيقة، عندما تُعرض بصدق، تمتلك قوتها الخاصة؛ لذلك تأتي مشاهده هادئة، لكنها تترك أثرًا يمتد إلى ما بعد انتهاء الفيلم. فالصورة التي لا تصرخ كثيرًا أقدر على البقاء في الذاكرة من تلك  التي تبالغ في الانفعال.

في الوقت نفسه، يرفض الفيلم اختزال الروهينغيا في صفة ضحايا ويمنحهم مساحة ليكونوا بشرًا قبل كل شيء؛ فهم يخافون ويحلمون ويترددون، ويتمسكون بما تبقى لهم من كرامة. وهذا ما يجعل الفيلم يتجاوز حدود القضية التي ينطلق منها، ليصبح تأملًا في معنى الانتماء الإنساني نفسه. فما الذي يبقى للإنسان إذا أصبح اسمه موضع شك، وحدوده موضع نزاع، ووجوده نفسه موضع إنكار؟

ربما لهذا السبب يبدو عنوان الفيلم أكثر عمقًا مما يوحي به للوهلة الأولى؛ فالأرض الضائعة ليست قطعة جغرافية، وإنما حالة وجودية. إنها اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن العالم كله قد أصبح مكانًا مؤقتًا، وأن كلمة "وطن" تحولت من حقيقة يعيشها إلى ذكرى يحاول ألا يفقدها.

ولا تقل قيمة الفيلم الفنية عن قيمته الفكرية؛ إذ يدرك أكيو فوجيموتو أن القضايا الإنسانية الكبرى تحتاج إلى  لغة سينمائية واثقة تعرف متى تصمت، ومتى تكتفي بالمراقبة، لا إلى مبالغات عقيمة. لذلك يعتمد الفيلم على إيقاعٍ متأنٍ يمنح الشخصيات وقتها الطبيعي، ويترك فسحة للصورة حتى تعبر عما تعجز الحوارات عن الإفصاح عنه، فنرى اقتراب الكاميرا من وجوه الشخصيات دون أن تقتحمها، لتُراقبها بهدوء يجعل المشاهد شريكًا في التجربة، وليس متلقيًا سلبيًا فحسب. وتأتي العناصر البصرية منسجمةً مع هذا الخيار، فلا يسعى الفيلم إلى تجميل المأساة أو تضخيمها، لكنه يلتزم بتقديمها بصدق وتجرد، فيتحول كل صمت، وكل نظرة، وكل مساحة فارغة في الكادر إلى جزء من المعنى. وهكذا تنبع قوة الفيلم من انضباطه الفني بقدر ما تنبع من موضوعه، ويعود هذا إلى قناعة راسخة مفادها أن السينما تستطيع أن تلامس الإنسان بأدواتها الخاصة، من دون الحاجة إلى الانفعال أو الخطابة.

وفي النهاية، لا يخرج المشاهد من فيلم «أرض ضائعة» وهو يحمل معلومات أكثر عن الروهينغيا، بقدر ما يخرج وهو يعيد التفكير في معنى الوطن، والهوية، والطفولة. وهذه، في تقديري، هي وظيفة السينما حين تبلغ أعلى درجاتها؛ إذ لا تمنحنا أجوبة جاهزة،  وتجعلنا بدلًا من ذلك نغادر القاعة ونحن نحمل أسئلة لن نجد لها إجابة سهلة. فالأفلام العظيمة لا تغير رأينا في العالم فحسب، لكنها تغير كذلك من الطريقة التي ننظر بها إليه.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى