الاستدامة في السينما: ما الذي نتركه خلفنا بعد انطفاء الكاميرا؟

المقال التمهيدي في سلسلة عن الاستدامة كمسؤولية أخلاقية في صناعة السينما

على مدى السنوات الأخيرة، وبين أفلامٍ أخرجتُها وأخرى عملت ضمن فريق صناعتها، في الولايات المتحدة والسعودية، وعروضٍ هتفتُ فيها لأفلام زملائي حتى بُحّ صوتي، كان صوتان يتنازعان صناعتنا الناشئة: صوتٌ لا يرى في السينما إلا شبّاك التذاكر، وآخر يردّد «الفنّ للفنّ» كأن الفيلم يصنع نفسه بنفسه. وكلاهما يغفل أن المسألة ليست ما يقول الفيلم ولا كم يربح، بل كيف صُنع، ومن دفع ثمنه؛ وهو ثمنٌ لا يتّسع له الكادر.

فيبدأ العالم المبهر على الشاشة ويظلّ محصورًا داخل حدود كادرها؛ بإضاءاته الآسرة، وحركات الكاميرا الانسيابية، والتمثيل المحكم. والكادر هنا أشبه بحارس الكهف في إحدى قصص أحمد خالد توفيق؛ لا يسمح بعبور كلّ شيء. أما ما يحدث في الكواليس فيبقى خارج الإطار، بعيدًا عن أعين الجمهور. فهناك يقبع عالمٌ موازٍ أقلّ إبهارًا، يعجّ بموادّ ومواقع وأجسادٍ استُهلكت حتى النخاع. وحين تنتهي اللقطة، لا ينتهي أثرها بالضرورة؛ فنحن نصنعها تحت ضغط الوقت وضيق الميزانية، ثم نغادر موقع التصوير قبل أن نسأل سؤالًا بسيطًا: ماذا تركنا خلفنا؟

ذلك أن الإجابة ستجبرنا على مواجهة ما تسبّبنا به. فالأثر في اللغة العربية ليس كلمة عابرة؛ هو ما يُتبَع ويُقتفى، ولا يختفي بمجرّد أن نقول «فركش»... أو «كات». وللكلمتين سلطةٌ واسعة على الطاقم، وأقلّ بكثير على المكان والعاملين فيه.

وحين يُطرح موضوع الاستدامة، يُختزل غالبًا في الأثر البيئي بأشياء محدّدة ومتداولة: تقليل استهلاك الطاقة والبلاستيك، وإدارة النفايات، وتخفيف التنقّل، وحساب البصمة الكربونية. هذا مهمّ، وربما يكون المدخل الأكثر ألفة إلى الموضوع. لكنه وحده لا يخبرنا كيف عومل الأشخاص الذين صنعوا الفيلم، أو الحيوانات التي ظهرت فيه، أو ما لحق بمواقع التصوير وسكّانها من جرّاء العمل.

بعضنا يتعامل مع الاستدامة كأنها رفاهية: إضافةٌ لطيفة للحديث الصحفي، أو بندٌ يلمّع ملفّ المنح. لكن الرفاهية الحقيقية هي أن نتسبّب في أذى لا نملك إصلاحه، ثم نسمح لأنفسنا بالرحيل؛ أن نستنزف مكانًا أو نعرّض أجسادًا للخطر، ونترك لغيرنا عواقب قد تمتدّ سنوات. يبدو الإنتاج أقلّ كلفة حين تُحذف هذه التبعات من حساباته.

في ثقافتنا قاعدةٌ قيلت أكثر ممّا طُبّقت: «لا ضرر ولا ضرار». والمشكلة أن الضرر في مواقع التصوير لا يأتي دائمًا في صورة حادثةٍ صاخبة تقلب الدنيا رأسًا على عقب. قد يتراكم في موادّ نشتريها بلا خطّة واضحة لما بعد استخدامها، وفي ساعات عملٍ تُمدَّد «أوفر تايم» لأن اللقطة لم تكتمل، وفي موقعٍ نفترض أنه سيستعيد رونقه بمجرّد أن تغادره حافلاتنا.

لهذا بدأتُ هذه السلسلة: للبحث عمّا لا يُقال، انطلاقًا من تجربتي كصانعة أفلام. يصعب عليّ أن أدافع عن حقٍّ خارج موقع التصوير، ثم أتعامل معه داخله بوصفه عقبةً إنتاجية. فما نرفضه في حياتنا لا يصبح مقبولًا لأن أمامه كاميرا، وما نطالب الآخرين بحمايته لا يفقد قيمته حين يبطئ عملنا، وإلّا احتجنا إلى ضميرين.

أدعوكم إلى قراءة ثلاثة مقالات تُنشر تباعًا هنا، في منصّة «ميم»، نتتبّع فيها أثر صناعة الفيلم على المكان، ثم على البشر والحيوانات، وصولًا إلى ما يمكن تطبيقه في إنتاجاتنا العربية. تجمع هذه القضايا فكرةُ الاستدامة؛ فالبيئة التي نصنع فيها الأفلام تشمل المكان وموارده، والبشر الذين يعملون فيه، والحيوانات التي تعيش فيه أو جُلبت إليه. واستدامة الصناعة تعني أن نستطيع العودة إلى صنع فيلمٍ آخر، وأن يستطيع غيرنا ذلك أيضًا، من دون أن يستنزف نجاحُ تجربةٍ مقوّماتِ التجربة التالية.

سننطلق من أفلامٍ بعينها، ومن القرارات التي اتّخذها صانعوها، لنسأل عمّا يمكن تعلّمه من أخطائهم ومحاولاتهم، وما الذي يتغيّر حين تصبح الاستدامة جزءًا من العمل منذ بدايته.

يبدأ المقال الأول بالمكان؛ من مواقع تصويرٍ حول العالم إلى صحرائنا التي نسمّيها «فراغًا» وهي ليست كذلك، نبحث في العلاقة بين متطلّبات اللقطة وسلامة المكان.

لكن المكان ليس وحده ما يُستهلك. ينتقل المقال الثاني إلى الأجساد، بشرًا وحيوانات: ساعات عملٍ تطول باسم «حبّ المهنة»، وسلطةٌ تمنحها الصناعة لصاحب الرؤية، وحيواناتٌ جُلبت إلى الموقع أو كانت فيه قبلنا. ونناقش فيه: متى يتحوّل طلب المخرج إلى انتهاك، ومن يدفع ثمن اللقطة خارج التصوير؟

ثم يسأل المقال الثالث: وكيف نفعل ذلك؟ إذ ندخل فيه إلى تفاصيل الإنتاج في السعودية والمنطقة العربية، من مصدر الطاقة إلى مائدة الطاقم، مستعينين بخبرة مستشار الإنتاج الأخضر بسام الأسعد، وبتجربة مخرجةٍ سعودية تستعدّ لفيلمها الطويل الأول. فاللون الأخضر، للأسف، لا ينتقل من ملفّ المشروع إلى موقع التصوير بمجرّد الطباعة.

لدينا، نحن السعوديين خاصّة، ومعنا صنّاع الأفلام في منطقة جنوب غرب آسيا، فرصةٌ لوضع معيارٍ جديد إن كنّا نؤمن فعلًا بأننا نبني صناعةً تستحقّ الاستمرار. يمكن أن نبدأ بإدراج الرعاية والسلامة وتقليل الهدر في شروط التمويل والتعاقد والتخطيط، وأن نطوّر ممارساتٍ تناسب واقعنا وتستفيد من تجارب غيرنا. لا يلزم أن ننتظر وقوع الأذى كي نثبت حاجتنا إلى الوقاية منه، وليس من شروط نضج الصناعة أن تمرّ بجميع أخطاء من سبقوها.

ولا يصحّ أن تُحمَل المسألة على كتف طاقم التصوير وحده. فالممّول والمنتج يحدّدان ما تسمح به الميزانية، والجدول يحدّد ما يمكن تنفيذه، والمهرجانات والمنصّات ودور العرض تشارك في تشكيل ما يستحقّ الدعم والتقدير. وحين تصبح خطّة تقليل الضرر جزءًا من ملفّ الفيلم، بمواردَ ومسؤولياتٍ ومتابعة، يقلُّ اعتمادنا على مبادرة شخصٍ واحد.

حين يغادرالعاملون المهنة لأنهم لم يعودوا يحتملون ظروفها، تخسر الصناعة خبراتهم. وحين تتألّم الحيوانات أو تموت من أجل مشهد، لا تعيدها جودة الصورة إلى الحياة. وحين يتضرّر موقعٌ إلى حدّ إغلاقه أو منع التصوير فيه نهائيًّا، يخسر المجتمع مكانه، ويخسر صنّاع الأفلام إمكان العودة إليه. وهذه ليست خسائر جانبية، بل شروطٌ لاستمرار الحرفة نفسها. قد يُنجَز الفيلم، لكن طريقة إنتاجه قد تجعل الفيلم التالي أصعب؛ ونجاحٌ كهذا يحتاج إلى مراجعة ما نعدّه نجاحًا أصلًا.

بعد أن تُطفأ الإضاءة وتُغلق الشاحنات أبوابها، يبقى ما تركناه خلفنا. هناك، خارج الكادر، تبدأ النهاية الحقيقية؛ نهايةٌ لا تكتبها شارة الختام.

‍

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى