في مشهدٍ قرب نهاية فيلم «امرأتان» (Two Women, 1960)، تصفع صوفيا لورين ابنتها المراهقة روزيتا. يبدو السبب تافهًا في ظاهره: عودةُ الفتاة ليلًا بعد اختفائها لساعات من دون تفسير، حاملةً جوربَي نايلون أهداهما لها سائق شاحنة غريب. لكن الصفعة لا تُجدي شيئًا، إذ لا تُبدي روزيتا أي استجابة، وتظل بعيدة، كأن يد أمها لامست جسدًا صار متبلدًا منذ الاغتصاب الجماعي الذي تعرّضتا له قبل أسابيع، داخل كنيسة لجأتا إليها هربًا من الحرب. رأيت قبل أيام تعليقًا على منصة ليتربوكسد يصف هذا المشهد بأنه "الذروة الدرامية" للفيلم، وهذا بالضبط ما أختلف معه؛ إذ تأتي الذروة الحقيقية بعده بدقائق، حين تهدأ تشيزيرا وتخبر ابنتها، بلا مقدمات، أن ميكيلي، وهو الشاب الذي نشأت بينه وبين روزيتا علاقة دافئة، أقرب إلى علاقة أب بابنته، قد قُتل. عندها فقط تنهار الفتاة باكية للمرة الأولى منذ الحادثة، وتسمح لأمها أن تحتضنها أخيرًا. وبهذا نجح الحزن فيما فشلت فيه صفعة الأم.
والغريب أن لورين لم تكن مرشحة أصلًا لهذا الدور. كانت آنا ماغناني، التي تكبرها بعقدين، من ستؤدي شخصية تشيزيرا، على أن تلعب لورين الشابة دور الابنة روزيتا. تغيّرت الخطة، فصارت لورين، وهي في منتصف العشرينيات فقط، أمًّا لمراهقة في الثالثة عشرة. لم يكن فارق السن واقعيًا بما يكفي. لكنها لعبت الأمومة بجسدٍ لا يزال يحمل ذاكرة الجوع جراء الحرب، وليس بجسد أمّ متمرسة. ظل الجوع حاضرًا في جسدها طويلًا، قبل أن يأتي أي مخرج ليقرر كيف سيظهر ذلك الجسد على الشاشة.
وُلدت صوفيا فيلاني شيكولونه عام 1934 في جناح خيري بأحد مستشفيات روما، خارج إطار الزواج. والدها ريكاردو شيكولونه فضّل أن يقدّم نفسه بصفة "مهندس إنشاءات"، بينما كان يقضي، بحسب أكثر من مصدر، معظم وقته متسكعًا على هامش الوسط الفني يطارد الممثلات الشابات. كان يحمل بالفعل نسبًا نبيلًا، كتبت لورين لاحقًا في مذكراتها أنه يحقّ لها لقب "ماركيزة ليكاتا شيكولونه موريلو" لكنه لم يمنحها من ذلك النسب شيئًا غير الاسم.
التقت به لورين ثلاث مرات فقط في حياتها كلها: في الخامسة، وفي السابعة عشرة، وعلى فراش موته عام 1976. قالت عنه لاحقًا: «لم تكن لي علاقة بأبي؛ كان يأتي لرؤيتي فقط حين ترسل له أمي برقية تقول: صوفيا مريضة جدًا، تعال». أنجب مع روميلدا ابنة ثانية، ماريا، ورفض في البداية منحها لقب العائلة، إلى أن تعثّر ماليًا بسبب صفقات عقارية فاشلة، فطلب من روميلدا قرضًا عبر ابنته الشهيرة الآن؛ ولم توافق لورين على المبلغ إلا بشرط أن يعترف رسميًا بشقيقتها. أما والدتها روميلدا، فحكايتها أكثر مرارة مما توحي به عبارة «حلمت أن تكون غريتا غاربو»: بحسب الرواية الأكثر تداولًا، فازت وهي صبية بمسابقة لشبيهات غاربو، وكانت جائزتها تذكرة إلى أمريكا واختبارًا حقيقًا للتمثيل، لكن والديها منعاها من السفر. أمضت، على ما يبدو، بقية حياتها تحاول أن تعيش ذلك الحلم من خلال ابنتها بدلًا من نسيانه. حملت ابنتيها إلى بوتسوولي، إلى شقة والديها الضيقة، حيث تشارك ثلاثة أو أربعة أفراد السرير نفسه.
ثم جاءت الحرب. دفعت غارات الحلفاء الجوية العائلة إلى قضاء لياليها داخل نفقٍ للقطارات صار ملجأً. تحوّل الخبز إلى أمنية بعيدة، وصارت سجائر السوق السوداء العملة الوحيدة الموثوقة. رأت الطفلة، التي لم تتجاوز التاسعة، جسدها ينحف حتى أطلق عليها أطفال الحيّ لقب (صوفيا العصا). أصابتها عدوى كادت تودي بساقها، وظل أثر جرح في ذقنها -من شظية قنبلة أصابتها أثناء ركضها نحو الملجأ في إحدى الغارات الجوية- مرئيًا في اللقطات المقرّبة من أفلامها الأولى. هذه التفاصيل ليست استثنائية، فقد عاش آلاف أطفال نابولي الجوع نفسه. المهم أن لورين رفضت طوال حياتها أن تحوّل تلك الظروف إلى حالة من النوستالجيا.
لسنوات طويلة بعد ذلك، بدت شقيقتها ماريا شخصية هامشية في الحكاية، إلى أن تزوجت عام 1962 من الابن الأصغر لبينيتو موسوليني، رومانو موسوليني، عازف الجاز الذي هرب مع بقية العائلة إلى جزيرة إيسكيا بعد سقوط والده. حضرت لورين حفل الزفاف في بريدابيو، وقيل إنها لم تُخفِ حينها امتعاضها من اختيار شقيقتها. والظن أن الصحافة الإيطالية ضخّمت المشهد إلى فضيحة، كعادتها في مثل هذه المناسبات. ستصبح ابنة ماريا من هذا الزواج، أليساندرا، فيما بعد سياسية يمينية معروفة.
شاركت صوفيا في مسابقة "ملكة البحر" التي نظّمتها إحدى صحف نابولي في 2 أكتوبر 1949، ارتدت فستانًا خاطته جدّتها من ستائر تفتا قديمة. لم تفز باللقب الأكبر، لكنها كانت من بين اثنتي عشرة فتاة نلن جائزة ترضية بلقب "أميرات"، وتضمنت الجائزة تذكرة قطار إلى روما استخدمتها مع والدتها للانتقال بحثًا عن عمل في شينشيتا (Cinecittà). هناك عملت كومبارسًا في فيلم «كو فاديس» (Quo Vadis) عام 1951، المصوَّر في استوديوهات شينشيتا بميزانية أمريكية ضخمة وحاجة مفتوحة إلى مئات الوجوه الرومانية. كان الاستوديو حينها نصفه مدمر ونصفه أُعيد بنائه، بعد أن استُخدم لفترة مخيمًا للنازحين، قبل أن تعيده إلى الحياة الأموال الأمريكية الباحثة عن عمالة رخيصة وضوء ليس له مثيل. بدا من الممكن، وسط تلك الفوضى الخلّاقة، أن تُصوَّر مراهقة جائعة ذات ملامح لافتة في دور جارية خلال أسبوع، ثم تظهر في الأسبوع التالي شهيدةً مسيحية في فيلم آخر. وقبل ذلك، في 1950، كانت قد شاركت في مسابقة "ملكة إيطاليا"، فحلّت من بين أربع متسابقات عن إقليم لاتسيو، ونالت لقب "ملكة الأناقة" فيما ذهب اللقب الأكبر لغيرها. لكن اللقاء الذي غيّر مسارها فعلًا جاء بعد «كو فاديس»، في مسابقة جمال مختلفة أقيمت في أحد ملاهي روما الليلية، حيث كان المنتج الكبير كارلو بونتي أحد الحكام فيها.
أفكر أحيانًا في السبب وراء إصرار الإيطاليين على ربط اسم لورين بسنوات الحرب تحديدًا، رغم أن مسيرتها امتدت لسبعين عامًا بعدها. لعل ذلك راجع إلى أن غياب الحرب من سيرتها سيجعل من المستحيل تفسير كل ما قامت بتمثيله من أدوار وكل ما رسم صورةً أيقونيةً لأدائها. فهي أكثر من كونها ممثلة جميلة؛ ذلك أن صورتها كانت لوقت طويل الوسيطَ الذي روت من خلاله إيطاليا حكايةَ نهوضها من الخراب. فمن يشاهد أفلامها الأولى اليوم، بدبلجتها الصارخة وألوانها الفاقعة ومبالغاتها الواضحة، يشاهد في الحقيقة بلدًا يحاول إقناع نفسه بأنه نجا فعلًا.
غيّر بونتي اسمها لاحقًا؛ اختفى شيكولونه، وحلّ محله لورين، مستلهمًا إياه بصورة فضفاضة من الممثلة السويدية مارتا تورين. لكن لم يقتصر التغيير على الاسم فحسب. فقد أرسلها إلى مدرسة تمثيل نابوليتانية موّلتها روميلدا من دروس بيانو خاصة، وهناك تلقت دروسًا في النطق لتتخلص من لكنتها النابوليتانية الحادة لصالح لكنة إيطالية أوضح، أقرب إلى لغة الشاشة الوطنية. حتى صوتها الغنائي لم يكن صوتها؛ في «عايدة» (Aida,1953)، حرّكت شفتيها على أداء المغنية ريناتا تيبالدي بينما بُثّ صوت الأخيرة على الشريط الصوتي. سيبقى هذا الفارق بين الصوت والجسد ملازمًا لها لسنوات؛ كثير من أفلامها الإيطالية دُبلجت لاحقًا للسوق الأمريكية بأصوات ممثلين آخرين، وهذا أمر لافتًا لممثلة اشتهرت فيما بعد بصوتها الجهوري العميق أكثر من أي شيء آخر فيها تقريبًا. الفتاة التي كانت تخفي لكنتها النابوليتانية خوفًا من أن تحصرها في أدوار الخادمات، أتقنت لاحقًا الفرنسية بطلاقة إلى جانب الإيطالية والإنجليزية، وعاشت جزءًا كبيرًا من حياتها متنقلة بين ثلاث لغات ولهجة رابعة لم تتخلَّ عنها تمامًا في المنزل.
راقبها بونتي فيلمًا بعد آخر، في سلسلة ميلودرامات وكوميديات متواضعة أوائل الخمسينيات، وهي تتعلم كيف تسيطر على الكادر. وفي تلك الفترة بالذات نشأت خصومتها الشهيرة مع جينا لولوبريجيدا، النجمة الإيطالية الأكبر منها سنًا والأسبق شهرة. بدأت القصة، بحسب الرواية الأشهر لها، بتعليق عابر للورين عن أنها "أكثر امتلاءً" من لولوبريجيدا، فردّت الأخيرة بأن لورين قد تصلح لأداء دور فلاحة، لكنها لن تقنع أحدًا في دور سيدة نبيلة. لم تدع لورين الإهانة تمر بسلام، استعادت فجأة نسب والدها النبيل، ولقّبت نفسها في تلك المعمعة تحديدًا "فيكونتيسة بوتسوولي، سيدة كازيرتا" -وهو لقب مختلف عن ذاك الذي كتبته لاحقًا في مذكراتها، وكأن النسب النبيل نفسه قابل للتعديل بحسب الخصم الذي تواجهه. حين استبدلت باراماونت لولوبريجيدا بلورين في الجزء الثالث من سلسلة «خبز، حب وأحلام» (Bread, Love and Dreams)، بعدما طلبت لولوبريجيدا أجرًا أعلى، تحوّلت الخصومة من مجرد كلام صحفي إلى منافسة مهنية فعلية استمرت، بحسب الاثنتين، عقودًا - اتهمت كل واحدة الأخرى بأنها من اخترعتها أصلًا. حين توفيت لولوبريجيدا عام 2023 عن خمسة وتسعين عامًا، كانت لورين من أوائل من نعوها علنًا، ووصفت نفسها بأنها "منزعجة وحزينة بعمق"، في تصريح لا يتضح فيه مقدار صدقه وكم فيه من عادة قديمة يصعب التخلي عنها حتى بعد رحيل الخصم.
بموازاة ذلك، شرع بونتي بهدوء في تفكيك زواجه القائم، في بلدٍ لم يكن يعترف بالطلاق أصلًا. حصل على طلاق مكسيكي، وتزوج لورين بالوكالة في خواريز عام 1957، بمحاميين حلّا محلهما في القاعة؛ عرف الاثنان بالخبر من عمود صحفي قبل أن يبلغهما أحد رسميًا. لم يكن طلاق بونتي المكسيكي معترفًا به قانونيًا في إيطاليا، فبقي زوجًا لأولى قانونيًا هناك، ما جعل زواجه من لورين تعددًا للزوجات من الناحية الجنائية. لم ترفع الشكوى زوجته الأولى، بل ربة منزل من ميلانو لا صلة لها بالقصة، استخدمت حقًا قانونيًا يتيح لأي مواطن إيطالي رفع دعوى جنائية ضد آخر. اتُّهم بونتي بتعدد الزوجات، واتُّهمت لورين بالخيانة الزوجية المشدَّدة، وهدّدتها الكنيسة الكاثوليكية بالحرمان. لم يُبطَل الزواج فورًا كما قد يظن القارئ، بل بعد خمس سنوات، عام 1962، حين اضطر الاثنان إلى إبطاله بنفسيهما تفاديًا للملاحقة. لم يتوقف أثر الفضيحة في إيطاليا فحسب، بل رافقها إلى هوليوود مع انطلاق مسيرتها الناطقة بالإنجليزية.
ثمة صورة أشهر من مشهد الصفعة، رغم أنها لا تحمل نفس الثقل، وهي غالبًا أول ما يظهر حين يبحث أحدهم عن اسم لورين وهي صورة من عشاء عام 1957، تلقي فيها نظرة جانبية نحو صدر جاين مانسفيلد المكشوف، بينما تبتسم مانسفيلد للكاميرات بلا وعي بأنها خسرت المعركة أصلًا. هذه الصورة تبخس من قدرها، لأنها تختزلها في نظرة ذكية واحدة بدل ستين عامًا من العمل المضني، وتحوّلها إلى ميمز قبل اختراع الميمز.
هوليوود، من جهتها، لم تُبدِ اهتمامًا كبيرًا بالتعقيدات الكنسية. استقدمتها باراماونت إلى جانب ألان لاد وويليام هولدن وجون واين، وفي بداياتها هناك كانت تقرأ حوارها الإنجليزي من بطاقات كُتبت بالنطق الصوتي الإيطالي. تبقى أفلام تلك الفترة في نظري الجزء الأضعف من مسيرتها. ليست سيئة، لكنها مصقولة أكثر من اللازم، وكأن الاستوديو كان يخشى أن يُظهرها وهي تتعرق فعلًا. ثمة استثناءان فقط يخالفان هذا الانطباع: «الرغبة تحت شجر الدردار» (Desire Under The Elms, 1958)، حيث بدت أقرب إلى قسوة أدوارها الإيطالية اللاحقة، و«الأوركيدة السوداء» (The Black Orchid, 1958)، لعبت فيه دور أرملة زعيم عصابة بثقل حقيقي بدل الإغراء المعتاد. لكن هذين الفيلمين ظلا استثناءين لا قاعدة.
جاء اللقاء الأهم مع كاري غرانت أثناء تصوير «الكبرياء والعاطفة» (The Pride and the Passion)عام 1957. وقع غرانت، الذي يكبرها بعشرين عامًا وسبق له الطلاق مرتين، في حبها بصدق فاجأ الجميع، وعرض عليها الزواج أكثر من مرة. كان يقدّم لها بذلك شيئًا أسهل بكثير: احترامًا اجتماعيًا فوريًا، ونجومية أمريكية بلا شبهة قانونية. اختارت لورين، رغم ذلك، الطريق الأصعب، وبقيت إلى جانب بونتي حتى وفاته عام 2007. لم يُحسم وضعهما القانوني إلا عام 1966، حين منحت فرنسا بونتي جنسيتها، فطلّق زوجته الأولى وفق قانونها وتزوج صوفيا من جديد، في زواجٍ اعترفت به إيطاليا أخيرًا من دون أن تعود إلى الطعن فيه.
عن «امرأتان» بالذات، الحرب التي مثّلتها لورين لم تكن من اختراع هوليوود؛ فقد عاشتها بجسدها بالفعل. فازت عن الدور بجائزة أفضل ممثلة في كان عام 1961 قبل أن تفوز بالأوسكار في العام التالي، ولم تحضر الحفل لاستلامها؛ ظلت في روما مع بونتي، ينتظران اتصالًا لم يأتِ طوال الليل، حتى اقتنعا بأنها خسرت وكادا يأويان إلى الفراش حين رنّ الهاتف أخيرًا.
كان كاري غرانت على الطرف المقابل، لم يقل غير كلمتين: «لقد فزتِ.» طلبت منه أن يكررها خمس مرات، لأنها لم تصدّق، في لفتة إنسانية من الرجل نفسه الذي رفضت الزواج منه.
بعد الأوسكار، دخلت لورين عقدًا نادرًا في مسيرة ممثلة واحدة، عالمان لا يجتمعان عادة. من جهة، الكوميديا الإيطالية الدافئة إلى جانب مارشيلو ماستروياني في «زواج على الطريقة الإيطالية» (Marriage Italian Style, 1964) و«بالأمس واليوم وغدًا» (Yesterday, Today and Tomorrow, 1963). الفيلم الأول مقتبس عن مسرحية إدواردو دي فيليبو (فيلومينا مارتورانو)، عن امرأة كانت تعمل في البغاء تخدع عشيقها الثري ليتزوجها بعد عقود من العلاقة، وقد رُشِّحت لورين عنه لأوسكار ثانٍ، هذه المرة عن دور كوميدي بحت، وهو نوع الترشيح الذي نادرًا ما تحصل عليه ممثلات اشتهرن أولًا بأجسادهن لا بحسّهن الكوميدي. من المشاهد التي تعلق بالذاكرة مشهد التعري التدريجي المشهور في الحلقة الأخيرة من «بالأمس واليوم وغدًا»، حيث تُغري مارا الشخصية التي تلعبها عشيقها الثري بخلع ملابسها ببطء متعمَّد، قطعة بعد قطعة، بينما يتوسل إليها أن تتوقف، خوفًا على قلبه. المشهد بأكمله مبني على التحكم لا الكشف؛ تدير لورين الإيقاع بيد ثابتة، تتوقف عند الحد الذي تريده هي لا الذي يريده الرجل، وتضحك في النهاية أكثر مما تُغري. قارن هذا بيديها المرتجفتين في مشهد الصفعة: نفس الممثلة، لكن جسدين مختلفين تمامًا.
هذا الفيلم نفسه هو ما جذب إليها أحد أغرب عروض تلك الحقبة: فقد رآها تشارلي تشابلن، في السادسة والسبعين من عمره، وهي تؤدي دور مارا، فقرر إسنادها إلى بطولة فيلمه الأخير «كونتيسة من هونغ كونغ» (A countess from Hong Kong, 1967)، إلى جانب مارلون براندو، في نص كتبه تشابلن قبل خمسة وعشرين عامًا ليكون بطله ومع زوجته آنذاك باوليت غودار. لم تتفق كيمياء براندو مع أسلوب تشابلن الإخراجي القديم، القائم على تمثيل المشهد أمام الممثل ليقلّده بالضبط، بينما تجاوبت لورين معه بسهولة أكبر. كانت تلك آخر وقفة لتشابلن أمام الكاميرا في حياته، وكادت تكون نقطة التقاء عابرة بين عصرين من صناعة الضحك السينمائي، لولا أن الفيلم نفسه خرج باهتًا، أثقلته سنوات تشابلن الأخيرة أكثر مما رفعته نجومية لورين وبراندو.
ومن جهة أخرى، واصلت لورين العمل مع دي سيكا في أعمال أقرب إلى الأدب، بعدما اكتشف أنها تحمل المأساة بالبراعة نفسها التي تحمل بها نجمات عصرها الأناقة. في فيلمه التالي «بوكاتشيو '70» (Boccaccio '70, 1962)، وهو أخف وزنًا من «امرأتان»، رافقتها والدتها وشقيقتها ماريا إلى الموقع طوال التصوير، وكأن العائلة التي صنعت لورين لا تستطيع، حتى في ذروة نجوميتها، أن تتركها وحدها أمام الكاميرا.
عام 1980، أدانتها محكمة إيطالية عليا بعدم التصريح بما يعادل سبعة آلاف دولار (خمسة ملايين ليرة) من دخلها الخاضع للضريبة عن عام 1970، وحكمت عليها بالسجن ثلاثين يومًا وغرامة تقارب 9300 دولار. قالت لورين إن مستشارها الضريبي، الذي توفي لاحقًا، أخطأ في الحسابات بينما كانت تقيم خارج إيطاليا حينها. استأنفت الحكم وابتعدت عن بلدها لسنوات، قبل أن تقرر عام 1982 العودة طوعًا وتنفيذ العقوبة، قائلة إنها لم تعد لتصوير فيلم بل: «لأنني أحب إيطاليا». دخلت سجن كازيرتا النسائي قرب نابولي تحت حراسة الشرطة، ولم تقضِ فيه سوى سبعة عشر يومًا من الثلاثين قبل تنفيذ إجراء قانوني بديل أخرجها مبكرًا. تجمّعت حشود من محبيها خارج السجن ترقص التارانتيلا وتغنّي أغاني نابولي، وأطلق عليها أحد الحراس لقب (ملكة نابولي). ليس ثمة صورة أخرى تلخّص مفارقة مسيرتها بقدر هذه: أسطورة الإغراء العالمية، خلف قضبان سجن قروي، والحشود في الخارج ترقص لها.
رُزق بونتي ولورين بابنين، كارلو الابن وإدواردو، بعد سلسلة من حالات الإجهاض تحدثت عنها بصراحة نادرة لزمنها. في السبعينيات، حين قلّصت عدد أفلامها، اتجهت إلى الكتابة، أصدرت عام 1971 كتاب طبخ بعنوان «في المطبخ بحب» (In The Kitchen With Love). الجملة التي التصقت بذلك الكتاب أكثر من أي وصفة فيه — «كل ما أملكه أدين به للسباغيتي» — نُسبت إليها أصلًا في مقال لمجلة (لايف) عام 1961، قبل الكتاب بعقد، بقلم صحفية لا بقلمها هي. حين سُئلت عنها بعد نصف قرن، أنكرتها بحسم: «غير صحيح، اختُلقت كليًا.» يعجبني أنها لم تُصحّح الرواية قبل أن تشتهر، وربما هذا نفسه هو الدرس: صورتها العامة صنعها آخرون مرارًا -صحفي هنا، بونتي هناك- أكثر مما صنعتها هي بنفسها، وهي لم تمانع دائمًا في ترك تلك الصور تعمل لصالحها. تبعه كتاب آخر عام 1998 بعنوان «وصفات وذكريات» (Sophia Loren's Recipes and Memories). وفي 1981 أطلقت شركة كوتي عطرًا باسمها، سوّق بوصفه "عطر العيش والحب"، وكان من أوائل عطور المشاهير في تاريخ الصناعة. في العام نفسه رفضت دورًا كان يمكن أن يغيّر صورتها الشعبية كليًا: شخصية أليكسيس كولبي الشريرة في مسلسل «ديناستي» (Dynasty)، الذي ذهب بدلًا منها إلى جوان كولينز. من الصعب تخيل لورين في ذلك الدور، وربما هذا بالضبط ما جعلها ترفضه. قبل ذلك بعام واحد، مثّلت قصة حياتها بنفسها مرتين تقريبًا: في فيلم تلفزيوني بعنوان «قصة حياة صوفيا لورين» (Sophia Loren: Her Own Story, 1980)، أدّت دور نفسها بالغةً، ثم دور والدتها روميلدا في شبابها، في تجربة تمثيلية غريبة لم تقدم عليها ممثلة أخرى؛ أن تصبح، حرفيًا، أمّها.
تسلّمت عام 1991 جائزة الأوسكار الفخرية عن مجمل أعمالها، وهي جائزة بدت لكثيرين أقرب إلى اعتذار متأخر من أكاديمية تعاملت معها عقودًا كرمزٍ للإغراء منفصل عن فئة الممثلات الجادات. توفي بونتي عام 2007 بعد زواج امتد قرابة خمسين عامًا. لم تتقاعد لورين. عام 2020، وهي في الخامسة والثمانين، أدّت في «الحياة المقبلة» (The Life Ahead)، الذي أخرجه ابنها إدواردو، دور ناجية من المحرقة تستقبل في بيتها ابن عاملة في الدعارة. رُشِّحت عن هذا الدور لغولدن غلوب. جيلٌ كامل عرف اسمها من إعلانات العطور أكثر مما عرفه من أفلامها، واكتشف فجأة أن الممثلة التي فازت بالأوسكار عن«امرأتان» لم تغادر الشاشة يومًا.
بالعودة، إلى مشهد الصفعة. لم تفعل الصفعة شيئًا. الخبر بعدها هو ما يكسر الصمت. تبقى لورين، في الحادية والتسعين اليوم، واحدة من آخر النجمات الباقيات من عصر هوليوود الذهبي، وواحدة من آخر من عرفوا شينشيتا في تلك الحقبة بالذات، حين كانت الاستوديوهات مخيمات نازحين وأسواقًا سوداء قبل أن تتحول إلى مصانع أحلام. وهذه، لا الصورة مع مانسفيلد، ولا العطر، ولا الأوسكار، ولا حتى السجن، هي اللحظة الوحيدة في هذه السيرة كلها التي ما زلت عالقة في التفكير .



