«إركالا: حُلم جلجامش».. أطفال القوطي والمراكب المهجورة

August 12, 2026

لقد نجح المخرج، من خلال افتتاحية مغامِرة، في قلب الموازين، إذ نتابع من تحت الماء طيفَ الطفل "شم شم"، وهو يبحث عن شيء ما في الأعلى، قبل أن يغطس برأسه في دجلة، النهر الذي يشبه كائنًا أسطوريًا عملاقًا، ما زال على قيد الحياة منذ آلاف السنين، كشاهد عيان على ولادة الحضارات العظيمة وأفولها. 

يستمر هذا المشهد لوقتٍ كافٍ كي نشعر بالاختناق، في صمتٍ بصري مهيب، نرافق فيه عيني الطفل وهما تلاحقان رجلًا يتلوى داخل الماء برمحه، هناك في الظلمة المزرقّة؛ يُشبه بملامحه الحادة وذقنه البيضاء الكثّة "جلجامش" الأسطورة، الذي يشاهده "شم شم" في فيلم الرسوم المتحركة. وهذه المياه ليست سوى أعماق الطفل ولاوعيِه، إننا نطلّ من هناك على اعتقاده الراسخ، أن جلجامش أخذ والديه إلى إركالا؛ العالم السفلي تحت الماء.

يوريكا البداية المباغتة والعودة إلى الواقع البائس

لا يخضع الفيلم إلى قواعد السينما المستهلكة على نحو مذعن، حيث التمهيد، والكشف المتدرج للشخصيات، ومد خيوط الحبكة وغزلها، إلى أن نصل إلى الحادثة التي تقلب كل شيء، وتقود المشاهد، من ياقة قميصه، إلى الصراع بين الخير والشر. إنما يأخذنا إلى عالمٍ يتماهى مع الحلم والأسطورة، ويضعنا في قلب المأساة الحتمية، منذ الدقيقة الأولى. 

نركض من حافة النهر، وعبر أدغال القُصّيب، مفزوعين مع شم شم، نعود من عمق المياه التي تشبه رحم الأم، إلى سطوة الواقع البائس والمؤلم، إلى الخرابة التي يعيش فيها الأطفال، حيث يصرخ بهم شم شم، مثل يوريكا أرخميدس: «شِفته... شِفته»، مؤكدا لأصدقائه، أنه قد رأى جلجامش أخيرًا تحت الماء، وعليهم أن يُصدقوه. 

لا يتلقّى شم شم منهم سوى السخرية المتكررة، وهي ليست مجرد قسوة طفولية، إنما هي مرآة لواقعهم؛ فهؤلاء الأطفال الذين سحقتهم الحرب، وبصقتهم المدينة المنهكة بالميليشيات، حتى فقدوا القدرة على الحلم، أو رفاهية التمسك به، يعد جلجامش بالنسبة لهم مجرد برنامج كرتوني يشاهدونه من وقتٍ لآخر في حافلة المعلمة مريم، ولا يعدو كونه ترفًا، توقفوا عنه، بينما يمثل لـ"شم شم"، طوق النجاة الروحي، وآخر المُخلّصين.

وطني الغالي فيه أزرع... عايشين زبالة أحلى حياة

في مشهد مشحون بالسخرية والقهر، يحاول الطفل "شم شم" حفظَ أنشودة من كتابٍ مدرسي، هي أنشودة «وطني الغالي وطني وطني...»، عند ذلك يعنفه مودي، الطفل الأكبر، ويطلب منه التوقف عن القراءة، ليذهب إلى العمل، الأنشودة التي تتحدث عن "العيش الأمثل في الوطن الغالي" تقابلها، عند مودي، عصابات القتل والجوع وحاويات قمامة، والعلب المعدنية الفارغة، التي يرميها مجتمع لا يلتفت لهؤلاء الأطفال، أو يدري بوجودهم. 

تتحول الكلمات، من «وطني الغالي .. فيه أزرع.. فيه أصنع»، إلى شيء يشبه المسخ؛ سرقات ومظاهرات وإهانة، وتصبح علب الكولا والبيرة الفارغة، التي يغوصون في حاويات القمامة لأجلها، هي الصنعة الوحيدة التي يتعلمونها، بينما يصبح الكتاب عبئًا يُعطل كسب الرزق، وهذا ما ظهر في المشهد الأيقوني، المستخدم في «تريلر» الفيلم، حيث يغني الطفلان على الجسر، مشهدٌ ينطوي على رمزيةٍ كبيرة، إذ تمتد قضبان الجسر الكبيرة على اليمين واليسار ومن الأعلى، كما لو أنها سجن أو معتقل، وهما هناك، نراهما من الأعلى، ضئيلين، بملامح "سلويت" (Silhouette) معتمة: «وطني الغالي وطني وطني... عايشين زبالة أحلى حياة». 

كلٌّ من الصديقين يلاحق حلمه إذن، وكلاهما شبه مستحيل، "شم شم" يبحث عن جلجامش ليخرج والديه من إركالا، ومودي، الأكبر والأكثر وعيًا، والمنخرط ببعض الأعمال لصالح إحدى الميليشيات، يبحث عن العيش في هولندا، وهي التي لا يعرفها إلا من خلال بطاقة معايدة وجدها ذات مرة، وغدت منذ تلك اللحظة، أرض الأحلام بالنسبة إليه.

انكسار الحلم، وتبديل الأدوار

عندما يستيقظ الطفلان صباحًا في بيت المعلمة مريم، يعودان تلقائيًا إلى طبيعتِهما الفطرية، تتفسّخ قشرة القسوة التي فرضها الشارع عليهما لمجرد استيقاظهما في بيئة آمنة ونظيفة. الشارع الذي كان يفرز منهما لصوصًا ومنبوذين يتراجع الآن، ليترك المساحة لطفولتهما المكبوتة؛ فيشرعان في العبث وتجريب الألعاب بعفوية وبراءة، وكأنهما يكتشفان عالمًا آخر ينتميان له بقوة.

نرى أن مريم نفسها تلقي رصاصة الرحمة على حلم "شم شم"، فتصدِمه بالواقع. وهذا المشهد، أمام النهر، يمثل أحد أعمق الحوارات الفلسفية والنفسية في الفيلم؛ فهو يجمع بين طفل يعيش بكُليته داخل الأسطورة بحثًا عن الخلاص، وامرأة مكسورة ومكلومة، باتت ترى في "الحلم" خطرًا حقيقيًا على الطفل، في مدينة لا ترحم الحالمين. 

الممثل روح المخرج

العمل مع الأطفال في الدراما ليس أمرًا هينًا، فالطفل يجوع ويمل ويشعر بالإرهاق والاستنزاف واللاجدوى من تكرار المشاهد، لكن، وكما هو معروف، فإن الممثل روح المخرج.

لذلك فإن الاختيار الأمثل في البداية، ثم الأداء المقنع والاحترافي للأطفال، ليس وليد الموهبة وحسب، وإنما وليد الجهد والنظرة السينمائية الثاقبة، والله أعلم، كم هي المشاهد التي أُعيدت مرارًا وتكرارًا ليحصل المخرج على واحدة ترضيه. 

فقد قدم الأطفال جميعهم، لا سيما "شم شم" وصديقه "مودي"، أداءً مذهلًا، من حيث الصمت ولغة الجسد وملامح الوجه وإيقاع الحركة، وعفوية الحوار والانسجام الكامل مع المشهد، وهو أداء احترافي يعد بالقادم الأجمل. 

تقترب الألوان، في المشاهد النهرية، والقريبة من تجمّع الأطفال، إلى الألوان الباردة المزرقة، فهذه الأماكن هي الأحن عليهم، بينما تستحيل إلى ألوان ساخنة كلما اقتربنا من المدينة، ومن شوارعها المليئة بالمظاهرات والأدخنة.

أما الموسيقى التصويرية فبالكاد تتدخل في مشاهد الفيلم، إذ تأتي على نحو متقنٍ ومدروس، لا مجال فيه للتمويه وفرضِ عاطفة ما، فالأصوات الطبيعية، المتمثلة في خرير دجلة وصياح النوارس ونباح الكلاب وأصوات الرصاص البعيدة والصمت الموحش الذي يغلف الخرابة، هي التي تلقي بظلالها على القصة.

من زاوية أخرى، جاءت أغلب اللقطات خانقة، متوسطة أو قريبة، تفضح المشاعر، إذ لا مجال لكوادر واسعة، أو عملاقة تكشف الدمار الجمعي، بقدر ما هي لقطات ضيّقة ومزدحمة وفردانية، وذات حواف حادة، تبدو الشخصيات فيها محاصرة على الدوام بكتل إسمنتية وخشبية وجدران مُهدمة وقاذورات. لا يحتاج الدراجي إلى نقل مشاهد الحرب والخراب في المدينة على نحو تقريري، فهذه لغة الصحافة والوثائقيات، إنما يصنع لنا قصصًا قد نراها بسيطة، لكثرة ما تعودنا عليها، لكنها تعد أبشع مخلفات الحرب: أطفالًا ما تزال عظامهم غضة طرية، يفترض أنهم ينامون الآن كما بقية أطفال العالم، مبتسمين ومطمئنين في أسرّتهم الدافئة، وتحت كنف الأب والأم والعائلة، لكنهم أصبحوا يعيشون كقطط الشوارع وكلابها التي كانت هي الأخرى -يا لسخرية القدر- حاضرة إلى جوارهم على جنبات دجلة، كما لو أنها مرآة لهم: أطفالٌ يأكلون الفُتات وينامون على أخشاب المراكب خائفين، ومُتلحّفين السماء وبعض الكرتون.

سلاحف إضافية تستطيع الطيران

إن الطفولة الممزقة والملقاة على جوانب الطرقات، التي تأتي كنتاجٍ مؤكد للحرب والاقتتال، تحتم اقتراب الأعمال الإبداعية من بعضها البعض، لا سيما للمخرجين الذين حملوا هذا الهم على عاتقهم، ومنهم الدراجي، وذلك منذ فيلمه الأول «أحلام ,2003»، و«ابن بابل ,2009»، إذ يتقاطع «إركالا: حلم جلجامش ,2025»، وثيرانه المجنحة، مع «سلاحف تستطيع الطيران» (Turtles can fly, 2004) للإيراني بهمان غوبادي، حيث يقدم كل منهما رؤيته لما آل إليه وضع الأطفال في العراق من تشرد وضياع، وكلاهما يقدم خطًا إبداعيًا أصيلًا ومتفردًا.

يجمع أطفال غوبادي الألغامَ في إحدى القرى الحدودية الكردية على نحوٍ خطر، ومدفوع الثمن، بينما أطفال المراكب المهجورة، على حافة دجلة، يجمعون علب القوطي الفارغة وينخرطون في السرقات وقذارة الكبار. 

ويبقى تعليم الأطفال بائسًا ورجعيًا وعلى كف عفريت، وأطفال بغداد عام 2019، ما زالوا يبحثون عن برامجهم الكارتونية في أشرطة فيديو يفترض أنها انقرضت قبل عشر سنوات على الأقل، وما زالت رحلة التعليم بائسة تحفها المخاطر كما هي الحافلة المهترئة.

المآلات الحتمية، وعبثية كسر التوقع

تتفكك الجبهة الصغيرة إذن، الجبهة التي كانت تقاوم بؤس الشارع على نحو مشترك، فسارة المراهقة شقيقة شم شم، تبقى أسيرة المرقص وخديعته، ومودي يحمل مسدسًا في تطورٍ خطير ولافت في سلوكه الإجرامي، ثم بعد مقتل صديقهم الصغير "علي" على يد المجموعة التي ينتمي لها مودي، يُصبح مشردًا بالكامل دون بوصلة أو هدف، تلاحقه وصمة الإجرام، بينما يبقى شم شم عالقًا، كالغريق، في حلمه، ومرفرفًا تمامًا كالمجنح.

هذه المآلات المتتابعة، والحتمية، تدفع الشخصيات -الأطفال- نحو نهايات أكثر مأساوية، وحتمية، وإن كانت متوقعة، فالنهر الذي بدأ الفيلم به كرحمٍ مائيٍّ سحري يسبح فيه طيف جلجامش المُخلّص، يتحول في هذه اللحظة إلى فضاء يلفظ الموتى: الجثتان الطافيتان اللتان وجدهما الرجل، جلجامش الذي يعيش على حافة النهر، وراح يدفنهما، هما التجسيد الفعلي لضحايا العنف الملقية في مياه دجلة، هنا تصطدم أسطورة "إركالا" بالواقعية الجافة؛ فالموتى لا يعيشون في عالم سحري تحت الماء، بل هم جثث هامدة تطفو لتأكلها الطيور، أو يدفنها فاعل خير. وكأن خروج الجثتين من النهر، على مرأى من عيني شم شم، ومساهمته في دفنهما بحزن وخشوع، هو السطر الأخير الذي يغلق كتاب أوهامه الأسطورية، ليجبره على توديع الحلم وبدء طقس الحداد الحقيقي، ولأول مرة، نرى الدموع تغسل وجه شم شم على نحو هستيري ومؤلم. 

يضطر مودي للعودة مرغمًا إلى الأشرار، الذين يحلقون شعره الطويل، في دلالة رمزيةٍ قوية على سلب الفردانية والخصوصية، فيغدو كسجين لديهم، أو كجندي مذعن لن يناقش الأوامر بعد الآن.

التحليق على ظهر المُجنّح كخاتمة حتمية 

نحن إزاء المشهد الأخير، الختام الشاعري والتراجيدي لخط البطولة الخاص بالطفل شم شم، من لاوعي الطفل في البداية، إلى لاوعيه الآن، وبين اللاوعيين، حياة سائلة وهلامية، عمل دائري، مصقول ومُعمَّق بالترويدات والموسيقى الملحمية للثنائي المبدع، مايك وفابيان كوتزر.

إنه اللقاء الأخير والنهائي بين الحلم والحقيقة، حيث ينتصر الخيال في اللحظة التي يذوي فيها الجسد، ليمنح الطفل العبور الأخاذ، الذي ظل يبحث عنه طيلة القصة، ولكن خارج حدود الأرض والواقع، مسرعًا للقاء أبيه وأمه في السماء، حيث إركالا العلوية البديلة.

إنها مرثية أسطورية مكتملة الأركان، نُحلّق مع شم شم على ظهر الكائن الأسطوري فوق المدينة والنهر، حيث يُلوّح الطفل لجلجامش، مكتشفًا أنه رجل عادي يعيش هناك في الأسفل، ولأول مرة نراه يضحك من كل قلبه، في مشهد يأسرنا دون أن ندرك كيف، عندما يطلب من مُجنحه أن يحلق به عاليًا إلى الأعلى، متلهفًا لرؤية العائلة: «يلا طيرني فوق.. فوق.. اريد اشوف امي وابويَ».

يرفض المخرج أن يرينا جثة الطفل الهامدة في الشارع، حتى لا تغدو مثل نهاية ركيكة. هذا الانحياز للفانتازيا، لتكون آخر ما يُسدل عليه الستار، يمنح الطفولة المهدورة انتصارها الذي تستحق؛ فبغداد التي لا تصلح للحلم، كمطحنةٍ بشرية، لم تستطع منع روح الطفل من أن تحلق، سعيدةً، في سمائها الخاصة.

يقدم «إركالا: حلم جلجامش» للمبدع محمد الدراجي، والذي يصور قصةً مؤلمة من هوامش بغداد، تجربةً سينمائية سيميائية رمزية مذهلة، على صعيد الشكل والمضمون، في صورة جرعات من الواقعية السحرية الأسطورية، أكثر منها حكاية كان يا مكان. فهنا نرى طفولة مفقودة ومشردة وبائسة، بلا أسماء حقيقية، نكرات في كل شيء. وبينما يتعلق هؤلاء الأطفال بالأحلام، يجدون لهم موطئ قدم في هامش دجلة، النهر الذي يحمل جينات العراق العظيم، النهر الذي هو جلجامش آخر، على نحو ساخر.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى