لم يفارق الإنسان عقله الغريزي الأول، ولا رغباته البدائية وانفعالاته. فالعالم الذي نحياه لا يمكن أن نعده ضمن سلاسل تطور الجنس البشري وارتقائه، لأن عالمنا اليوم هو مرآةٌ لعالم الإنسان القديم، وانعكاسٌ مستمرٌ لجوهر غرائزنا الأولية ليس إلا. ما تغير فيه هو شكله الظاهري فقط، ذلك الشكل الذي يعطيك لمعانًا وبريقًا للحضارة والتكنولوجيا والتمدن. إلا أن الوعي البشري ما زال متأخرًا قياسًا بما وصلت إليه الحضارة البشرية من تقدم علمي وتكنولوجي؛ فالقتل والحسد والجشع والتملك والسلطة إضافة إلى الرحلة البشرية المضنية من الصراع والتكيف من أجل البقاء، كلها أشياء ما تزال تؤطر العالم بنمط الحياة والوجود ذاته منذ آلاف السنين إلى يومنا هذا.
ومنذ انبثاق العقل الحديث لم يتطور الإنسان إلا عندما تمازج الألم مع الوعي المخيف بالعدم والفناء والمصير المجهول على هذه الأرض. فلم تولد حضارة بشرية إلا بجريمة قتل، ولم تظهر ملامح التمدن على العالم إلا بعد تاريخ من الدم وتقسيم البشر إلى سادة وعبيد. لكن، فلنسأل أنفسنا: من نحن الآن، ألسنا موروثات أسلافنا الأول، وامتداد للشبكة اللانهائية من شفراتهم الجينية التي تتمظهر أمامنا في الأحلام واللاشعور وعند الإحساس بالخطر؟
أوديسة الفضاء واستشراف المستقبل
لم يقتصر دور السينما وعلاقتها بالفلسفة على إبداع المفاهيم فقط، أو التفكير بواسطة الصور، وإنما هناك ما يمكن تسميته نبوءةُ الفن في استشراف المستقبل والإمساك بالزمن. وهذه الأمور تتوقف على قدرة المخيلة البشرية على خلق واقعٍ وعالمٍ جديد، لا مجرد استنساخٍ أو تصويرٍ للواقع المعاش. إضافة إلى ذلك، هناك حمولة معرفية وعلمية يملكها المخرج السينمائي، والتي ترتكز عليها الأسس المكونة للفيلم وعناصره وما يرافقها من اهتمامٍ معرفيٍّ وإنساني بالبحث عن الحقيقة، وتسليط الضوء الكاشف للوعي.
ولعل فيلم «2001: أوديسة الفضاء» (2001 A space Odyssey) الذي تم إنتاجه عام 1968، للمخرج الأمريكي ستانلي كوبرك والكاتب البريطاني آرثر سي كلارك، يجسد مفهوم التنبؤ بمستقبل البشرية على نحو مثير للاهتمام. فقد نجح الفيلم إلى حد كبير في صياغة واقع يبدو مشابهًا إلى حد كبير لواقعنا الرقمي الذي نعيشه الآن، من خلال مجموعة من الأدوات المبتكرة والمصطلحات اللغوية السابقة لعصرها. ففي الفيلم نجد مكالمات الفيديو وبصمات الصوت، وأجهزة الآيباد واللابتوب، إضافة إلى مفهوم الذكاء الاصطناعي المجسّد بهيئة الروبوت المسمى بهال 9000، والذي يعيش مع البشر ويحاكي واقعهم، مع مخاوف من سيطرة الآلة على البشر عندما يتم برمجتها على الوعي والمشاعر والذاكرة الإنسانية.
لا يجسد الفيلم هذا الواقع على نحو عابر يمكننا تناوله رمزيًا أو مجازيًا في فلسفة السينما، وإنما يتم التطرق له لغويًا ومفاهيميًا بشكل واضح ومرئي. وهذا ما يجعل الفيلم صالحًا للمشاهدة والقراءات التأويلية المتعددة في عصرنا الحالي. الأمر الذي يحوّل الفيلم إلى تحفة سينمائية صالحة لكل الأزمنة، يمكنها أن تتشكل في كل مرة بمجموعة من البنى والهياكل الفلسفية والعلمية المعاصرة.
إن السفر في الأبعاد اللامرئية للفيلم سيجعلنا نبدع تصورًا جديدًا للحقيقة والكون، ولكل ما يحيط بنا من أشياء ومُدرَكات حسية تحيط بها الرتابة والتكرار والملل. فافتقارنا للمعجزة هو ما جعل العالم من حولنا يبدو باهتًا ومستنسخًا وباعثًا على العبث واللاجدوى، بل وعلى الانتحار أحيانًا.
لكن، أليس الفن هو ما يحررنا ويجعلنا نسمو فوق مادية العالم ومحدوديته. أليست المخيلة هي التي تجعل كل شيء من حولنا عبارة عن إبداع وخلق متجدد لا يخلو من السحر والدهشة.
من تاريخ تطور الإنسان إلى تحرره الكوني
قد يبدو الفيلم للوهلة الأولى بأنه يقدم لنا سيرة موجزة لتاريخ الكون والإنسان، فمن خلال اللون الأسود الذي يظهر على الشاشة لمدة ثلاث دقائق، يمكننا أن نذهب إلى الظلمة الأبدية أو إلى العدم الذي انبثق منه الكون، وصولًا إلى تشكل الكواكب والمجرات والنجوم، ثم ظهور الشمس بشكل عمودي فوق كوكب الأرض، لتنتهي إلى نشوء الحياة العاقلة على كوكبنا، والتي تبدأ في الفيلم بمرحلة فجر البشرية التي تمثلها مجموعة من الرئيسيات التي انحدر منها الإنسان، فتظهر هذه القبائل في هيئة قرود، وكأنها تعيش في فيافي وصحارى مقفرة، في شكل جماعات تبحث عن غذائها واحتياجها اليومي الذي يتشارك به أبناء جنسها، مع صراع بسيط من أجل الماء والغذاء بين القرود، أو بينها وبين بقية الحيوانات الأخرى.
ولعل الحدث الأبرز والأكثر غموضًا في الفيلم هو ظهور المونوليث، أو المسلة السوداء، في كل مرحلة من مراحل تطور الجنس البشري، وتحديدًا عند الانعطافات المصيرية للتقدّم والابتكار. فنلاحظ أن ظهوره يرمز إلى التطور والذكاء الخارجي المفارق، أما غموضه وتمنّعه على التفسير يعكس الصمتَ الكوني أمام تساؤلات الإنسان الوجودية.
فعندما ظهر المونُوليث في المرحلة البدائية للإنسان، والتي تمثلها الرئيسيات، نلاحظ أنها اكتسبت ذكاءً وقدرةً على التفكير، فقامت بصنع أدوات حادة من عظام الحيوانات التي تفترسها وتعتاش عليها، وبدأت بتنظيم نفسها في تجمعات مستقلة وخوض حروب مع جماعات أخرى والانتصار عليها، وكأن الذكاء البشري كان مرهونًا بالعنف، والقتل الواعي من أجل البقاء.
أما الظهور الثاني للمونوليث، فيتجسّد بصريًا في مشهد مهيب يختصر ملايين السنوات خلال بضع ثوانٍ، فبعد مشهد رمي القرد للعظمة من الأعالي، يتباطأ المشهد، لنجد أنفسنا أمام حقبة بشرية جديدة في مطلع القرن الحادي والعشرين، وعلى متن مركبة فضائية يذهب طاقمها في مهمة إلى سطح القمر، لاستكشاف هذا الجسم الغامض والمحير، والذي كان يرسل ذبذبات وترددات إلى الأرض.
وفي هذه المرحلة نرى أن الآلة الممثلة بالذكاء الاصطناعي "هال 9000" كانت قد اكتسبت قدرة بشرية على التفكير، فضلا عن إظهار انفعالات شبيهة بالانفعالات الإنسانية، من بينها الخوف من الفناء. فنرى الروبوت يُباشر عملية التخلص من طاقم السفينة واحدًا تلو الآخر، باستثناء الكابتن ديف، الذي ينجو ويتمكن من تعطيل الروبوت وتدميره. وفي مشهد لافت، يظهر لنا توسل الآلة ورجاؤها ألا يفعل ذلك، في استحضار لمفارقة الآلة التي تستميت للحفاظ على وجودها تماما مثل الإنسان. كما يعيدنا إلى مشهد أداة القتل المصنوعة من عظام الحيوانات، والتي رماها القرد وتخلص منها، وهكذا يبدو أن تحرر الإنسان قد يظلّ مشروطًا بالتخلص من بعض ركائز حضارته، وهدم ما عمل على بنائه، وتدمير أدواته التكنولوجية المتمردة عليه، والتي ظلّ مستعبدًا لها قرونًا عديدة.
ولكن، يظلّ السؤال الأعمق الذي يراودنا في زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: هل يكفي أن يمتلك الكائن الملكةَ العقليةَ والقدرات التحليلية كي يصبح واعيًا؟ وهل يمكن للعقل، إذا انفصل عن التعاطف والمشاعر، أن يتحوَّل إلى أقسى صور البرودة واللامبالاة، تمامًا كالشكل الذي تتبناه الآلة في تعاملها معنا؟ أليس الخطأ والهشاشة هما جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية؟
إن مأساة الروبوت "هال" تكمن في ميكانيكته المملة وعدم قدرته على الإدهاش، والذي يمكن أن نختصره في مجموعة خوارزميات فائقة الذكاء تستطيع العمل والتفكير بالنيابة عن الإنسان دون ارتكاب أي خطأ. لذا، يبقى "هال" مجرد آلة خالية من الروح والعاطفة أودعتها الطبيعة في الإنسان، آلة لا تفهم الرحمة أو التعاطف، ولا تعرف أبدًا معنى الضعف الإنساني.
يظهر المونوليث في المرة الثالثة على سطح كوكب المشتري في مرحلة تسمى ما بعد اللانهاية. وهنا يبدأ الفيلم ذروته البصرية في مشهد بوابة النجوم ذلك السيل من الألوان الذي يتدفق كريح عاصفة مشكلًا لوحة تجريدية. في هذا المشهد، كان ستانلي كوبريك يحاول تصوير ما يفوق اللغة ويكسر إطار التجربة الحسية أو الوسيط الظاهراتي الذي يتم عبره ظهور العالم لنا. فإذا كانت العين البشرية لم تُخلق لرؤية الأبعاد العلوية والعوالم الموازية، وإذا كان العقل بكافة ملكاته الإدراكية ومشاعره عاجزًا عن تخيل حالة من العدم أو من الوجود الذي يتوقف فيه الزمن، فكيف يمكن للسينما أن تعطينا لمحةً عن كل ما هو مخفي ومحتجب، وكيف يمكنها بكل هذا السحر والإبهار أن تزرع في أعماقنا مخيلةً مجنونةً وجامحة تسافر في اللامحدود واللانهائي؟ تبدو هذه الأمواج المتلاطمة من الألوان وكأنها لا تنتمي لأي لون اعتاده البصر أو ألفته الرؤية البشرية، شيء ما يأتي من الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية، ليتحول اللون إلى أثر يهز وعينا بذاته، وعلامة تهز يقين الإدراك نفسه، بدلا من أن يكون مجرد انعكاس للضوء. وهذا المشهد أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه يمثل رمزية لانهيار إدراكنا المعتاد للزمان والمكان.
ومن منظور علمي يمكن أن تُقرأ هذه الرحلة تأويليًا بوصفها عبورًا من ثقب دودي أو انتقالًا بين أبعاد مختلفة، وهي أفكار لم تكن قد استقرَّت بعد في الفيزياء عندما أنتج الفيلم آنذاك.
بعد ذلك، يجد رائد الفضاء "ديف" نفسه داخل غرفة ذات طرازٍ كلاسيكيٍّ أوروبي، تبدو مألوفة وغريبة في آن واحد، هنا يتجلّى المكان ويتحول إلى مسرح للزمن. يرى ديف نفسه وهو يكبر ثم يشيخ، ثم يحتضر، وكأن الحياة كلها حدثت في لحظة واحدة أو ومضة خاطفة.
عندما يظهر المونوليث للمرة الأخيرة، يكون حضوره إعلانًا عن ولادة جديدة. وهنا يتحول الإنسان الأخير الذي يمثله رائد الفضاء "ديف" إلى الطفل النجمي، ذلك الجنين الذي يطفو فوق الأرض بعينين مفتوحتين على مستقبل مجهول.
إن الإنسان ليس نهاية التاريخ ولا خاتمة التطور، لعله يكون حلقة في سلسلة أطول، تمامًا كما كان الإنسان يومًا قفزة تتجاوز الكائنات التي سبقته. وهذا ما قد يحطم أوهامنا، وينتشل الحقيقة المتوارية من خلف حجب كثيفة، والتي جعلتنا نوقن أن وعينا الحالي ما هو إلا الشكل النهائي للعقل. والكون، كما يوحي ستانلي كوبريك، لا يتوقف عن خلق أشكال جديدة من الوعي والإدراك، وما نعده اليوم ذروة الحضارة قد يبدو بالنسبة إلى كائنات أكثر تطورًا، مجرد بداية متواضعة.
بين إنسان نيتشه الأعلى ..وصدمة اليقين البشري
يتعمَّد المخرج أن يترك لنا فراغًا حسيًا يبتعد فيه عن اللغة لصالح الصورة، ليتحول الصمت في مشاهد عديدة من فراغ يغمر الشريط السينمائي إلى لحظة تأمل وشاعرية كونية، فقد استغنى كوبريك عن الحوار اللفظي في الفيلم -الذي يحوز حوالي 88 دقيقة صامتة تمامًا من أصل 149 دقيقة- واستبدله في مساحات واسعة بالبصريات والموسيقى الكلاسيكية لإنتاج المعنى الفلسفي.
وقد قام كوبريك بتوظيف سيمفونية «الدانوب الأزرق» للموسيقار النمساوي يوهان شتراوس والتي ألفها في عام 1866، وهي عبارة عن فالس (رقصة ثلاثية الإيقاع) في الأصل، وتعد من أشهر المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية في التاريخ. فبدلاً من تقديم الفضاء باعتباره مكانًا مخيفًا وصاخبًا يحوله كوبريك إلى رقصة كونية، فتتحول المركبات إلى ما يشبه الأجساد والأضواء التي تؤدي رقصة فالس مع الكواكب والمحطات الفضائية. وهنا يُحيلنا الفيلم إلى نقطة مهمة وهي الالتقاء بين الرقص وحركة المجرات، فمثلما يقوم الفالس على الإيقاع والدقة والتوازن، فإن الكون أيضًا يعد بنيةً متناغمةً يحكمها القانون، وعلى إثرها يتحرك كل جسم سماوي ضمن نظام صارم.
يقول نيتشه: «على المرء أن يتعلم فن التفكير كما يتعلم الرقص».
إن الراقص الفلسفي هو تعبير نيتشوي بامتياز، فنيتشه يرى أنه حتى يتمكن الإنسان من التفكير بتناغم يشبه إيقاع الرقص والموسيقى، لا بد أن تنبت أقدام خفية للعقل.
أما بالنسبة لسيمفونية الموسيقار الألماني ريتشارد شتراوس «هكذا تكلم زرادشت»، والمستوحاة من فلسفة نيتشه، ومن كتابه الشهير الذي يحمل الاسم نفسه، فإن كوبريك قد استخدمها في فيلمه ثلاث مرات، ولم تكن هذه الموسيقى مجرد خلفية مرافقة للأحداث، بقدر ما كانت عنصرًا سرديًا تم توظيفه لعمليات التحول والارتقاء. فنلاحظ استخدامها كافتتاحية موسيقية في حركة الشروق الكوني، وفي فجر الوعي البشري، وأخيرًا في ولادة طفل النجوم.
يبدو الفيلم في جوهره تجسيدًا لفلسفة نيتشه عن الإنسان الأعلى وعن مراحل تطور العقل البشري أو الروح، إلا أن الفيلم بقدر ما يتقاطع مع فلسفته وينهل منها، استطاع أن يفترق عنها ويصنع مفاهيمه الخاصة التي ترفض أن تكون الفلسفة مجرد رقيب أو حارس على السينما.
يتحدَّث نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» عن التحولات الثلاثة للعقل أو الروح بوصفها جوهر الإرادة والقيم، فيشبّه العقل في مرحلته البدائية بالجمل المنشغل بغرائزه واحتياجاته الأولية، ومثقلًا بأعباء الماضي، فهو يعيش تحت كنف مجموعة من أنماط الوجود وبُنى السلطة: من الدين والأخلاق والتقاليد والثقافة، دون أن يسأل نفسه أو يتساءل، لكنه في المقابل يمتلك القدرة على الصبر والتحمل وهي فضيلته الوحيدة، وهي المرحلة التي يعيش فيها الإنسان بقيم الآخرين. وهذا العقل يجسده المشهد الذي يظهر الرئيسيات أو الإنسان البدائي في بداية الفيلم.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة العقل الذي يتحول من جملٍ يدخل الصحراء مثقلًا بالأحمال إلى أسد يفرض سيادته على الصحراء، ويقول "لا" في وجه كل سلطة وعبودية. فالأسد يرمز إلى التمرد والتحرر، إنه يحطم الأصنام ويعلن استقلاله الفكري، لكن مع كل قوته لا يستطيع أن يخلق قيمًا جديدة، لأنه يجيد الهدم أكثر من البناء. وهذه المرحلة يمثلها ظهور طاقم الفضاء على المركبة الفضائية في بداية الألفية الجديدة.
المرحلة الثالثة والأخيرة هي مرحلة العقل الذي استحال طفلًا، وهي أعلى المراحل عنده، فالطفل رمز للبداية الجديدة، رمز للبراءة والنسيان واللعب. فبعد أن هدم الأسد القيم القديمة، يأتي الطفل ليبدع قيمًا جديدة، فهو يمتلك القدرة على الخلق، وليس مجرد الرفض والهدم، إنه يقول "نعم" للحياة بكامل عنفوانها وطاقتها المقدسة، ويعيش الحياة باعتبارها لعبة خلّاقة، وليس مجرد عبء ثقيل على الإنسان، أو معركة دائمة ينبغي الانتصار بها أو الخروج منها بسلام. فإذا كان الجمل هو الذي يحمل العالم على ظهره، والأسد هو الذي يحطم العالم القديم؛ فإن الطفل هو الذي يخلق عالمًا جديدًا ويمنحه المعنى. ورمزية هذه المرحلة الأخيرة في فلسفة نيتشه عن تطور العقل يمثلها المشهد الأخير في ولادة طفل النجوم داخل الكرة البلورية التي تدور أمام الأرض وتوحي بانتهاء عصر جديد من البشرية، وولادة سلالة أخرى من الإنسان المتحرر من جسده المادي ومن إدراكاته الحسية المحدودة، إنه العقل وقد استحال وعيًا محضًا وطاقة كونية مجدِّدة للخلق والابتكار.
يستعير كوبريك من نيتشه مطرقته مبتدئًا بتحطيم مسلماتنا ويقيننا الموروث عن العالم، بل يمكننا القول إنه يضعنا بشكل مرعب أمام صدمة اليقين الإنساني، ويلقي بنا، بلا اكتراث، إلى فكرة اللايقين التي يجب أن تسود معارفنا وعلومنا عن نشأة الكون والأرض والإنسان.



