«أين أنت؟»، هذا السؤال الذي يُوجّهه صوت داخلي إلى إله صامت في مطلع «إلى العجب» (2012) يختصر، في كلمتين، ثيمةً تسري في كل أفلام ماليك تقريبًا: البحث عن مطلق يمنح الوجود معناه وثقله ودفئه. لكن ماليك ليس مُبشّرًا، ولن يُقدّم لنا إجابات دينية جاهزة. إنه مُتسائل بالدرجة الأولى. شخصياته تُصلّي دون أن تعرف يقينًا ما إذا كان ثمة من سيستجيب أو يسمع. شخصيات أفلامه تؤمن دون أن يبرّأ إيمانها من الشك، وتبحث دون أن تطمئن بالنهايات. وهذا التوتر بين الإيمان والتساؤل ليس تناقضًا، بل هو الصدق الوجودي بعينه. وله جذر فلسفي راسخ يمتد من سورين كيركيغارد إلى كارل ياسبرز إلى سيمون ڤيل، وهو الجذر الذي يُغذّي السينما الروحية لماليك من أول أفلامه إلى آخرها.
كيركيغارد والمراحل الثلاث
كيركيغارد (1813-1855)، الفيلسوف الدنماركي الذي أمضى حياته يُجادل الفلسفة العقلانية الكبرى ويؤكد على مركزية الوجود الفردي المُتفرّد، يُميّز في كتاباته بين ثلاث مراحل أو «أساليب للوجود»: المرحلة الجمالية (Aesthetic Stage) حيث يعيش الإنسان لمتعة اللحظة وتجنّب الملل والانغماس في الحواس؛ والمرحلة الأخلاقية (Ethical Stage) حيث يتحمّل الإنسان مسؤوليته ويختار وفق ضمير ومبادئ؛ ثمّ المرحلة الدينية (Religious Stage) حيث يُواجه الإنسان مطلقًا لا يُمكن تبريره بالعقل أو استنتاجه بالمنطق.
هذه الثلاثية تسري في أفلام ماليك بشكل لافت. "ريك" في «فارس الكؤوس» (2015) يعيش المرحلة الجمالية في أبهى صورها وأشدها مرارة. هو يمتلك كل شيء (المال، الجمال، الشهرة)، لكنه يُعاني مما يسميه كيركيغارد «اليأس الجمالي»، أي الملل الوجودي الذي يصيب كل من جعل من اللذة مبدأ حياته. حركة الفيلم هي رحلة "ريك" من الجمالي نحو شيء أعمق، دون أن يُقول لنا ماليك ما إذا كان قد وصل. وفي «الخط الأحمر الرفيع»، ستيروس (إلياس كوتياس) نموذج للإنسان الأخلاقي الذي يرفض الأوامر الجائرة، بينما ويت (جيم كافيزيل) قد تجاوز الأخلاقي نحو شيء أشبه بما يسميه كيركيغارد «القفزة إلى الإيمان» (Leap of Faith): اختيار في مواجهة المجهول لا تُبرّره حجة عقلية.
أنين أُغسطينوس
«إلى العجب» (2012) هو ربما أكثر أفلام ماليك صراحة من الناحية الدينية. نيل (بن أفليك) ومارينا (أولغا كوريلنكو) يعيشان علاقة حب تبدو في أقصى لحظاتها وكأنها تُلمح إلى ما وراء الجنسي والعاطفي، إلى شيء آخر لا اسم له. وبالتوازي، نتابع الأب كوارتيه (خافيير بارديم) القسيس الذي يُشكّك في إيمانه وهو يخدم الفقراء: «هل أنت موجود؟ هل أنت خير؟ لماذا لا أشعر بك؟». إن الصوت الداخلي لمارينا في الفيلم يُردّد صدى صريحًا لـ«اعترافات» أُغسطينوس (354-430م)، ذلك الكتاب الذي يعتبره الكثير من قرائه خطابًا موجّهًا إلى إله لا إلى قارئ: «أنت خلقتنا لنفسك، ونفسنا لن تجد راحتها حتى تستقرّ فيك». في الفيلم، تتحوّل هذه الجملة إلى رحلة مستمرة بين الشوق الإنساني-العاطفي والشوق الروحي-الديني، حتى يصعب الفصل بينهما. هل تبحث مارينا عن نيل، أم عن شيء لا يُمكن لأي إنسان تلبيته؟ هذا التداخل بين الحب الإنساني والحب الإلهي هو قلب الروحانية الأُغسطينية، وهو ما يجعل «إلى العجب»، رغم أن قصته حب فاشل بالمعنى الدرامي، تجربة روحية حقيقية بالمعنى الوجودي.
الانتباه بوصفه صلاة
كتبت المتصوّفة والفيلسوفة سيمون ڤيل (1909-1943) في مقالتها «الانتباه والإيمان الديني» (Attente de Dieu, 1950) أن الشكل الحقيقي للصلاة لا يكمن في الكلمات والطقوس، بل في «الانتباه» (Attention) بمعناه الكامل: القدرة على التوقف عن الإسقاطات والتوقعات والأحكام المسبقة، والسماح للواقع بأن يظهر كما هو. هذا الانتباه الكامل هو في رأيها شكل من أشكال المحبة، إنه الشكل الأصدق لها. وفي الحقيقة لا يوجد تعريف أدق لما تفعله كاميرا ماليك في أفلامه من تأملات ڤيل هذه. حين تتوقف الكاميرا على قطرة ندى على ورقة شجرة، أو حين تُصاحب امرأة تمشي في حقل بوتيرة لا تشبه وتيرة أفلام الأكشن، فهي تمارس تمامًا ما تسميه ڤيل «الانتباه». لا تُسرع نحو هدف ولا تُصفّي العالم عبر فكرة مسبقة، بل تُعطي ما أمامها حقّه من الحضور. هذا ما يجعل مشاهد الطبيعة في أفلام ماليك، تلك التي يستثقلها بعض المشاهدين ويرونها «بطيئة» أو «غير ضرورية»، مشاهد روحية بالمعنى الدقيق. إنها تدريبٌ على الانتباه، تدريب للمُشاهد على إعادة النظر إلى العالم كما لو كانت المرة الأولى. ما يُسميه الأب زوسيما في رواية الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي «الاتضاع أمام الوجود» هو ما تُمارسه كاميرا ماليك كلما استقرّت على شيء صغير يعدّه الآخرون عابرًا ومنسيًا.
«حياة خفية» أو القفز في الظلام
يُعدّ فيلم «حياة خفية» (A Hidden Life, 2019) خاتمة ترتفع بأسئلة ماليك الدينية إلى أعلى مستوياتها. يروي الفيلم قصة فرانز يغرشتيتر (أوغوست دييل)، المزارع النمساوي الكاثوليكي الذي رفض أداء قسم الولاء لهتلر في الحرب العالمية الثانية بدافع إيماني بحت، ودفع حياته ثمنًا لذلك. لم يكن يغرشتيتر فيلسوفًا ولا لاهوتيًا ولا زعيمًا سياسيًا، لكنه كان فلاحًا بسيطًا آمن بأن بعض الأشياء لا يمكن الموافقة عليها مهما كانت العواقب. وما يجعل الفيلم بالغ الأهمية في مسيرة ماليك أنه يُقدّم أخيراً إجابة عملية، لا مفاهيمية، عن كل تلك الأسئلة السابقة. هل يمكن الإيمان وسط الشك؟ هل يمكن الوجود الأصيل في مواجهة الضغط الاجتماعي الكاسح؟ هل تصح «القفزة الكيركيغاردية» في الحياة الفعلية لا في الفلسفة المجردة؟ يُجيب يغرشتيتر بحياته: نعم. لكن ماليك، وهنا يكمن جزء من عظمته، لا يُقدّمه بطلاً مرتاحًا، إذ تتواجد تساؤلاته وإيمانه جنبًا إلى جنب، يتصارعان ولا يجدان أرضًا مشتركة. وجملة الختام المأخوذة من رواية «ميدلماريش» لجورج إليوت -«إن كان الأمر هنا أفضل، فهذا يعود إلى حدّ بعيد لأولئك الذين عاشوا أمانة في شيء ما خفي»- تُلخّص موقف ماليك الديني-الفلسفي: إن الفداء ليس بحاجة إلى جمهور أو تاريخ أو ذاكرة بشرية، يكفيه أن يكون حقيقيًا في خفائه.
المواقف الحدية
يُميّز الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز (1883-1969) في فلسفته بين «المواقف الحدّية» (Grenzsituationen): تلك المواقف التي يجد فيها الإنسان نفسه أمام ما لا يمكن تجاوزه أو تبريره (الموت، المعاناة، الصراع، الذنب). في هذه اللحظات الحدّية، يُرغَم الإنسان إما على الهروب إلى العقلنة الزائفة والقاسية، وإما على الانفتاح على ما يسميه ياسبرز «الشامل» (das Umgreifende)، أي الوجود ذاته الذي يتجاوز كل نظام فلسفي.
تعيش شخصيات ماليك دائمًا في هذه المواقف الحدّية. الحرب في «الخط الأحمر الرفيع»، والفقدان في «شجرة الحياة»، والرفض في «حياة خفية»، كلها مواقف لا تُجيب عليها الفلسفة بأجوبة نهائية. ولذلك لا تُجيب عليها أفلام ماليك بأجوبة نهائية أيضًا. ويبقى السؤال معه مفتوحًا، لأن الانفتاح هو وحده ما يُشير نحو ما يسميه ياسبرز «المتعالي».
في النهاية، ما جعل سينما ماليك ظاهرة نقدية غير عادية ليس التعقيد الفني وحده، ولا الثقل الفلسفي وحده، بل هو الأمانة الاستثنائية في طريقة طرح الأسئلة الكبرى دون التظاهر بامتلاك إجاباتها. يُصوّر ماليك ما لا يمكن وصفه: القلق الوجودي، الجمال الذي يُوجع، الإيمان المشوب بالشك، اللحظة التي تُدرك فيها أنك في مكان ما لم تختره ولا تعرف لماذا أنت فيه، ثم يتركك في مواجهة نفسك. وربما هذا هو التعريف الأدق للسينما الفلسفية الحقيقية: تلك التي تُجبرك على التساؤل بشكل لا تستطيع أن تتوقف عنده، ولكن كل ذلك لا يصح بدون لغة تجعلنا نفهم هذا القلق وهذا الجمال وتلك هي محطتنا الأخيرة في هذه القراءة.




