بونغ جون هو: من يسكن الطابق السفلي؟

September 14, 2026

يعرف الجميع تقريبًا نفس القصة. في خريف 2019، طُرِح سؤالٌ صحفي على المخرج بونغ جون هو عن الغياب التام لكوريا الجنوبية في سباق ترشيحات الأوسكار طوال تاريخها، والذي قابله بجواب ساخر جاهز: «الأوسكار ليست مهرجانًا سينمائيًا دوليًا، إنها احتفالية محلية جدًا». بعد أشهر، تكررت منه نصيحةٌ أخرى وردت في كل مجلةٍ سينمائية منذ ذلك الحين: «بمجرد أن تتجاوزوا حاجز الترجمة الذي لا يتعدى طوله بوصةً واحدة، ستتعرفون على أفلامٍ مذهلة». ثم، في فبراير 2020، حاز فيلم «طفيلي» (Parasite) على أربع جوائز أوسكار، وخلد في تاريخ السينما، بوصفه أول عمل غير ناطقٍ بالإنجليزية يفوز بجائزة أفضل فيلم.

لكن هذه ليست القصة التي تستوقفني هنا. فحين يُسأل بونغ عن أصل الوعي البصري الحاد لديه، نجده لا يعود عادةً إلى قاعة الأوسكار، بل إلى شاشة تلفزيونٍ صغيرة في بيت العائلة، إذ كانت والدته تعاني رهابًا من الجراثيم، واعتقدت أن دور السينما المظلمة، سيئة التهوية في تلك الحقبة، كانت مرتعًا للأمراض، فقيّدت خروج ابنها ومنعته من الذهاب إليها. بدلًا من ذلك، جلس الصبي الانطوائي أمام الأفلام الأمريكية من مختلف الأنواع التي تبثها شبكة القوات الأمريكية في كوريا، كانت بلا ترجمة وبلا فهمٍ للحوار الإنجليزي، فاخترع لنفسه حكاياته الخاصة لتناسب الصور الوامضة أمامه. هذه العادة، عادة إسقاط قصةٍ خاصة على صورةٍ غامضة المصدر، تبدو لي أقرب إلى مفتاحٍ حقيقي لسينماه أكثر من أي مانيفستو نظري: إن بونغ جون هو مخرجٌ تعلّم اختراع المعنى أولًا قبل أن يفهم اللغة.

التحق بونغ بجامعة يونسي لدراسة علم الاجتماع عام 1988، في جيلٍ صنعته انتفاضات 1987 الديمقراطية الدامية. وصف تلك الأيام لاحقًا بجملةٍ اختزالية: «التظاهر نهارًا، والشرب ليلًا». شارك في تأسيس نادي «الباب الأصفر» السينمائي، وانغمس في أفلام الموجة الفرنسية الجديدة والسينما التايوانية والأفلام السياسية للعالم الثالث. 

يتتبّع فيلمه القصير «رجل أبيض» (White Man, 1994) ، المصوّر بكاميرا 16 ملم، شابًا ثريًا منفصلًا عن الواقع، يعثر على إصبعٍ مقطوع في موقف سيارات شقته الفاخرة، إصبعٍ فقده عاملٌ محتج، فيتعامل معه كلعبة. كان هذا النقد السريالي اللاذع عن اللامبالاة الطبقية تذكرة دخوله الأكاديمية الكورية لفنون السينما.

لم يكن انتقاله إلى الاحترافية أقل قسوة من موضوعات أفلامه اللاحقة؛ يروي بونغ في أكثر من مقابلة كيف عمل مصوّر فيديو لحفلات الزفاف في الفترة التي كان فيها عاطلًا عن العمل، وكيف طوّر حسًّا ساخرًا تجاه تلك المهنة، مستعملًا لقطاتٍ قريبةٍ لكل دمعةٍ ولكل وجهٍ يشبه حبيبةً سابقة للعريس. لا أستطيع التحقق من الصياغة الحرفية لهذه الحكاية كما تُروى في بعض المقالات، لكن تكرارها بما يكفي في سيرته يجعلها موثوقة: سنواتٌ من الكفاح على هامش صناعةٍ شديدة التنافسية، غرست فيه تعاطفًا دائمًا تجاه من يكافحون للبقاء فيها.

فشل فيلمه الروائي الأول «الكلاب التي تنبح لا تعضّ أبدًا» Barking Dogs Never Bite, 2000) في شباك التذاكر، لكن بالنظر إلى الوراء نجد الفيلم أشبه بمخطط أولي لكل ما سيأتي بعده. تدور أحداثه حول يون جو، أكاديمي عاطل ومسلوب الإرادة، يدفعه نباح كلبٍ في مجمّع شقته السكني إلى حافة الجنون، فيخطف الكلب ويحاول التخلص منه، مما يطلق سلسلة من الأخطاءٍ العبثية.
كما تروي هندسة المبنى نفسه، الذي يقطن فيه، حكايةً موازية: طوابق عليا مضاءة تسكنها طبقةٌ متوسطة مكافحة، وقبوٌ مظلم يسكنه بوابٌ عجوز ورجلٌ مشرد. يروي البواب في مشهدٍ مضاءٍ بمصباح يدٍ فقط يمتد نحو ست دقائق، حكاية شبح (كيم عامل الغلاية)، وهو مهندسٍ قُتل ودُفن في أسمنت جدران المبنى إبان طفرة البناء المتسرّعة قبل أولمبياد سيول 1988. يوقف المشهد الحكاية كلها بلا سبب سردي واضح، وربما هذا بالضبط ما يمنحه ثقلًا دراميًا، إذ لا يشرح الفيلم لماذا توقف، ولكن  يتركك تتلمّس السبب بنفسك. تفشل هيون نام، موظفة المبنى الساذجة، التي تحاول لعب دور البطولة، في القبض على قاتل الكلاب، فتخسر وظيفتها، بينما يضمن يون جو منصبه الجامعي بالرشوة. ينتهي الفيلم بـ يون جو محدّقًا في الفراغ من نافذة الفصل، بينما تحجب ستارةٌ سوداء الضوء ببطء.

قذف به فيلمه الثاني «ذكريات قاتل» (Memories of Murder, 2003 ) إلى الشهرة الوطنية. يتتبّع الفيلم جهود محققٍ محلي فظّ، بارك دو مان (سونغ كانغ هو)، برفقة سيو تاي يون محققٍ متمدين قادم من العاصمة سيول يعتمد على البيانات، في مطاردة قاتلٍ متسلسل. إن عدم الكفاءة في جهاز الشرطة، هنا، لا يمثل مجرد فشلٍ إجرائي عابر؛ فحين يحدّد المحققون الليلة التي سيضرب فيها القاتل مجددًا، يُرفَض طلبهم بإرسال تعزيزاتٍ، لأن فرقة مكافحة الشغب الإقليمية بأكملها أُرسلت لسحق مظاهرةٍ مؤيدة للديمقراطية. يتسرّب القاتل حرفيًا عبر الشقوق التي يحدثها جنون الارتياب الاستبدادي، ويعكس المحققون أنفسهم عنف الدولة، فيبرحون مشتبهًا به -معاقًا ذهنيًا- ضربًا ويختلقون الأدلة. 

يفتتح الفيلم على منظر حقل أرزٍ ذهبي، رمز الازدهار الكوري المعتاد، ثم ينزع عنه بونغ ألفته فجأةً باكتشاف جثةٍ متعفنة في أحد المصارف. حتى الطقس يتآمر ضد العدالة؛ القاتل لا يضرب إلا أثناء المطر، وتُمحى آثار قدمٍ حاسمة بمسارات جرارٍ محلي غير مبالٍ. الذروة الحقيقية للفيلم عاطفية لا بوليسية، إذ  تتحطم نظرة المحقق سيو العقلانية حين يفشل تحليل الحمض النووي القادم من مختبرٍ أمريكي في تأكيد جرم المشتبه به، وينحدر هو نفسه إلى العنف الذي أدانه سابقًا في زميله الريفي. بعد سنوات، يعود بارك المتقاعد إلى مسرح الجريمة نفسه، ويحدّق مباشرة في العدسة، وكأنه يسأل الجمهور بصمت: أتعرفه أنت؟ كان هذا سؤالًا طرح حرفيًا وقت صدور الفيلم، إذ ظلّ القاتل الحقيقي مجهولًا حتى عام 2019، حين اعترف رجلٌ آخر بالجريمة بعد سنواتٍ من إدانة رجلٍ بريء.

انتقل بونغ مع «المضيف» (The Host, 2006) إلى قالبٍ كانت تعتبره السينما الكورية طفوليًا: فيلم الوحوش (Monster Movie Genre). القصة الأصلية للمخلوق مأخوذة من حادثةٍ حقيقية وقعت عام 2000، حين أمر مسؤول تشريحٍ عسكري أمريكي مرؤوسه الكوري بإلقاء مئات زجاجات الفورمالديهايد السامة في نظام الصرف الذي يغذّي نهر هان. تتحول تلك الغطرسة في فيلم بونغ إلى وحشٍ برمائي مشوّه يرعب ضفاف النهر. لكن الوحش، في تقديري، أقل أهمية من الطريقة التي تتصرف بها الدولة حياله، حين يختطف الوحش الفتاة هيون سيو، تنشغل الحكومة، بدعمٍ من الجيش الأمريكي، بمطاردة عائلتها المفككة بتهمةٍ مختلقة بحمل فيروسٍ مجهول، بدل من مطاردته هو. 

قرأ بعض النقاد في هذا تصويرًا مموّهًا لمذبحة غوانغجو عام 1980، حين ذبح الجيش مئات المدنيين المؤيدين للديمقراطية بموافقةٍ أمريكية ضمنية؛ وفرض الحجر العسكري على منطقةٍ مدنية، وصور التأبين الجماعي في صالة رياضية، كلها تفاصيل تدعم تلك القراءة دون أن تفرضها كتأويلٍ وحيد ممكن. 

ما أذهلني في إعادة مشاهدة الفيلم أخيرًا هو مدى هزليته الفجّة رغم موضوعه، إذ نرى عمّ الفتاة، وهو محاربٌ قديم عاطل من الحركة الطلابية، يستعد لتوجيه ضربةٍ قاضية بزجاجة مولوتوف فتفلت من يده وتتحطم عبثًا على الخرسانة. لا يُحلّ الموقف إلا بتدخل جماعي فوضوي من المهمّشين أنفسهم: رجلٌ مشرد يسكب البنزين، رامية سهامٍ تشعل نارًا، أبٌ متأخر النمو يلوّح بعمود. ومع ذلك تفشل العائلة في إنقاذ هيون سيو. يُقتل الوحش، لكن ما خلفه من دمار يبقى بلا حساب. 

اتُّهم بونغ لاحقًا، إلى جانب تركيزه على عنف الدولة في «ذكريات قاتل»، بأنه وُضع على قائمةٍ سوداء حكومية سرية زمن الإدارة المحافظة.

يُعد فيلم «أم» (Mother, 2009) العمل الأكثر إزعاجًا على المستوى النفسي، والأجمل تصويرًا بين أفلامه. تلعب بطولته كيم هي جا، الممثلة التي حظيت بتبجيلٍ على مر العقود كـ"أم الأمة" بفضل مسلسلاتها التلفزيونية العائلية، تقدم هنا دورًا مغايرًا تمامًا: أرملة فقيرة تدير عيادة وخزٍ غير مرخصة، وتدلّل ابنها دو جون المعاق ذهنيًا حد الهوس. تشرع الأم حين يُتَّهم دو جون بقتل فتاةٍ مراهقة، في حملةٍ يائسة لتبرئته. 

يستخدم بونغ شاشةً بنسبة عرضٍ سينمائية واسعة، عادةً ما تُحجز للملاحم، ليعزل الأم في مناظر ريفية شاسعة تضخّم وحدتها. حين تكتشف الأم أخيرًا أن ابنها هو القاتل فعلًا، وأن الشاهد الوحيد عليه جامع خردةٍ استغل هو نفسه الضحية، تضربه حتى الموت وتحرق كوخه. ثم تسمح، وهي تبكي بحرقة وبدموع يمتزج فيها الذنب مع الراحة، ليتيمٍ آخر معاق ذهنيًا أن يتحمل جريمة ابنها. ينتهي الفيلم بها وهي تغرز إبرة الوخز في فخذها لتمحو ذاكرتها كيميائيًا، قبل أن تنضم إلى حافلةٍ من نساءٍ مغيّبات يرقصن في الضوء الذهبي للغروبٍ، وبذلك لا يقدّم بونغ أي نوع من الغفران.

وسّع بونغ نطاقه جغرافيًا بعد أن صور صدمات شبه الجزيرة الكورية باستفاضة، في أول إنتاجٍ ناطق بالإنجليزية، «محطم الثلج» (Snowpiercer, 2013)، مأخوذ عن روايةٍ مصورة فرنسية. عن قطار يتحرك بلا توقف عبر أرضٍ متجمدة، بعد أن فشل تدخّلٌ هندسي مناخي في عكس الاحتباس الحراري. القطار مقسّم أفقيًا: تنعم النخبة فيه بمطاعم السوشي في المقدمة، أما الجماهير، فيُحشرون في مؤخرة القطار ويعتاشون على قوالب بروتينية من حشراتٍ مسحوقة. هؤلاء ليسوا بروليتاريا بالمعنى التقليدي لأنهم لا يعملون أصلًا؛ لكنهم أقرب إلى ما أطلق عليه عالم الاجتماع زيغمونت باومان "الحياة الفائضة عن الحاجة"، بشرٌ خرجوا بالكامل من حسابات النظام الإنتاجي. 

حين يقود نامغونغ مينسو (سونغ كانغ هو أيضًا) التمرد، لا يكتفي بمحاولة السيطرة على المحرك كما تفعل الثورات الكلاسيكية، بل يدعو إلى تفجير أبواب القطار الجانبية كلها والخروج إلى المجهول المتجمد. تنتهي الذروة بناجيَين فقط؛ فتاةٌ كورية وصبيٌّ أسود، يخطوان في الثلج ليواجها دبًّا قطبيًا حيًا، وهي نهايةٌ لا تحسم إن كانت الحياة بعد الرأسمالية ممكنةً أصلًا أم مجرد تجميدٍ آخر.

يعكس تاريخ إنتاج الفيلم موضوعه بشكلٍ يكاد يكون ساخرًا، فقد طلب الموزّع هارفي واينستين من بونغ حذف عشرين دقيقة لتبسيط الفيلم للجمهورٍ الأمريكي، بحجةٍ لن أعيد صياغتها هنا لأنني لا أثق بدقتها الحرفية كما تُروى، لكن جوهر الخلاف موثّق جيدًا. قاوم بونغ وقتها وحمى نسخته. 

صعّد بونغ نقده لهيمنة الشركات والتكتلات الاقتصادية  في فيلم «أوكجا» (Okja, 2017)، من إنتاج نتفليكس، وقد  أثار جدلًا في مهرجان كان حول مستقبل  العرض السينمائي.
وفيه تقاتل ميجا، وهي فتاة ريفية كورية، لإنقاذ خنزيرها الخارق المعدّل وراثيًا من شركة ميراندو، الواجهة المبطنة لعمالقة الكيماويات الزراعية.
أعترف أن هذا الفيلم هو الأقلّ إحكامًا في نظري من بقية أعمال بونغ؛ إذ يوصل رسالته حول قسوة الصناعة الغذائية، غالبًا، عبر تصريحٍ مباشر، أكثر من إيصالها عبر المنطق الخانق المتجسد الذي اعتدناه في أفلامه الأخرى. ويظهر المشهد الذي يجمع مديري ميراندو التنفيذيين في قاعةٍ تحاكي غرفة عمليات البيت الأبيض في قالب ساخر وذكي، لكنه يشرح نفسه أيضًا أكثر مما يحتاج.

يظل فيلم «طفيلي»، بالنسبة لي ذروة مشروع بونغ جون هو كله. تدور أحداثه حول عائلة كيم المعوزة التي تعيش في قبوٍ يفيض بمياه الصرف، وعائلة بارك الثرية التي تطفو في بيتٍ حداثي مغمور بالشمس. عبر سلسلة احتيالاتٍ متقنة، تتسلل عائلة كيم إلى منزل بارك، وتحل محل الموظفين الحاليين واحدًا وراء الآخر من خلال تزوير المستندات وادعاء الاحترافية. على عكس سكان مؤخرة القطار  في «محطم الثلج»، الذين يشكّلون تضامنًا أفقيًا ضد مضطهديهم، تتحارب هنا الطبقة الدنيا على فتات الأثرياء حين تكتشف عائلة كيم أن مدبّرة المنزلٍ السابقة تخبّئ زوجها المديون في قبوٍ سري أسفل القصر.
إن عائلة بارك ليسوا أشرارًا علانية؛ قسوتهم عرضية، ناتجة عن انفصالهم التام عن معاناة الآخرين لا عن نية أذى. يكرر الابن الأكبر لعائلة كيم، كي وو، عبارةً طريفة كلما رأى شيئًا يفوق فهمه المباشر: «هذا مجازيٌّ جدًا». لا أستطيع إلا أن أفكر أن هذه العبارة هي صدىً بعيد لطفولة بونغ نفسه أمام شاشة التلفزيون، حين كان يخترع معنى لصورٍ لا يفهم لغتها؛ هنا يخترع كي وو معنى مجازيًا  لصخرةٍ زخرفية أهداها له صديق، دون أن يعرف أن الصخرة نفسها ستعود لاحقًا في الفيلم بثقلٍ حرفي مباغت. 

تلتصق رائحة معينة -رائحة مترو الأنفاق- بعائلة كيم أينما ذهبوا. لست متأكدًا إذا كانت بحاجة إلى تفسيرٍ إضافي؛ إذ يكفي أن نرى السيد بارك يتحسّس أنفه بلا وعيٍ في السيارة، وأن نرى كي تيك، الأب، يلحظ ذلك. يطعن كي تيك السيد بارك بسكين في حفلٍ في الحديقة، مدفوعًا بجنونٍ لحظي أكثر منه بخطةٍ مدروسة. ليس ثمة تطهير ثوري هنا. الفقراء يتراجعون إلى الظلام تحت الأرض، وكي تيك يرثي في لحظة هزيمة: «أفضل خطةٍ هي ألا تكون هناك خطة».

تأرجح بونغ، بعد فيلمه «طفيلي»، بين الخيال العلمي الغربي والإنتاج المشترك، فقدّم «ميكي 17» (Mickey 17, 2025)، عن رواية إدوارد أشتون (ميكي 7)، بطولة روبرت باتينسون، في دور شخصٍ "قابل للاستهلاك" يموت مرارًا في مهمةٍ استعمارية، ليُطبع وعيه في جسدٍ جديد في كل مرة. حين ينتج خطأ بيروقراطي نسختين منه في وقتٍ واحد، يضطر ميكي 17 الخجول وميكي 18 العدواني لإخفاء ازدواجيتهما عن زعيم المستعمرة الغوغائي، كينيث مارشال (يظهر مارك رافالو في أداءٍ يستعير الكثير من بلاغة ترامب). 

ما لفتني أكثر من الثيمة نفسها هو ما قاله بونغ في مقابلةٍ حديثة عن صعوبة العمل باللغة الإنجليزية في مشاهد الكوميديا تحديدًا: فقد اعتاد أن يشعر بالمزحة لحظة وقوعها في موقع التصوير بفضل ضحكات طاقمه الكوري، بينما في التصوير بالإنجليزية قد لا يسمع الضحكة أصلًا فيفوته إيقاع الطرافة نفسه. يقول هذا التفصيل الصغير عن مسيرة بونغ الانتقالية أكثرَ مما يقوله أي تحليلٍ لموضوع "البشر الفائضين عن الحاجة"، وهو موضوعٌ يعيده الفيلم إلى واجهة النقاش، وإن كان بنبرةٍ أكثر صخبًا وضوضاءً بصرية عن أي عملٍ سابق له.

وبالتوازي، يستعد بونغ لأول تجربةٍ له في الرسوم المتحركة، «آلي» (Ally)، المقرر صدوره عام 2027، عن حبّارٍ صغير يحلم بالوصول إلى ضوء الشمس قبل أن يهدد وجودَه تحطم طائرة. وقد كتب الفيلم بالاشتراك مع جيسون يو، مستلهمًا من كتاب كلير نوفيان (الأعماق)، ويضم أصواتًا منها أيو إديبيري وبرادلي كوبر وفيرنر هيرزوغ. لعله من المبكر إصدار حكم على عملٍ لم يُعرض بعد، لكن يصعب ألا نلاحظ عودةَ بونغ هنا، بعد كل هذه السنوات، إلى ما بدأ منه: حكاية عن كائنٍ صغير يحاول أن يفهم عالمًا أكبر منه بكثير.

لا أعرف إن كان بونغ جون يقصد أن يترك كل هذا الأثر حين كان صبيًا يخترع حكاياته أمام شاشةٍ لا يفهم لغتها. لكن ثمة خيط يربط ذلك الصبي بكل ما جاء بعده: القبو تحت شقق «الكلاب التي تنبح لا تعضّ أبدًا»، والمصرف الذي يخفي جثة في «ذكريات قاتل»، وقبو بارك السري في «طفيلي»، ومؤخرة القطار المتجمد في «محطم الثلج»، وحتى قاع المحيط الذي يستعد بونغ لاستكشافه الآن. في كل مرة، هناك طابقٌ سفلي، وهناك من يُجبر على السكن فيه. لا تقترح أفلامه حلًا لذلك، ولا تدّعي أنها تملك واحدًا. هي تُصرّ فقط على ألا تدعنا نتظاهر بأننا لم نره.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى