يحوّل روبرت بريسون، في فيلم «المال» (L'Argent, 1983)، موتيفًا عاديًا إلى محرّك لمأساة إنسانية عميقة. فمن خلال تداول ورقة نقدية مزوّرة، يطرح الفيلم تساؤلات وجودية حول المسؤولية الفردية والجماعية، وحول كيفية تحوّل العلاقات الإنسانية تحت تأثير المال، والتغيّر التدريجي الذي يطرأ على شخصية الإنسان عندما يقع في فخ آلية اجتماعية قاسية لا ترحم.
المال كمحرّك للآلية
يختار بريسون لفيلمه عنوانًا بسيطًا يتكون من كلمة واحدة هي عصب الفيلم كله: «المال». فهذا الشيء اليومي الذي يبدو عاديًا، يملك في الواقع قوةً هائلة في توجيه حياة البشر ومصائرهم. ولذا فإن بريسون يقدم المال بوصفه محورًا دراميًا يدفع الأحداث نحو مأساة حتمية، متجاوزًا بذلك بعده الاقتصادي، إذ تستحيل ورقة نقدية مزوّرة، لا تتجاوز قيمتها 500 فرنك، إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الكوارث الإنسانية. وهذا هو سرّ قوة الفيلم، فبريسون يأخذ شيئًا تافهًا في الظاهر، ويمنحه أبعادًا درامية وفلسفية عميقة، تدفع المشاهد إلى مساءلة الأشياء وإعادة النظر في القيمة التي منحت لها في عالمنا المعاصر.
المسؤولية والانتشار الأخلاقي
يتخذ روبير بريسون من قصة قصيرة لتولستوي، «القسيمة المزوّرة»، منطلقًا لفيلمه الأخير. والتي تقوم في قسمها الأول على منطق شبيه بأحجار الدومينو: فعل صغير يولّد فعلًا آخر، والخطأ يستدعي خطأً، والظلم يبرر ظلمًا جديدًا، حتى تتسع الدائرة لتشمل شخصيات من طبقات اجتماعية مختلفة.
يحذف بريسون كثيرًا من شخصيات تولستوي وتفاصيله، لكنه يحتفظ بجوهر الآلية: الشر يولّد الشر، والأذى الذي يتعرض له الإنسان قد يتحول إلى مبرر لإيذاء شخص آخر.
وهو يذكرنا بشخصيات دوستويفسكي، كما يذكرنا في الوقت نفسه بشخصية ميشيل في فيلمه «النشال» (Pickpocket, 1959). ولعل الفرق بين ميشيل وإيفون بطل «المال» هو أن أحدهما فاعل والآخر منقاد ومسير عبر دوامة من الفعل وردات الفعل التي تقوده إلى الشر.
ولعل من بين الموضوعات الأكثر إلحاحًا في الفيلم، موضوع المسؤولية التي يؤطرها هذا الانتقال للمال من يد إلى أخرى، وكأنها عدوى أخلاقية تنتشر مع تداول الورقة النقدية المزوّرة. يحصل نوربير على هذه الورقة من صديقه مارتيال، فيقرّر استغلالها لخداع مصوّر فوتوغرافي. يكتشف المصوّر الحقيقة متأخرًا، لكنه، بدلًا من الإبلاغ عنها، يفعل الشيء نفسه مع إيفون، سائق التوصيل البسيط. وهكذا، تنتقل اللعبة القذرة من شخص إلى آخر، وكل واحد منهم يجد مبرّرًا لأفعاله في فعل الآخر.
تتوالى الأفعال واحدًا إثر الآخر، ويصبح الشر أشبه بسلسلة تجتاز العالم، تغدو كل جريمة فيها أشبه بحلقة متصلةٍ بما قبلها. وبذلك يراقب بريسون «المسار التراجيدي للشر». فالإنسان لا يولد شريرًا، وهذا تحديدًا ما يرصد المخرج تفاصيله ويفكّكه بأسلوبه الخاص: ذلك الطريق التراجيدي المحتمل الذي يمكن لأي إنسان أن يسلكه، لو توفرت الظروف المحركة له.
المال والعلاقات الإنسانية
في فيلم بريسون، تغدو المادة (المال) هي المحددة لطبيعة العلاقات الإنسانية. وقد جعله المخرجُ محركًا للصراع الأول في الفيلم، الذي لا ينشأ عن كراهية شخصية أو خلاف عائلي، بل عن علاقة اقتصادية بسيطة تتحوّل إلى مواجهة مدمّرة. يُظهر لنا بريسون كيف يحوّل المال العلاقات الإنسانية إلى علاقات مَصلحة، وكيف يصبح الأشخاص مجرّد وسائل لتحقيق أهداف مادية. أي أن الإنسان يتحول إلى سلعة، وتتراجع القيمة الأخلاقية أمام القيمة النقدية. وهذا يعكس واقعًا مؤلمًا في مجتمعاتنا المعاصرة، حيث يصبح المال مقياسًا للنجاح والفشل، وتخضع العلاقات الإنسانية لمنطق الربح والخسارة.
ولعلنا هنا نستحضر مفارقة الفيلم الأساسية التي تكمن في التناقض الصارخ بين القيمة المادية الضئيلة للورقة النقدية المزوّرة والقيمة الإنسانية الهائلة للنتائج التي تسبّبها. فورقة لا تساوي شيئًا في الواقع تصبح سببًا في تدمير حياة إنسان، ثم عددًا من الأشخاص. وهي مفارقة وظفها بريسون ببراعة، ليضعنا في مواجهة سؤال وجودي مهم: كيف يمكن لشيء مادي تافه أن يمتلك القدرة على تغيير مسار حياة إنسان بالكامل؟ كيف يتحوّل المال من وسيلة إلى غاية، ومن أداة إلى قوة شريرة مدمّرة؟
ويجيب بريسون عن هذا السؤال بطريقة غير مباشرة: الخطرُ ليس في الورقة النقدية نفسها، وإنما في الإنسان الذي يملكها ويسيء التصرف، وفي المجتمع الذي يمنحها كل هذه القيمة والسلطة على حساب الإنسان. فالمال خطير لأننا نحن الخطرون، من خلال استخدامنا له في سياقات مؤذية، والشر موجود لأننا نحن من نختاره.
إيفون: من الضحية إلى الجلاد
إن وصف الفيلم بالآلية الميكانيكية راجع إلى أن الأحداث فيه تتسلسل بطريقة حتمية لا رجعة فيها، وكأنها تروس في آلة كبيرة. وبمجرد أن تبدأ الآلة بالحركة، لا يمكن إيقافها، وكل حدث يؤدّي حتمًا إلى الحدث الذي يليه. هذه النظرة السببية للأحداث تذكّرنا بالفلسفة القدرية، حيث يصبح الإنسان أسيرًا لظروفه، وحيث تصبح الإرادة الفردية غير قادرة على مواجهة مسار الأحداث. لا يختار بريسون في فيلمه بطلًا نموذجيًا يخوض الرحلة ويقهر الصعاب، ويعاكس الأقدار، لكنه يقدم شخصيات ضعيفة يجرفها تيار الأقدار كما اتفق.
يُقدَّم لنا إيفون في بداية الفيلم كشخص بسيط، يعيش حياةً هادئةً، ويكسب رزقه من عمل شريف. ليس لديه أي طموحات كبيرة، ولا يسعى إلى الثراء السريع. إنه مجرد إنسان عادي، مثل ملايين البشر، يحاول أن يعيش حياة كريمة دون أن يؤذي أحدًا.
لكن القدر يضعه في طريق الورقة النقدية المزوّرة، فيصبح ضحية لغش المصوّر. إلا أن المفارقة تكمن في أن إيفون سيصبح جزءًا من الآلية التي دمرته، لا مجرد ضحية بريئة فحسب. في تجسيد يذكرنا ببطل دوستويفسكي "راسكولينكوف"، ورغم أن الدوافع تختلف، فبطل دوستويفسكي كان دافعه الظاهر رغبته في تحقيق العدالة، بينما بطل بريسون كان دافعه هو ظلم النظام الاجتماعي، الذي قاده إلى تبني نظرة عدمية تجاه الحياة، أعمت بصيرته بالكامل. وقد انتهى الأمر بالبطلين إلى الغوص في الوحل بالكامل، لتظهر على السطح الكثير من الأسباب والدوافع النفسية الخفية.
ما يميّز شخصية إيفون هو التحوّل التدريجي الذي يطرأ عليها. في البداية، هو ضحية ظلم، يتعرّض للاتهام والإجحاف. لكن مع مرور الوقت، ومع تراكم الإحباطات، تبدأ شخصيته بالتغيّر. يفقد ثقته بالآخرين، ويصبح أكثر عدوانية، وتتغيّر نظرته إلى الحياة. وهذا التحوّل يطرح سؤالًا مهمًا حول طبيعة الإنسان: هل الإنسان شرير بطبعه، أم أن الظروف هي من تحوله وتصنعه؟
وبذلك يقدم بريسون رؤية معقدة للخير والشر، لا تحتكم إلى الحدية فلا وجود لأبيض وأسود. فالإنسان حسب بريسون ليس خيرًا مطلقًا ولا شريرًا مطلقًا، وإنما هو نتاج ظروفه وتجاربه.
في النهاية، يصل إيفون إلى نقطة اللاعودة. إذ لم يعد الضحية البريئة التي تعاطفنا معها في البداية. لقد أصبح جزءًا من الآلية، بل أصبح فاعلًا فيها. وهذا التحوّل يذكّرنا بمأساة الشخصيات في الأدب الكلاسيكي، حيث يتحوّل البطل إلى نقيض نفسه.
إن رحلة إيفون هي استعارة عن المجتمع الحديث. فكل إنسان يمكن أن يكون إيفون، وكل إنسان معرّض لأن يتحوّل من ضحية إلى جلاد إذا ما توفّرت الظروف المناسبة، كلٌّ حسب تجربته وفهمه للحياة.
ولعل بريسون يشير في فيلمه إلى تداعيات اللامبالاة، والتنازل عن القيم الأخلاقية تحت ضغط الظروف.
ويدعونا الفيلم في النهاية إلى التفكير في علاقتنا بالمال: هل نحن نسيّر المال، أم المال يسيرنا؟ هل نحن من يحدّد قيمة الأشياء، أم الأشياء هي التي تحدّد قيمتنا؟ أسئلة عديدة يطرحها بريسون، تاركًا لنا مهمة البحث عن إجاباتها.
ولذا، يمثل فيلم «المال» أحد أعمال بريسون التي تنطوي على تأمل فلسفي عميق في طبيعة الإنسان والمجتمع، وتفاعلهم مع المال، إذ يضعنا أمام مرآة نرى فيها أنفسنا، ويدعونا إلى مزيد من الوعي بمسؤولياتنا الفردية والجماعية.
يعد هذا الفيلم في نظري من أهم الأفلام في تاريخ السينما، لا لأنه يروي قصة بأحداث مشوّقة، وإنما لأنه يطرح أسئلة ما زال الإنسان يبحث عن إجابات لها حتى اليوم.



