مارلون براندو: مفارقة العبقرية التي لم تؤمن بنفسها

October 18, 2026

في شتاء عام 1947، صعد شاب يتمتع ببنية جسدية تشبه ملاكمي الوزن الخفيف الثقيل، له وجه ملاك من لوحات عصر النهضة إلى خشبة مسرح إيثيل باريمور، ليعلن فعليًا بأدائه عن قطيعة تاريخية مع تقاليد الأداء المسرحي التي تعود إلى القرن التاسع عشر؛ كانت المسرحية هي «عربة اسمها الرغبة» (A streetcar Named desire)، والممثل هو مارلون براندو، في الثالثة والعشرين من عمره. لاحظ الكاتب ترومان كابوت، الذي كان يشاهد تحضيرات العرض المسرحي (البروفات)، أن براندو بدا وكأنه يمارس رفع الأثقال، ومع ذلك كان ينام فوق الطاولة ونسخة من مختارات من أعمال فرويد جاثمة فوق صدره. 

لكن، وبينما كان العالم يرفعه إلى مرتبة قائد لثورة جمالية في فن التمثيل، كان في المقابل، يتراجع بهدوء عن هذا الموقع. كان ينظر إلى المهنة التي جعلت منه أيقونة عالمية على أنها أشبه بحياة متشرد، وخدعة مسرحية، لا تهدف، في المقام الأول، إلا إلى تغطية تكاليف علاجه النفسي. أخبر كابوت أنه لم يكن متأكدًا حتى من أن التمثيل هو ما يريد القيام به رغم ضجيج النجاح الذي سمعه من حوله.

كان لهذا التباين، بين عبقريةٍ لا يمكن إنكارها في نظر الجمهور وازدراءٍ للحرفة التي تمتع بها، دورٌ في تحديد وجوده بأكمله. وقد أصرَّ على أن التمثيلَ مهنةٌ لا تختلف في خصوصيتها عن السباكة أو صناعة الخبز. وقبل ظهوره، كان للبطل الهوليوودي نمطٌ ثابتٌ لا يتغيّر؛ وجوهٌ معروفة تعيد الأداء نفسه مرة بعد أخرى، وكأن الجمهور يعرف مسبقًا ما الذي ينتظره.

بدأ براندو، منذ ظهوره السينمائي الأول عام 1950 في فيلم «الرجال» (The Men)، بالتمثيل بلا قناع. بدت جروحه الداخلية مكشوفةً، وحاضرةً في كل تفصيل من أدائه. وكان مستعدًا لبلوغ أي حد مهما بدا غريبًا أو غير مألوف، ليمنح الشخصية صدقها الكامل. كانت تلك مخاطرةً لم يتجرأ عليها نجم هوليوودي من قبل.

كان براندو يتمتع بشيء لا يمكن أن يتوائم مع أي سياق آخر غير التمثيل. كان يعيش الحياة كمن يراقبها بلا توقف؛ يلتقط أدقَّ التفاصيل، من طريقة انطباق الأسنان، وإيقاع الرمش، وحتى الانكماشات الدفاعية للجسد.

كادت عادته في التلعثم، خلال تدريبات مسرحية «مقهى تراك لاين» (Truckline Café)، أن تدفع الكاتب ماكسويل أندرسون إلى طرده. لكن المخرج رأى ما هو أبعد من ذلك؛ بئرًا عميقة من المشاعر، لم يعرف براندو كيف يصل إليها بعد.

أجبره المخرج ذات مرة على كسر تلك المقاومة تجاه تجربة تسلق حبلٍ وهو يصرخ. لم يكن التمرين مجرد تدريب جسدي، وإنما محاولة لفتح منفذٍ داخلي مغلق. وما إن حدث ذلك، حتى خرج أداء خام، مباشر، إلى درجة أن براندو نفسه لم يشعر أنه يمثّل.

كانت ولادة مارلون براندو الابن بوضعيّة معكوسة (رأسه للأعلى)، في 3 أبريل 1924، في أوماها، نبراسكا، تفصيلةً يمكن قراءتها كاستعارة لحياة ستسير دائمًا عكس المألوف. نشأ في أمريكا، التي بدت حينها، مستقرة ومتماسكة في الظاهر، لكنها كانت تخفي تحت هذا السطح توترًا عميقًا؛ جرائم صادمة شغلت الرأي العام، وعنف متصاعد غذّته سنوات حظر الكحول وصعود العصابات. سيجد ذلك التناقضُ بين الواجهة الهادئة والاضطراب الداخلي صداهُ لاحقًا  في العالم النفسي الذي جسّده براندو على الشاشة. كان منزل طفولته في 1026 ساوث ستريت يبدو كأي بيت أمريكي عادي، بواجهته الخشبية الهادئة التي توحي بحياة بسيطة ومألوفة. لكن خلف هذا المظهر، كان هناك جو عاطفي مضطرب، إحساس خفي بعدم الاستقرار، شكّل مبكرًا حساسيته تجاه ما كان يتم إخفاؤه أكثر مما كان يُقال، حيث كانت والدته، دوروثي بينيباكر براندو، ممثلة هاوية موهوبة ساعدت في تأسيس مسرح أوماها، لكنها عانت من إدمان مزمن للكحوليات. وتفضيلها لمعاقرة الخمر على رعاية أطفالها كان الصدمةَ الأساسية في شبابه. كانت ديناميكية الأسرة قائمةً على اللوم والعار والعقاب، حيث كان التسامح سلعةً نادرة. والده، مارلون براندو الأب، كان بائعًا متجولًا للمبيدات الحشرية، وأعتاد أن يسخر من سلوك ابنه ووقفته وطريقة كلامه، مما تتسبب في شعور ابنه بالدونية. تشكّلت ثورة براندو داخل أكاديمية شاتوك العسكرية، حيث تم تسجيله في محاولة عقيمة لغرس الانضباط فيه. كان يكره جرس الأكاديمية الذي يدق كل ربع ساعة بشدة لدرجة أنه تسلق البرج ودفن المطرقة. طُرد في نهاية المطاف في ربيع عام 1943 بعد أن فجر قنبلة صوتية عند باب أحد المعلمين. وبينما كان يحزم حقائبه، قدَّم له معلم يُدعى ديوك واغنر لحظةً نادرةً من التأكيد، قائلًا له: «لا تقلق، مارلون. أعلم أن العالم سيسمع عنك». أثارت هذه اللفتة الوحيدة من التشجيع المباشر دموعَ الشاب البالغ من العمر تسعة عشر عامًا، وكانت هذه دلالة على الجوع العاطفي الذي عانى منه خلال نشأته.

من صرخة ستانلي كوالسكي إلى صمت العراب.. مذبح ستيلا أدلر:

التحق براندو عندما وصل إلى نيويورك في عام 1943، بورشة العمل الدرامية في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية، حيث التقى بستيلا أدلر، التي تتلمذت على يد كونستانتين ستانيسلافسكي في باريس. غير أنها جلبت نسخة معدلة من نظام ستانيسلافسكي الذي ركّز على خيال الممثل وتحليل النص على حساب الذاكرة العاطفية التي فضّلها لي ستراسبيرغ في استوديو الممثلين.

كانت علاقة براندو بعالم ستيلا أدلر المسرحي عميقة جدًا، فقد رأت في حضوره الجسدي امتدادًا لتلك القوة الخام التي ميّزت أداء والدها، الممثل الشهير جاكوب أدلر. اشتهرت أدلر بتقديرها الفوري لإمكانات براندو، مشيرة إلى اتساع طيفه العاطفي وقوة حضوره. التي جعلت التدريس الرسمي غير ضروري تقريبًا. علّمته أن يكون حقيقيًا وأن يكتشف آليات عاطفته الخاصة. طلبت من طلابها في أحد التمارين المشهورة التمثيل كدجاج ينتظر سقوط قنبلة نووية، كان الجميع يرفرف بأذرعه في حالة من الهيجان، بقي براندو هادئًا وتظاهر بوضع بيضة. كان منطقه أن الدجاجة ليس لديها مفهوم عن القنبلة النووية وستواصل ببساطة وظائفها البيولوجية.

أصبح هذا الأساس في المنطق الداخلي والملاحظة الدقيقة السمة المميزة لـطريقته في الأداء. اعتاد الجلوس في أكشاك الهاتف لساعات، يراقب السياح والمتسكعين، مستوعبًا إيقاع أصوات الناس في المدينة، بسخريتها وخشونتها. طور شغفًا بالعزف على الكونغا، وتتلمذ على يد كاهن الفودو هنري بابا أوغسطين، الذي علمه أن ثمة غرض لكل إيقاع. كان براندو بارعًا في التقليد بالفطرة، يقدر على تقليد أي شخص يقابله جسديًا وصوتيًا، ومع ذلك ظلّ لديه شك شديد تجاه التمثيل كمهنة للرجل الحقيقي.

نقطة الانطلاق في مسيرة براندو كانت افتتاح مسرحية «عربة اسمها الرغبة» من إخراج إيليا كازان، الذي كان يتمتع بقدرةٍ فطريةٍ على مطابقة جوهر الشخصية مع الواقع العاطفي للممثل. في هذا السياق، قدّم براندو أسلوبًا تمثيليًا جديدًا يقوم على الغريزة والصدق الخام. كان تينيسي ويليامز كاتب المسرحية  قد تصور في الأصل شخصية ستانلي كوالسكي كرجل مسن شرير، لكن براندو أضفى طابعًا إنسانيًا على الوحشية وحوّلها إلى شكل من أشكال قسوة الشباب، مما جعل حساسية الشخصية تظهر من تحت مظهره الخارجي القوي.

كان ستانلي الذي لعبه براندو ضحية للعصر الصناعي، إذ يظهر في صورة عامل خشن وبدائي يعيش بقبضتيه. كان أداؤه رائعًا، وأحدث ثورة في فن التمثيل من خلال تحرير العاطفة المسرحية من عبودية الكلمات. أصبح القميصُ الضيق والجينز الأزرق الذي لبسه في المسرحية رمزًا للموضة في ذلك العقد وشعارًا جديدًا للرجولة الأمريكية.

عندما انتقل إلى هوليوود لتصوير فيلم «الرجال»، وصل وهو يشعر بازدراءٍ تامٍ للأنانية السطحية السائدة في أوساط صناعة السينما. رفض الإقامة في الفنادق الفاخرة، واختار بدلًا من ذلك النومَ على أريكة في منزل خالته في إيجل روك. عاش من أجل دوره كجندي سابق مصاب بشلل نصفي، لأسابيع في مستشفى بيرمنغهام للمحاربين القدامى، حيث درس الإحباط الرهيب الذي يُعاني منه المرضى.

بعد ذلك بفترة قصيرة، قدّم براندو مفارقةً مذهلةً عندما لعب دور مارك أنطوني في فيلم «يوليوس قيصر» (Julius Caesar) المقتبس من مسرحية ويليام شكسبير. شكك كثير من النقاد  في قدرة ممثل ارتبط بالواقعية الجسدية والتمرد على أداء نص كلاسيكي بلغة شعرية صارمة. لكن خطبته الشهيرة «أيها الأصدقاء، والرومان، وبني وطني، أعيروني آذانكم» (Friends, Romans, countrymen) جاءت دقيقة ومتماسكة إلى حد جعلها تُعدّ أحد أفضل الأداءات السينمائية للنص الشكسبيري. وقد رُشّح براندو عن هذا الدور لجائزة الأوسكار، مؤكدًا أن منهجه الواقعي لا يتعارض مع المسرح الكلاسيكي بل يمنحه حياة جديدة.

بلغ تمرد براندو المبكر أكثر صوره نقاءً في فيلم «الجامح» (The wild one, 1953)، حيث جسّد شخصية جوني، قائد عصابة دراجات نارية يتجول بلا هدف واضح سوى رفض النظام الاجتماعي الذي نشأ بعد الحرب. لم يكن الفيلم مجرّد قصة عن شغب شبابي، بل أصبح لحظةً ثقافيةً صاغت صورة المتمرد الأمريكي الحديث. صنعت سترة الجلد السوداء، والنظرة المتحدية، وطريقة الكلام المتقطعة نموذجًا جديدًا للرجولة السينمائية، نموذجًا سيؤثر فيما بعد على جيل كامل من الممثلين مثل جيمس دين، وبول نيومان.  يرى مؤرخو السينما أن هذا الفيلم رسّخ لفكرة أن البطولة لم تعد مرتبطة بالنبل الأخلاقي بقدر ما أصبحت مرتبطة بالاغتراب والرفض.

بلغ براندو في فيلم «على الواجهة البحرية» (On The Waterfront, 1954) ذروة أدائه الواقعي القائم على التفاصيل الدقيقة. حيث قدّم في مشهد سيارة الأجرة الشهير درسًا نادرًا في كبت المشاعر بدل استعراضها، في المشهد الذي يقول فيه تيري مالوي لأخيه تشارلي: «كان بإمكاني أن أكون منافسًا».

قاوم براندو النص في البداية، إذ لم يرَ منطقًا في أن يُلقي رجل خطابًا مطولًا بينما هو تحت تهديد السلاح. وأقنع المخرج إيليا كازان بأن يجعل اللحظةَ أكثر هدوءًا؛ إذ دفع المسدَّسَ برفق يخلو من مظاهر التحدي. فتحوّل المشهد بهذا التعديل البسيط، من ميلودراما محتملة إلى لحظة خيانة صامتة ومؤلمة.

بعد فوزه بجائزة الأوسكار، دخل براندو ما يصفه كتّاب سيرته بمرحلةِ تراجعٍ، وهي فترة اضطربت فيها اختياراته وتزايد شعوره بالاغتراب. اتجه خلالها إلى أفلام تجارية لامعة مثل «ديزيريه» (Desirée, 1954)، حيث لعب شخصية نابليون بصوت هادئ ولهجةٍ إنجليزية، والمسرحية الموسيقية «شباب وشابات» (Guys and Dolls)، إضافة إلى أعمال مثل «منزل شاي أوغست مون» (The Teahouse of the August Moon, 1956) و«سايونارا» (Sayonara, 1957) و«الأسود اليافعة» (The Young Lions, 1958)، التي أظهرت تذبذبًا واضحًا بين أدوار تقليدية وأخرى أكثر جدية.

ورغم النجاح الجماهيري لبعض هذه الأفلام، بدأ النقاد يتحسَّرون على ما بدا لهم إهدارًا تدريجيًا  لموهبة استثنائية، وكأن براندو يبتعد شيئًا فشيئًا عن ذلك المسار الذي أعاد من خلاله تعريف التمثيل.

كانت الستينيات، إذًا، عقدًا من الإخفاقات المتتالية. في عام 1961، تولى براندو إخراج فيلم «جاك ذو العين الواحدة» (One-Eyed Jack) بعد انسحاب ستانلي كوبريك. ضاعف براندو الميزانية ثلاث مرات واستغرق أكثر من عام لتصوير الفيلم، مما أدى إلى بدء فترة من الانزعاج مع أقطاب السينما. وتفاقم هذا الأمر مع إعادة إنتاج فيلم «التمرد فوق سطح السفينة باونتي» (Mutiny on the Bounty) عام 1962، وهو مشروع تجاوز ميزانيته عشرة ملايين دولار، وبسببه جعلت شركة MGM (إم جي إم) من براندو كبش فداء مناسبًا لهذا الفشل. أصبح سلوكه في مواقع التصوير صعبًا وعنيدًا بشكل متزايد، مدفوعًا بإزدراء الشهوة المدفوعة بالربح الذي يميز الصناعة.

رافق تراجع مكانته السينمائية ازدياد نشاطه السياسي، فأصبح أحد أهم النشطاء في هوليوود، وانضم إلى هاري بيلافونتي وبيرت لانكستر في جمع الأموال لصالح منظمة CORE ومارتن لوثر كينغ جونيور. شارك في حملات الصيد مع القبائل الأمريكية الأصلية في ولاية واشنطن، وكان مؤيدًا قويًا لحزب الفهود السود، وحضر جنازة بوبي هاتون في عام 1968، وكان ذلك جزءًا من انخراطه الحقيقي وليس الشكلي في حركة الحقوق المدنية. 

كان براندو محطمًا بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ جونيور، لدرجة أنه انسحب من فيلم إيليا كازان «التسوية» (The Arrangement, 1969) ليكرس نفسه بالكامل لقضية الحقوق المدنية.

لم يقتصر نشاطه على الدعم المالي فقط، و إنما كان منخرطًا فعليًا في القضايا التي آمن بها، يتعامل معها بتعاطف حقيقي نابع من شعور مبكر بالإقصاء عاشه في طفولته. وقد عبّر عن هذه الرؤية حين قال إنه لو كان العالم متجانسًا تمامًا، بلون واحد، لوجد البشر سببًا آخر للانقسام، حتى لو كان ذلك بين من يستخدمون اليد اليمنى ومن يستخدمون اليد اليسرى. ورغم تشاؤم نظرته، إلا أنها تكشف عن إدراك حاد لميول الإنسان الدائمة إلى خلق الفروق وتحويلها إلى صراعات.

بحلول عام 1971، كان يُنظر إليه في هوليوود على أنه عبء تجاري أكثر منه نجمًا، وجرى استبعاده من المشاريع الكبرى، إذ عانى وقتئذ من زيادة في الوزن وحالة نفسية مضطربة، وتراجعت مسيرته تحت وطأة سلسلة من الإخفاقات المتتالية. ومع ذلك، خلال عام واحد فقط، حقق واحدةً من أكثر العودات إثارة في تاريخ هوليوود.

بدأ النهوض مع فيلم «الأب الروحي» (The Godfather, 1972). كان مسؤولو باراماونت يعارضون بشدة اختيار براندو، إلى حد أن المخرج فرانسيس فورد كوبولا اضطر إلى التحايل لإقناعهم. أعاد براندو -في اختبار الأداء في منزله- تشكيلَ وجهه بوسائل بدائية؛ حيث صبغَ شعره باللون الأسود، ووضعَ حشوًا في خديه، وخفّض صوته. لكن التحوّل الحقيقي لم يكن شكليًا، بل داخليًا كذلك.

لم يقدّم براندو في شخصية دون فيتو كورليوني الصورةَ النمطية المتوقعة لزعيم العصابة، وإنما أعاد تعريف السلطة نفسها. تمثَّلت قوّته في الصوت الخافت الذي يُجبر الآخرين على الإنصات، وفي الصمت الذي يحمل تهديدًا أكثر من أي صراخ. استلهم نبرته من شخصياتٍ واقعيةٍ مثل زعيم المافيا فرانك كوستيلو، لكنه أزال الاستعراض عنها، واحتفظ بالجوهر؛ كرجل يرى نفسه مديرًا لنظام، لا يعتبر مجرمًا خارجه. لم يكن كورليوني وحشًا، بل أبًا، رجل أعمال يدير العائلة كما تُدار شركة، بمنطق بارد وعاطفة محسوبة. وهنا تكمن فرادة الأداء، في جعله للعنف يبدو نتيجةً طبيعيةً للنظام، وليس خروجًا عليه. أصبح الشر هادئًا، منظمًا، ومقنعًا إلى حد مخيف. 

توّجت عودته في عام 1972 بفوزه بجائزة الأوسكار الثانية عن فيلم «الأب الروحي»، والتي اشتهر برفضها. وأرسل بدلًا منه الناشطة ساشين ليتلفيذر إلى المنصة لرفضِ الجائزة احتجاجًا على المعاملة العنصرية التي يتعرض لها الأمريكيون الأصليون على يد صناعة السينما، استغلَّ براندو جمهورًا عالميًا يضم الملايين للدفاع عن قضية وجدها أكثر أهمية بكثير من خُدَعه السينمائية. 

جاء فيلم «التانغو الأخير في باريس» (Last Tango in Paris, 1972)، من إخراج بيرناردو بيرتولوتشي، بوصفه أكثر أعمال براندو كشفًا لذاته، لا من حيث الموضوع فحسب، ولكن من حيث طبيعة الأداء نفسه. لم يكن يؤدي هنا شخصية سينمائية بقدر ما كان يعرّي طبقات من حياته الخاصة أمام الكاميرا. شجّعه برتولوتشي على الارتجال، فخرجت من داخله حوارات داخلية: مونولوجات مستمدة مباشرة من طفولته؛ وعلاقته المضطربة بوالديه، وذكريات الإذلال المبكر، لكن ما بدا على الشاشة كصدقٍ مطلق، كان في حقيقته منطقة ملتبسة بين الأداء والاعتراف.

لم يعد التمثيل في هذا الفيلم عملية "تجسيد" لشخصية، بقدر ما أصبح نوع من الانكشاف القاسي، حيث تُستثمر التجربة الشخصية للممثل كمواد خام للأداء. ولهذا لم يكن غريبًا أن يشعر براندو لاحقًا بأنه قد استُخدم أكثر مما مثّل؛ إذ أدرك أن ما قدّمه لم يكن أداءً بالمعنى التقليدي، وإنما تفريغًا نفسيًا جرى تحويله إلى مادة سينمائية. 

تكمن أهمية هذا العمل في أنه دفع بأسلوب براندو إلى أقصى حدوده، من الواقعية النفسية إلى ما يشبه التعري العاطفي الكامل. لكنه في الوقت نفسه كشف خطورةَ هذا المسار حين يختفي الحد الفاصل بين الفن والحياة، ويصبح الممثل نفسه موضوع العمل وليس أداته.

دخلت مسيرة براندو بعد الذروتين اللتين حققهما عام 1972 مرحلة مختلفة، اتجه فيها إلى أدوار صغيرة لكن مربحة، وبدأت علاقته بالمهنة تبدو أكثر برودة. كان يتقاضى مبالغَ ضخمةً مقابل ظهور محدود على الشاشة، كما في «سوبرمان» (Superman, 1978) والمسلسل التلفزيوني «جذور» (Roots the next generations, 1979)، وغالبًا ما كان يتجنَّب حفظ النصوص، معتمدًا على وسائل مساعدة خفيّة؛ متمثلة في سماعة صغيرة أو بطاقات موزعة في موقع التصوير تلقّنه الحوارَ أثناء الأداء.

وفي نفس الوقت ابتعد تدريجيًا عن صخب الصناعة، وقضى فترات طويلة في جزيرته الخاصة تيتياروا في تاهيتي، حيث انشغلَ بمشاريع بيئية وتجارب غير تقليدية، من بينها نقلُ كائناتٍ بحرية إلى بيئات جديدة، أو البحث في العوالق كمصدرٍ غذائيٍّ محتمل. بدت هذه المرحلة كأنها انسحابٌ هادئ من مركز الصورة، أو ربما إعادة تعريف لعلاقته بالتمثيل؛ لم يعد التحدي هو ما يحركه، وإنما ما يمكن أن يمنحه إياه هذا الحضور المتقطّع من حرية.

ظهر براندو في شخصية مختلفة جذريًا في فيلم «القيامة الآن» (1979 ,Apocalypse Now) من إخراج فرانسيس فورد كوبولا. في دور الكولونيل كورتز، لم يعد براندو يؤدي المشهد بالطريقة التي اعتدناها منه؛ كان حضوره مختلفًا، أقل تعبيرًا وأكثر غموضًا، وكأن الشخصية لم تعد تُروى بقدر ما تُحس.

استندت الشخصية إلى رواية «قلب الظلام» للكاتب جوزيف كونراد، لكنها في أداء براندو تحوّلت إلى تأمل مظلم في انهيار العقل الأخلاقي للحضارة. لم يعتمد على الانفعال الظاهر، وإنما على تقنيات عكس التي عُرف بها في بداياته؛ إذ خفّض صوته ليصير أقرب إلى همس متقطّع، وأبطأ إيقاع الكلام، وترك مساحات طويلة من الصمت، كأن الكلمات نفسها أصبحت عبئًا على الشخصية.

ساهم التصويرُ في الظلال، جزئيًا بسبب حالته الجسدية ( كان قد اكتسب وزنًا زائدًا)، وبوصفه خيارًا جماليًا، في تحويل وجهه إلى كتلة غير مكتملة، نصفها ظاهرٌ ونصفها غارقٌ في العتمة، ما عزّز الإحساس بأن كورتز ليس شخصًا بقدر ما هو حضور يخرج من الظلام. 

كما اعتمد براندو على الارتجال في بناء مونولوغاته، مستبدلًا الحوار التقليدي بتدفق تأملي متشظٍ، يدور حول فكرة واحدة تتكرر بصيغ مختلفة: "الرعب". نقل براندو بهذه الأدوات، الأداء من مستوى التعبير إلى مستوى التأثير. لم نعد مطالبين بفهم الشخصية بنفس قدر شعورنا بثقلها. وهنا تكمن فرادة هذا الدور؛ فقد قدَّم الجنون كمنطقٍ داخليٍّ متماسك إلى حدٍّ مخيف. لذلك رأى كثيرٌ من النقاد في هذا الأداء ذروةَ تحوله من ممثل واقعي يلتقط التفاصيل، إلى رمزٍ ميتافيزيقيٍّ يجسد السلطةَ في صورتها الأكثر تجريدًا وظلمة.

لم يعد مارلون براندو يسعى في مرحلته المتأخرة، إلى إعادة اختراع نفسه بقدر ما بدا وكأنه ينسحب تدريجيًا من فكرة الأداء ذاتها. جاءت مشاركاته متباعدة ومحدودة، كما في «الطالب الجديد» (The Freshman, 1990)، حيث لعب نسخة ساخرة من صورة «الأب الروحي»، أو في ظهوره القصير في «جزيرة الدكتور مورو» (The Island of Dr Moreau, 1996)، الذي عكس فوضى هذه المرحلة أكثر مما قدّم إضافة فنية حقيقية.

وقد ظهر بصورة مغايرة تمامًا عما اشتهر به في «دون خوان دي ماركو» (Don Juan DeMarco, 1994)، حيث لعب دور طبيب نفسي يواجه شابًا يعيش داخل وهم أنه دون جوان. لكن ما يقدّمه هنا ليس صراعًا، وإنما أداءً قائمًا على الإنصات. وذلك بالتقليل من الانفعال، وترك الصمت والمسافة يعبّران عن الشخصية. لم يعد يدفع المَشهد وإنما صار يُراقبه، كأن ما تُخفيه الشخصية بداخلها أكثر مما تقوله. يبدو براندو في هذا الدور أقل اهتمامًا بإقناعنا، وأكثر ميلًا إلى التأمل، فهو لم يعد بحاجة إلى إثبات شيء، بعد أن اكتفى، بدلًا من ذلك، بأن يكون شاهدًا على هشاشة الآخرين.

لكن هذه المصالحة لم تكن مستقرة. ففي «جزيرة الدكتور مورو» وحتى في هذا الشكل غير المتماسك، ظلَّ هناك شيء لا يمكن تجاهله؛ تلك القدرة على ملء الفراغ بالصمت. لم يعد بحاجة إلى حركة أو جملة مكتملة، مجرَّد جلوسه أو نظرته كافٍ لفرض إيقاع مختلف على المشهد.

هنا تظهر مفارقة براندو الأخيرة؛ ممثل تراجع اهتمامه بالتمثيل، لكن أثره ظلّ راسخًا ولم يتراجع. بين سخرية «الطالب الجديد» وفوضى «جزيرة الدكتور مورو» وهدوء «دون خوان دي ماركو» وثقل الحضور في «الهدف» (The Score, 2001)، تشكلّت صورة ممثِّلٍ لم يعد يسعى للسيطرة على المشهد، بل يكتفي بالمرور فيه فحسب، ومع ذلك يترك أثرًا لا يزول.

ظلّت سنواته الأخيرة مثقلة بوقائع شخصية قاسية. ففي عام 1990، أطلق ابنه كريستيان النار وقتل داغ دروليت، صديق شايان ابنة براندو داخل منزل العائلة. بدا براندو خلال المحاكمة، أبًا منكسرًا أكثر منه نجمًا، يتحدث بارتباك وألم واضحين. ثم جاءت الصدمة الأكبر مع انتحار شايان عام 1995، وهو الحدث الذي ترك أثرًا عميقًا في حياته ولم يتمكن من تجاوزه.

حصن مولهولاند: الفصل الأخير من حياة مارلون براندو

شكّلت المفارقة بين عبقرية مارلون براندو الفنية ونفوره من مهنته الخيطَ الأكثر ثباتًا في مسيرته. فمنذ أيامه الأولى في نيويورك، بدا اختياره لدراسة التمثيل أقرب إلى قرارٍ عابرٍ منه إلى استجابةٍ لنداءٍ داخلي، وكأنه جاء بدافعِ القلق العائلي أكثر من كونه رغبة شخصية. لم تكن هذه المسافة مجرد موقف عابر، إذ ظلَّ طوالَ حياته يتحدَّث عن التمثيل بوصفه مهارةً يمكن لأي إنسان امتلاكها، ويختزل إنجازاته إلى ما يشبه الحيل المسرحية، وكأنها لا تستحق كل هذا التقدير الذي حظيت به.

كان لهذا الموقف جذور متعددة. فقد كان هناك، أولاً، شعور خفي بما يمكن تسميته "ذنب السهولة"، إذ وجد نفسه يحقق ثروةً وشهرةً طاغيتين في مجال لم يكن يؤمن بقيمته إيمانًا كاملًا. ثم هناك نظرته إلى التمثيل كمهنةٍ تفتقر، في رأيه، إلى ثقلِ الأعمال القادرة على تغيير العالم فعلًا، كالنشاطِ السياسي أو البحث العلمي. ومع ذلك، كان في براندو شيئًا لا يمكن فصله عن التمثيل وكأن العالم كله مادة خام لأدائه.

ومن المفارقة أن هذا النفور نفسه ربما كان أحد مصادر عظمته. فبرفضه الامتثال لقواعد النجومية، تحرَّر من القيود التي كبّلت غيره. لم يكن يخشى الفشل، ولم يسعَ إلى الكمال. كان مستعدًا للمخاطرة في كل مرة. فكثيرًا ما كان يصل إلى موقع التصوير دون أن يحفظ نصه، ليس كسلًا منه بقدر ما هو إيمان بأن الإنسان في الحياة لا يعرف مسبقًا ما سيقوله. هذا التوتر بين الجهل والمعرفة، بين الارتباك والوضوح، هو ما منح أداءه ذلك الإحساس النادر بأن الشخصية بصدد التفكير والتشكّل أمامنا لحظة بلحظة.

هذا الرفض للانضباط التقليدي، وذلك السلوك الذي بدا أحيانًا معاديًا لفكرة الامتثال هو ما جعله قريبًا من جيل كامل. كان يرفض الأمان المصطنع لما بعد الحرب. لم يتبنَّ قواعدَ جاهزة، وإنما عاش وفق حسٍ جمالي خاص به، فبدت شخصياته امتدادًا لفكرة أوسع عن الحرية الفردية. تكشف مسيرته، بما حملته من نجاحات هائلة وإخفاقات لافتة وعودات غير متوقعة، حقيقةً أبسط مفادها أن الموهبة، حتى حين تُهمل أو تُساء إدارتها، لا تختفي بسهولة. كان يستطيع أن يسخر من كل شيء، وأن يبتعد، وأن يُثقل جسده ويُربك مساره، لكنه لم يستطع أن يمحو تمامًا الأثر الذي تركه.

يكمن إرث براندو الأعمق في التحول الذي أحدثه في طبيعة الأداء السينمائي. فلم يعد التمثيل عنده عرضًا متقنًا، وإنما سلوكًا حيًا. كان ممثلون كبار، مثل لورانس أوليفييه، يمتلكون، قبل ظهور براندو، أدوات تقنيةً أكثر صقلًا، لكن براندو قدّم شيئًا مختلفًا؛ نبضًا داخليًا لا يمكن تقلِيده بسهولة. كان من أوائل من أظهروا أن التردد والضعف والشك يمكن أن تكون عناصر قوة لا نقيضها، وأن البطولة لا تعني الصلابة وإنما الصدق.

ومن هنا، يصعب التفكير في أي ممثل جاء بعده دون أن نرى أثره. من جيمس دين إلى بول نيومان، ومن آل باتشينو إلى روبرت دي نيرو، وصولًا إلى جوني ديب، كلهم، بدرجات متفاوتة، امتدادات لذلك التحول الذي بدأه. وكما قال جيمس، فإن إنكار هذا التأثير ليس سوى تجاهل لما أصبح بديهيًا في تاريخ التمثيل. لقد غيّر براندو القواعد إلى حد أن حتى مراحله المتأخرة، بكل ما فيها من غرابة أو مبالغة، ظلّت تحمل وزنًا خاصًا على الشاشة.

كانت حياة براندو مزيجًا من التناقضات: ما بين القوة والهشاشة، والعظمة والفوضى. ترك خلفه صناعةً تغيّرت بعمق، رغم أنه لم يتصالح معها يومًا بالكامل. وظلّ، حتى آخر أيامه، شخصًا يقف على الهامش، ويتحدث باسم المهمشين. وربما في ذلك تكمن مفارقته الأخيرة، أنه ورغم كل محاولاته للابتعاد، أصبح حضورًا يصعب تجاوزه، جزءًا من تاريخ لا يزال يُعاد التفكير فيه حتى اليوم.

في العقد الأخير من القرن العشرين، كان طريق مولهولاند درايف المتعرج يؤدي إلى حصنٍ مخفيٍّ وراء غابة كثيفة ومتحركة من أشجار الخيزران. وراء هذا الحاجز المورق، عاش رجل قضى، حسب اعترافه، حياته كلها محاولًا أن يكون "أقل جنونًا". انسحب مارلون براندو، الذي كان يومًا ما أجمل وأخطر شخصيةٍ في المسرح الأمريكي، إلى حياةٍ منعزلةٍ أمضى فيها لياليه "يعبث" ببرنامج فوتوشوب ويتقن تعقيدات برنامج "أفتر إيفكتس". بالنسبة للزوار القلائل الذين تمكنوا من اختراق محيط منزله على قمة تل بيفرلي هيلز، كان رجلًا يتمتع بفضول لا حدود له، وعالمًا متعدد المواهب يمكنه إلقاء محاضرات عن علم الوراثة والفلسفة الشرقية وآليات صناعة الأحذية، ومع ذلك كان يعتبر المهنة ذاتها التي جعلته أيقونة عالمية "حياة متشرد".

توفي مارلون براندو في 1 يوليو 2004 نتيجة فشل في التنفس، كان قبلها قد ابتعد منذ زمن عن مركز الصورة، لكن حضوره لم يتلاشَ. نُثر رماده لاحقًا بين تاهيتي ووادي الموت، في إشارة أخيرة إلى حياة تنقّلت بين أقصى الحالات، بين الانخراط والانسحاب.

ما تركه براندو لم يكن مجرد سلسلة من الأدوار، لكنه خلّف وراءه طريقةً جديدةً للنظر إلى التمثيل نفسه، طريقة جعلت الشخصية أقرب إلى الإنسان، وأقل خضوعًا للزخرفة. ومع ذلك، بقيت المفارقة تلازمه حتى النهاية: ممثل غيّر الفن الذي لم يرتح إليه يومًا ورجل ظلّ يبحث، خلف كل هذا الحضور، عن شكل أبسط للوجود.

‍

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى