لماذا نُعلّق وجه امرأةٍ تائهة على واجهة حساباتنا الشخصية؟
كلّ يوم أتصفّح فيه الإنترنت أُصادف نفس الصورة الشخصية مكرّرةً على حساباتٍ يتشابه محتواها: امرأة تنظر إلى الكاميرا نظرةً مائلة، بعينٍ نصف ساخرة ونصف مهزومة، والمسكرة (Mascara) زائغة تحت جفنها. مرّةً تبدو حزينة، ومرّةً تنظر إليك بوجهٍ خالٍ من أيّ تعبير. إنها فليباغ بطلة مسلسل «Fleabag, 2016-2019». وإن لم تكن هي، فهي يوليا، بطلة «أسوأ إنسان في العالم» (The worst person in the world, 2021)، وهي تعبر أوسلو راكضةً في ضوءٍ صيفيّ ذهبي اللون، أو وهي جالسة على سطح بيتٍ تنظر إلى مدينةٍ لا تعرف ماذا تفعل فيها. صورتان بلا نصّ ولا تعليق، ومع ذلك تقولان عن صاحب الحساب جملةً كاملة: توحيان بأن هذا شخصٌ تائه.
في الظاهر، لا يعدو الأمر كونه ذوقًا سينمائيًّا. لكن الصورة الشخصية ليست ذوقًا، وإنما قد تكون بيانًا؛ إنها أول شكل من أشكال التعبير عنّا قبل أن نتكلّم، ونحن ننتقيها كما ننتقي كلّ ما نختار أن ينوب عنّا. ولذلك يستحقّ هذا الاختيار أن نضعه موضع تساؤل: من بين كلّ الوجوه الممكنة، لماذا نختار وجه شخصٍ ضائع، عاجز عن إدارة حياته؟
الجواب الأول هو الاعتراف الوقائي. أن نضع صورةً لشخصية فليباغ يعني أننا نقول للناس، قبل أن يكتشفوا ذلك بأنفسهم: أعرف أنني غير مرتّب، وأعرف أنني أُفسد الأمور، وقد سبقتُكم إلى قول ذلك. هناك نوع من الحصانة في أن تتّهم نفسك أولًا؛ فمن اعترف قبل أن يُسأل لا يمكن فضحه. وهذه، بالمناسبة، هي حرفة فليباغ نفسها في المسلسل: تُلقي النكتة عن نفسها قبل أن يُلقيها أحد، وتُسمّي عيبها بصوتٍ عالٍ حتى تُفرغه من قدرته على إيذائها. أي أننا لا نستعير وجهها فحسب، بل نستعير أسلوبها في الدفاع كذلك.
والجواب الثاني يتعلّق بما هو معروض علينا في المقابل. الصور العادية الأخرى المتاحة على الإنترنت مصقولة إلى حدٍّ مثالي: الروتين الصباحي، والمذكّرة المرتّبة، والقهوة والرياضة والإنجاز، ووجه من قرّر أن يكون نسخةً أفضل من نفسه هذا العام. أن نختار فليباغ أو يوليا هو رفضٌ صريح للمعروض كلّه. (ليس لأننا لا نريد الترتيب، بل لأننا تعبنا من التمثيل). الوجه الذي يقول «أنا لستُ بخير تمامًا» صار، في هذا السياق، وجهًا مريحًا. والغريب أنه تمثيلٌ أيضًا، لكنه التمثيل الوحيد الذي ما زلنا نُصدّقه.
أما الجواب الأعمق، فهو أن التيه في هاتين الشخصيتين ليس حالةً مرضيةً عابرة، لكنه وصفٌ دقيق لموقع كثيرين منّا. ولهذا، لا يُقرأ العملان بوصفهما حكايتَين عن امرأتين بعيدتين، وإنما بوصفهما توصيفًا لحالةٍ نعرفها من الداخل.
امرأتان من بلدين، وحكاية واحدة
لندن وأوسلو، مسلسل كوميدي وفيلم دراما، ممثّلة بريطانية كتبت دورها بنفسها وممثّلة نرويجية كُتب لها الدور. ومع ذلك، لو جلست البطلتان على طاولةٍ واحدة، لعرَفت كلٌّ منهما الأخرى من النظرة الأولى.
كلتاهما تتحرّك في تلك المنطقة الرمادية بين نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات، حيث يُفترض بالإنسان أن يكون قد «قرّر» شكل مساره. وكلتاهما جاءت في زمنٍ صار مباحًا فيه للشخصية النسائية أن تظهر بكل عفويتها على الشاشة: لا لطيفة، ولا مظلومة بوضوح، ولا هي مضحكة أو ساذجة على طريقة الصديقة الطيبة.
فليبَاغ تسرق وتكذب وتدخل في علاقات عشوائية، ويوليا تتخلّى عن رجلٍ يحبّها أثناء احتفاله بنشر كتابه. ولا يقدّم أيٌّ من العمَلين عذرًا جاهزًا لبطلته، ولا يطلب منّا التسامح معها؛ فكل ما يدعونا إليه هو النظر بإمعان لا غير.
يصعب أن تُروى حكاية أيٍّ منهما، لأن ما يجري فيهما ليس أحداثًا بالمعنى المتعارف عليه. إحداهما تُدير مقهى صغيرًا فاشلًا، وتحضر عشاءً عائليًا كارثيًا، وتُضحكنا وهي تنهار. والأخرى تبدأ دراسة الطبّ، ثم تنتقل إلى علم النفس، ثم إلى التصوير، ثم تعمل في مكتبة، وتُغيّر الرجال كما تُغيَّر مساراتها. لا ذروة في الأحداث، ولا انتصارًا، ولا لحظةً تنكشف فيها الحقيقة. مجرّد سنواتٍ تمرّ على امرأةٍ تنتظر أن تبدأ حياتها. وهذا موضوع العملين معًا: الحياة التي لم تبدأ بعد.
إنهما امرأتان تتشابهان حتى في الحيلة، إذ نرى فليباغ تلتفت إلى الكاميرا، في منتصف موقفٍ محرج، وبينما تنتظرها إجابة، تُغادر المشهد متجهة نحونا لتُلقي نكتة. أما يوليا تعبر أوسلو المتجمّدة -حيث تتوقّف السيارات، ويتسمّر المارّة، ويتعلّق رشّ القهوة في الهواء- لتصل وحدها إلى الرجل الذي تريده، في واحد من المشاهد اللافتة في الفيلم. حيلتان لا تشبه إحداهما الأخرى، لكن وظيفتهما واحدة: كسر الواقع، لأن الواقع لا يتّسع لما تريده البطلة، ولا هي تعرف تمامًا ماذا تريد.
وتحت هذه السخرية التي يحمِلها العمَلان ثمة جسدٌ ميت. في قصة فليباغ هناك «بو»، الصديقة التي أرادت أن تعاقب حبيبها بحادثٍ صغير يجلب لها التعاطف، لكن الحادث انتهى إلى حتفها؛ فتعيش فليباغ على إثره حزنًا وجوديًّا يُعيد تشكيل نظرتها للحياة، لأنها تعرف أنها كانت السبب وراء هذا الحادث. أما في قصة يوليا هناك أكسل، الرجل الذي تركته ثم عاد إلى حياتها وهو يحتضر. فيقول لها أنه قضى عمره في الاهتمام بالأشياء والأسطوانات والكتب والرسوم، وأن كلّ ذلك سيُرمى؛ وهي تُدرك أن حياتها كانت مؤجّلة إلى إشعارٍ لن يأتي.
كما يتشابه العملان في وجود هذا «الطريق الذي لم تسلكه البطلة». فالأخت المرتّبة في «فليباغ» ليست شخصية ثانوية، وإنما كيانًا معاكسًا للبطل، وصورة محتملة لها لو أنها اختارت الانتظام والحياة النمطية: عمل ناجح، وشعر مرتّب، وزواج ممل، وقلب مقفل، إلا أن نجاحها لا يُريح فليباغ بل يُخيفها، لأنه يُثبت أن النظام ممكن، ثم يُثبت العكس في المشهد التالي؛ بأنه ليس الخلاص. وفي فيلم يوليا يحقق جميع من حولها ما تعجز عن تحقيقه: الرجل الذي تركته يبني اسمًا، والأصدقاء يُرزقون أطفالًا، وهي وحدها معلّقة.
مطرقة الوحدة وسندان التيه: حينما يختار البطل الهرب من الوحدة
في الموسم الثاني، تسأل الطبيبة النفسية فليباغ إن كان لها أصدقاء. لا تُجيب البطلة بكلمة، وتكتفي بأن تُدير عينيها نحونا غامزةً. وعبر غمزة واحدة، تُنجز ما لا يُنجزه فصل كامل من الحوار، إذ تُخبرنا أننا نحن الجواب.
هذه هي الوظيفة الأخرى لكسر الجدار الرابع، وأظنّها الأهمّ. لم يكن الالتفات إلى الكاميرا مهربًا من الحزن فحسب، وإنما ترتيبًا ذكيًّا للوحدة. فقد تدرّجت مرتبتنا في المسلسل من دون أن ننتبه: بدأنا جمهورًا يُضحكه ذكاؤها، وانتهى بنا الحال بصفتنا الصديق الوحيد الذي تُصارحه. لم تجد فليباغ من يسمعها، فاختارت أن تُوجِد لنفسها مستمعين.
والسؤال الذي يستحقّ الوقوف عنده: لماذا تُفضّل جمهورًا لا يستطيع الرد عليها، بينما يوجد حولها من يستطيع ذلك؟ فلها أخت وأب وزوجة أب، وعددٌ لا يُحصى من الرجال. الفرق أن الكلام متوافر عندها، على عكس الفهم. كلّ من في حياتها يرى نسخةً من فليباغ يستطيع تحمّلها، ولا أحد يرى النسخة التي تعرفها هي عن نفسها؛ ولذلك تُمرّر كلامها عبر مصفاة قبل أن تلفظه، فتخرج منها ردودٌ مهذبة لا تشبهها، ويبقى الأصل عندنا. فنغدو نحن الغرفة التي لا تحتاج فيها إلى تعديل نفسها.
ولهذا يشبه كسرُ الجدار الرابع، في هذا المسلسل، العلاقةَ الحميمية. تقول لنا فليباغ بعبارات صريحة إن ما يجذبها في الجنس الأخر ليس الفعل بل الشعور بأنها مرغوبة، أي أن الجسد وسيلتها إلى أن تكون مرئية. والكاميرا وسيلة أخرى تؤدي نفس الغرض: وجود كائن، أيّ كائن، يهتمّ بكلّ ما لديها لتقوله ولا يطلب منها تخفيف وقعه. المفارقة أنها اختارت لهذا الدور كائنًا لا يمكنه أن يُجيب، لأن من يُجيب قد يصدر حكمًا، ومن يحكم قد يتركها ويرحل.
ولعلّ أصدق علامة على هذه الوحدة أن البطلة لا اسم لها. فطوال اثنتي عشرة حلقة لا نعرف لها اسم، و«فليباغ» ليس اسمًا بل شتيمة مهذّبة. امرأة لا يقترب منها أحد إلى الحدّ الذي يُنطق فيه اسمها.
أما وحدة يوليا، فهي على الطرف الآخر تمامًا، غير أن التجربتين تتقاسمان نفس الجوهر. فهي امرأة لا تعيش بمفردها: لديها رجل وأصدقاء وحفلات وبيت مليء بالكتب والأسطوانات. لكن وحدتها من النوع الذي يتضخّم في الزحام ويهدأ في الخلاء. يكفي أن نتذكّرها وهي على طاولة العشاء بين أصدقاء أكسل، لننتبه إلى أنها لا تنسجم مع الجمع، فرغم كونها أصغرهم سنًّا، وأقلّهم إنجازًا، تجلس معهم لتُصغي إلى حديثهم عن مشاريع ومقالات ومعارض فلا تجد جملةً واحدة تخصّها أو تعبّر عنها. ذلك أن الوحدة هنا لا تتمثّل في غياب الناس، وإنما في غياب موقعها الخاص بينهم.
ولأنها لا تجد أحدًا يبصرها في مكانها الذي تشغله، تشيح بنظرها لتبحث عن عيون بعيدة، فتكتب عن نفسها نصًّا لاذعًا، يقرأه غرباء لا يعرفونها، وينتشر على الإنترنت. وهنا يظهر بجلاء أن جدار يوليا الرابع هو الشاشة. ففليباغ تُدير رأسها باتجاه الكاميرا، بينما تُديره يوليا ناحية القرّاء، وكلتاهما تُخاطب من لا يعرفها لأن من يعرفها لا يفهمها. والنتيجة تغدو قاسيةً في حالتها، إذ يصبح أشهر إنجازٍ في حياتها هو نصٌّ عن حياةٍ لم تعشها.
وفي اختلاف الشكل بين العملين مفارقةٌ أخيرة تستحقّ الالتفات. ففليباغ تتحدّث إلينا، لكن يوليا تغدو هي موضوع الحديث؛ إذ أن الفيلم يُسلّم أمرها إلى صوتٍ يحكي عنها من خارجها وهي لا تدري. الأولى صنعت شاهدها بيدها، والثانية كان لها شاهد طوال الوقت ولم تعرف بأمره. أي أن العملين منحا بطلتيهما، على مستوى الشكل الفنّي، ما لم يمنَحهُما إياه أحد في الحياة.
الوقوع في الحب المستحيل
بعد مضي عامٍ كامل، يفتتح الموسم الثاني، فنرى فليباغ في حالٍ أفضل، فقد توقفت عن اللجوء إلى أَسِرّة الغرباء كمُسكّنٍ للوحدة، وبدأت تُصلح ما يمكن إصلاحه. وحين يستقرُّ بها الحال قليلًا، تفعل أذكى ما يمكن أن يفعله شخصٌ يخاف الالتزام: تُحبّ رجلًا غيرَ متاح، رجل لا يمكنه المضي معها، لأنه كاهن مقيد بالدين والمظهر الاجتماعي.
وهو ليس كسائر الرجال في المسلسل، لأنه أول من يراها. في مشهدٍ يستحقّ أن يُدرَّس، تلتفت فليباغ إلينا كعادتها، فيتتبع بصرها إلى الكاميرا ويسألها عمّا حدث للتوّ. تحاول أن تُنكر، فيُصرّ قائلًا: «لقد غبتِ لحظة، خرجتِ من هنا». كسرت شخصياتٌ كثيرة الجدار الرابع قبلها، لكن نادرًا ما يُعلِّق أحد من داخل العمل على الشخصية وهي تفعل ذلك. من هذه اللحظة، بحسب ما تقوله الممثلة فيبي والر بريدج نفسها، لقد وُلد القسّ ووُلد معه الموسم الثاني كلّه، إذ كانت العلاقة بين البطلة والجمهور هي محور العمل في ذهنها، وكان دفعُها للكاميرا في نهاية الجزء الأول نهايةً منطقية لتلك العلاقة. ثم سألت نفسها: ماذا سيحدث لو انتبه أحدٌ في الحكاية إلى هذه العلاقة الخفيّة، فرأى البطلة كما هي، لا كما تُقدّم نفسها.
والنتيجة أن تغدو العادة أكثر انكشافًا. فكلّما التفتت إلى الكاميرا في حضوره، أعادها إلى المشهد. وهكذا تجد نفسها، للمرة الأولى، مضطرّةً إلى البقاء داخل اللحظة كاملةً من دون مخرجٍ جانبيّ. ويبلغ هذا ذروته في المشهد الذي انتظرته طويلًا: حين يشاركها مخدعها، لا تُعلّق بسخرية كما فعلت في كلّ المشاهد الحميمية قبله، بل تدفع الكاميرا بعيدًا عنها بيدها. لا نكتة هنا ولا شهود؛ ذلك أن الحضور الكامل، إن حدث، لا يحتاج إلى راوٍ.
لكن يبقى سؤالٌ لا يقوله المسلسل بصوتٍ عالٍ: لماذا القسّ تحديدًا؟ لماذا يكون أول رجلٍ يراها هو الرجل الوحيد الذي لا يستطيع البقاء معها؟ لأن الحبّ المستحيل أكثر أنواع الحبّ أمانًا. النذر الذي يُبعده عنها هو نفسه الذي يُتيح لها أن تُحبّه بكلّ قوّتها، إذ يمكنها أن تُعطي كلّ شيء، وأن تُرى تمامًا، وهي تعرف أن المقابل لن يُطلب منها، لأن المستقبل مُلغى من الأساس. أصدق حبٍّ في المسلسل هو أيضًا أكثره تحصينًا.
وتقول يوليا الشيء نفسه لكن على نحو معكوس. فلديها أكسل، رجلٌ يحبّها ويعرض عليها حياةً واضحة المعالم: بيت ومكانة وأطفال وهويّة جاهزة تتماهى معها فتكفّ عن سؤال نفسها من تكون. لكنها تترك كل ذلك وتخرج من الباب، لا إلى رجلٍ أفضل، بل إلى رجلٍ يشبهها: إيفند، غير محدّد مثلها، لا يُطالبها بشيء ولا يعدها بشيء. فليباغ اختارت من لا يستطيع البقاء معها، ويوليا اختارت من لا يطلب منها البقاء أساسًا؛ وكلتاهما اختارت حبًّا مع بابٍ مفتوح. ولهذا، حين يلوح أمام يوليا احتمال الأمومة، بما يمثله من التزام لا رجعة فيه، تتصدّع تلك العلاقة الثانية أيضًا.
في العملين، الحبّ ليس مكافأة يتم تحصيلها في نهاية القصة، وإنما الأداة التي تتحرك في الوسط. ففي الختام، يختار القسّ الله ويترك فليباغ مع جملة قاسية في هدوئها: «سيمضي هذا». بينما يموت أكسل ويوليا تُشاهد. لا تنال أي واحدة منها الرجلَ الذي تحبه، لكن كلتيهما تحصل على شيءٍ لم تكن تملكه: لحظات كانت فيها حاضرة تمامًا، بلا سخرية ولا تعليقٍ ولا انسحابٍ إلى الخارج. ومن ذاق الحضور مرّة، تصعب عليه الاستراحة والسكينة مجددا في الغياب.
تجلس فليباغ على مقعد المحطة وحدها، بعدما اعترفت بحبّها وخسرته. فتنظر إلى الكاميرا للمرة الأخيرة، وتُشير إليها بلطفٍ ألا تتبعها. تُخرج الجمهور من حياتها، لأنها لم تعد بحاجة إلى شاهد. فالمرأة التي تبتسم في تلك اللحظة ليست المرأة التي عرفناها منذ البداية: ابتسامتها ليست سخرية هذه المرة، لكنها إدراك بأن الحياة لن تمرّ من دون أن تصبّ عليها نصيبها من الألم، وأنها ستواصل المضي رغم ذلك. ويوليا، في النهاية، تعمل مصوّرةً في موقع تصوير لفيلم، فتنظر من العدسة إلى امرأةٍ تؤدّي دورًا، ثم تعود إلى بيتها وحدها. الأولى تُبعد الكاميرا والثانية تحملها، لكن الحركة واحدة: انتقالٌ من موقع «المتفرَّج عليه» إلى موقع «الناظر». لا زواج، ولا وظيفة، ولا شفاء معلن؛ مجرّد تحوّلٍ في اتجاه النظر.
أي أن الوجهان اللذان نستعيرهما هما وجها امرأتين انتهت حكايتهما بأن توقّفتا عن الرغبة في أن يُنظر إليهما. نستعير نظرةً كانت في أصلها نداءً لشاهد، بعد أن صرَفت صاحبتُها الشاهد بيدها.
ولعلّه هنا يكمن الحدّ الذي ينبغي أن يُقال، في أن المسافة بين المرآة والذريعة رقيقة جدًّا؛ فالمرآة تُريك نفسك لتتحرّك، والذريعة تُريك نفسك لتبقى. وحين تتحوّل الشخصية من مرآةٍ إلى هويّةٍ نرتديها -«أنا فليباغ»، «أنا يوليا أسوأ إنسان في العالم»- تنقلب وظيفتها من وسيلة لفهم الذات إلى اختيار نتمسك به فحسب. والعملان نفسهما لا يحتفلان بالتيه ولا يجعلانه فضيلة؛ كلاهما يعرضه كمرحلةٍ لها ثمنٌ يُدفَع، وكلاهما يُخرج بطلته من دوامتها في النهاية.
وهذا لا يعني أن نُبدّل "الصورة" غدًا؛ فالصور الشخصية لا تُغيّر أحدًا. لكن ثمّة فرقًا بين أن نُعلّق وجه فليباغ لأننا نستريح في التيه، وأن نُعلّقه لأننا فهمناه؛ وبين أن نقول «هذا أنا» فنُغلق النقاش، وأن نقولها لنبدأه. لم تُعِد البطَلتان ترتيب حياتهما في المشهد الأخير، ولم يُقدّم لهما العملان شفاءً؛ كلّ ما فعلتاه أنهما توقّفتا عن مخاطبة شاهدٍ لا يُجيب، والتفتَتا إلى ما هو موجود أمامهما. وهذا كلّ ما يمكن أن نطلبه من وجهٍ مستعار: أن يكون بابًا نخرج منه، وليس غرفةً نسكنها.



