«ألعب دور روكي»: حين تتفوق القصة والأداء على الرؤية الإخراجية

November 3, 2026

هناك أفلام سيرة ذاتية تكتفي بسرد محطات حياة أصحابها، وهناك أفلام تنجح في تحويل حكاياتهم إلى تجارب إنسانية تلامس المشاهد، وتجعله يشعر بثقل الرحلة التي خاضوها. فيلم «ألعب دور روكي» (I play Rocky, 2026) للمخرج بيتر فارلي ينتمي إلى الفئة الثانية من ناحية تأثيره العاطفي، لكنه لا ينجح بالقدر نفسه في تجاوز القوالب التقليدية التي اعتدناها في أفلام السير الذاتية.

إن ما يجعل الفيلم مؤثرًا في نظري، هو جوهر حكايته الإنسانية، وما تحمله من أحلام وطموحات وصراع من أجل إثبات الذات. فخلف قصة الوصول إلى شخصية روكي الشهيرة، هناك حكاية إنسان يتمسك بحلمه رغم الصعوبات، ويؤمن بقدرته على تحقيقه حتى عندما تبدو الظروف ضده. هذه الروح تمنح الفيلم لحظات عاطفية صادقة، وتجعله قادرًا على استمالة المشاهد بعيدًا عن مجرد الاحتفاء بشخصية سينمائية أصبحت جزءًا من ذاكرة السينما العالمية.

ولعلّ الفضل الأكبر في نجاح هذه التجربة يعود إلى أداء أنتوني إيبوليتو، الذي يقدم تقمصًا خارقًا لشخصية سيلفستر ستالون، ينطلق من نبرة الصوت وطريقة الكلام، وصولًا إلى الملامح والإيماءات، ومتمكنًا في الوقت نفسه من استحضار شخصية الشاب العنيد الذي يؤمن بنفسه رغم كل ما يواجه من رفض وإحباط. 

في المقابل، تكمن مشكلة الفيلم في اعتماده المفرط على الوصفة التقليدية لأفلام السيرة الذاتية. فمنذ البداية، تبدو مسارات الحكاية مألوفة، من الأحلام الكبيرة والعقبات المتتالية، مرورًا بلحظات الرفض والإصرار، وانتهاءً بالانتصار المنتظر. ورغم أن هذه العناصر تخدم القصة وتمنحها جانبًا تحفيزيًا، فإن تكرارها بالطريقة نفسها يحرم الفيلم من فرصة تقديم رؤية سينمائية أكثر تميزًا. بل إن بعض اللحظات تبدو وكأنها تستند إلى المعرفة المسبقة لدى المُشاهد  بفيلم «روكي» (Rocky, 1976) الأصلي، بدلًا من أن تنجح في بناء تجربة درامية قائمة بذاتها.  

شخصيًا، لست من المعجبين بسينما المخرج بيتر فارلي، وهنا يأتي العتب الأكبر عليه، فهو الذي يمتلك بين يديه قصة غنية بالتفاصيل الإنسانية، وشخصية تستحق الغوص في أعماقها النفسية، لكنه لا ينجح مع ذلك في تجاوز الأسلوب المألوف لأفلام السير الذاتية. كان بالإمكان تقديم معالجة أكثر جرأة، تتجاوز استعراض المحطات المعروفة في رحلة ستالون، وتمنحنا مساحة أعمق لفهم مخاوفه وتناقضاته والثمن الذي دفعه في سبيل تحقيق حلمه. وبدلًا من ذلك، يميل الفيلم أحيانًا إلى استثمار الحنين إلى فيلم «روكي» واستعادة كواليس صناعة هذا العمل الشهير، على حساب اكتشاف جوانب جديدة وأكثر عمقًا في شخصية بطله.

في النهاية، غادرت القاعة بعد مشاهدة «ألعب دور روكي» ضمن مهرجان لندن السينمائي بانطباع يجمع بين الإعجاب والعتب. فقد نال الجانب الإنساني والعاطفي في الحكاية قدرًا كبير من الاستحسان والإعجاب لدي، كما وجدت في أداء أنتوني إيبوليتو إتقانًا وتفانيًا كبيرين جعَلاه أحد أبرز عناصر الفيلم قوة. أما معالجة التي قدمها بيتر فارلي، فقد بدت مفتقرة إلى التجديد الذي يجعل من هذه السيرة الذاتية تجربة استثنائية على المستوى السينمائي. إنه فيلم يمتلك قصة تستحق أن تُروى، ويعرف كيف يستثمر قوتها العاطفية، لكنه يظل أسير القوالب التي كان بإمكانه أن يتحرر منها.

أما على مستوى جوائز الأوسكار، فأعتقد أن الفيلم يستحق أن يدخل النقاش، خصوصًا في فئة أفضل ممثل، بفضل الأداء الذي يقدمه أنتوني إيبوليتو. فهناك اهتمام نقدي واضح بقدرته على تجسيد ستالون، وقد ظهرت بالفعل أصوات ترى أن أداءه قادر على إدخاله ضمن المنافسة على أحد الترشيحات. كما أن الفيلم حظي باستقبال جماهيري لافت في مهرجان تورونتو السينمائي، حيث حلَّ وصيفًا أول لجائزة اختيار الجمهور، وهو ما عزز الحديث عن فرصه في موسم الجوائز. ومع ذلك، لا أرى أن ترشيح الفيلم لأفضل فيلم خيار مضمون، ولا يبدو ترشيح إيبوليتو أمرًا محسومًا كذلك. فالمنافسة هذا العام تبدو مزدحمة، كما أن نجاح الفيلم جماهيريًا لا يعني بالضرورة أن أعضاء الأكاديمية سيمنحونه الدعم الكافي. وتبقى قدرته على الحفاظ على زخمه بعد عرضه في المهرجانات، وحضوره في الجوائز التمهيدية، عوامل حاسمة في تحديد مدى جدية فرصه.  

وفي النهاية، لعل المفارقة تكمن في أن العنصر الذي يمنح الفيلم قوته العاطفية قد يكون نفسه سبب محدودية طموحه الفني. فالأكاديمية قد تتفاعل مع حكاية الإصرار وتحقيق الأحلام، لكنها ستحتاج أيضًا إلى سبب يميز الفيلم عن غيره من السير الذاتية التقليدية. 

وبالنسبة لي، فإن إيبوليتو هو العنصر الذي يستحق أن يحمل آمال الفيلم في موسم الجوائز، حتى لو لم ترتقِ معالجة فارلي السينمائية إلى مستوى أدائه.

‍

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى