«الحياة بعد سِهام»: وما الحياة إلا فيلم وثائقي

September 16, 2026

يقول نمير عبد المسيح قُرب نهاية «الحياة بعد سِهام» (2025): «ساعات بأتخيّل إن فيه سينما فوقينا، وإن الناس اللي بنحبهم بيتفرّجوا على أفلام وبيستمتعوا، وممكن يكونوا بيتفرجوا علينا إحنا في اللحظة دي»؛ الناس -يقصد الذين ماتوا- يتفرجون على مَن غادروهم أحياءً كما نتفرج نحن على الفيلم المُترَع الذي أعدّه لنا نمير. 

لكنْ يخدعك المخرج المولود في باريس سنة 1974، إذ يقول إن عمله الأحدث والأنجح هو محاولةٌ لاستعادة ذكرى أمه المتوفاة سنة 2015، أو أُخرج بمناسبة وفاتها، وأنه سبرٌ لأغوار تاريخ أبويه القِبطيّين المهاجرين من القاهرة، وهو ما يقوم به عبر سرد قصةِ لقائهما سنة 1979 ثم استقرارهما سنة 1973 في فرنسا، مُضَفّرة بقصة الوفاة غير المتوقعة في آنِها -ونمير إذّاك صاحب الواحد وأربعين عامًا- ثم شعور الأب الذي حسب أنه سيسبق الأم بأنّ حياته تخطّت نقطة نهايتها ولم يعد في الدنيا ما يبقيه... يأتي كل هذا، بالتوازي مع صناعة الفيلم نفسه، بوصفه إيماءةَ نمير المهنية الأكثر جرأة، التي تأتي بالتزامن مع تحولات عميقة مرّ بها، بما في ذلك طلاق زوجته الفرنسية. 

وصحيح أن في هذا الوثائقي، ولا سيما في ما يُلمح منه على السطح، ما يبرّر وصفَ صانعه له بأنه عملٌ «عائلي» يعكس حاجتَنا إلى الحكايات، مضيفًا في حديث إلى العربية.نت: «أنْ نعرف من أين جئنا وما هو أصلُنا. ربما مَن يعيش في بلده لا يطرح هذه الأسئلة كثيرًا، لكنّ مَن يعيش تجربة الهجرة يشعر بحاجة ماسة للبحث عن جذوره، والحكايات هي الطريق إلى ذلك». 

ولا شك في أن «الحياة بعد سِهام» عبارة عن حكاية أو مجموعة حكايات، يَعتمد الحكاء في صوغها على مواد عائلية وشخصية صوّرها عبر مراحل مختلفة في باريس وسوهاج أساسًا، واستعان على روايتها بمشاهد أو لقطات منتقاة ومستخلصة من فيلمي يوسف شاهين «فجر يوم جديد» (1964) و«عودة الابن الضال» (1976) على نحو خاص، وقد أعاد تحريرها بحيث يلعب أبطالها، في المونتاج الجديد، دورَ أبيه "وجيه" وأمه "سِهام" و"نمير" طفلًا، مع إضافة لوحات سوداء تستدعي أسلوب عرض الحوار في السينما الصامتة، التي يتكلم فيها الأبطال الثلاثة كما كانت شخصيات الأفلام الأولى تتكلم ولا سبيل إلى سماع صوتها. 

في المواد العائلية، يظهر "نمير" و"وجيه" و"سِهام" والطفلان؛ ابن نمير وبنته، وأخته في لقطة أو اثنتين، فضلًا عن خالته "عنايات" -التي تكفّلت به منذ كان عمره شهرين وحتى استردّته أمه وقد صار عمره بضع سنين- وسواها من عائلة "سِهام" الصعيدية. لكنّ الراوي الأكبر هو الـ«فويس أوفر»، أو التعليق الصوتي الذي يؤديه المخرج/البطل المصري/الفرنسي، متحدثًا في النسخة العربية بعامية مصرية ذات لُكنة خفيفة، وبحس فُكاهي لا تَدري، في انتقاله من نكتة إلى أخرى، إن كان أقرب إلى مسرحيات عادل إمام أو أفلام جاك تاتي.

إن أحد أبرز صور الإبداع في الفيلم هو تنوع الحكايات، فالوثائقي يعجُّ بالمآثر، من تخلي سِهام مرغمةً عن ابنها في سنواته الأولى حتى يتمكن الزوجان المضغوطان اقتصاديًا من تأسيس حياة في باريس إلى قصة تصوير جنازتها التي كادت ألا تحدث. وهو أمر يعود إلى سلسلة من الوقائع: في البداية، حين اتصل "نمير" بصديقه المصور، ومدير تصوير «الحياة بعد سِهام»، نيكولا دوشين، اعتذر الأخير لأنه على سفر؛ إلا أن طائرته تعطلت في اللحظة الأخيرة فتمكن من المجيء وتصوير الجنازة في النهاية. يحكي "نمير" أنه ابتسم لهذه الصدفة، فقد أحس أن روح "سِهام" ما زالت حاضرة بل وقادرة على توقيف الطائرات في الهواء. 

ثمة مقطعٌ فريد من تاريخ مصر المعاصر، حين يؤدي تحالف جمال عبد الناصر مع الاتحاد السوفيتي عشيةَ زيارة نيكيتا خروتشوف للقاهرة سنة 1964، إلى الإفراج عن "وجيه" ضمن مئات المعتقلين الذين سُجنوا سنة 1959 بتهمة الشيوعية، وهي بداية رحلة المعاناة من أجل الحصول على سكنٍ وعملٍ بعد السجن، ستؤدي إلى سفره بحثًا عن بدايةٍ جديدة في فرنسا بعد أن سُدَّت أبواب الرزق في وجهه تزامنًا مع التحوّل الأيديولوجي في سياسة الدولة سنة 1971. إلا أن لقاءً ما سيجمعه بـ"سِهام" في هذه الأثناء، وهو ما أدى إلى انتظارها له سنة ونصفًا، حتى عاد وتزوجها، لتترك حياتها ووظيفتها في مصر وتعيش معه الغربةَ والفقر بدايةً عن طيب خاطر. 

وفي لحظات متفرقة، تتكرر صورة سهير المرشدي بردائها الأسود في دور "فاطمة"، بطلة «عودة الابن الضال»، وهي جالسة في ترقّب محزونٍ خارج البيت الريفي وسطَ النباتات، وكأنما لتختزِل حياة "سِهام" بالكامل. 

وثمة حقيقة ملتبسة ذكرتها بطلة وثائقي نمير السابق «العذراء والأقباط وأنا» (2011)، والتي كانت ترى أن فيلمه المزمَع عن عَلاقتها بأبيه ينبغي أن يكون روائيًا. فنحن نسمع صوت "سِهام" تصرّح بأنها لم تقبل الزواج من "وجيه" عن حب أو تَعَلُّق بشخصه كما تَفترض روايته هو الذي يظنها ضحّت من أجله، ولكن لأن ظهوره في حياتها في تلك اللحظة كان حلّ أزمتها الأنجع. 

فوجيه، وهو أيضًا بطل فيلم سابق قصير بعنوان «أنت: وجيه» (2005)، لم يكن سوى «جائزة ترضية» كما يسميها "نمير" ها هنا. فقد حدث أن "سِهام" بلغها على سبيل الخطأ أن الشخصَ الذي تُحبه وتنتظر عودته بعد غياب، رافضةً المتقدمين إلى الزواج منها من أجله، قد تزوج غيرها وعدّ قصتهما أمرًا منتهيًا. ولم يكن حبيب "سِهام" السريُّ ذاك قد هجرها في الواقع كما اعتقدت، غير أن غيابه استمرّ حتى تم زواجها بوجيه. وهكذا قُضي الأمر، وانطلقت دورة شريط الحياة حتى وصَلَ إلينا. 

لا شك في وفرة وثراء الحكايات التي تتفرّع وتتقاطع مع هذه إذن، لكنْ بمَ يُخبرنا كل هذا عن الشخصيات أو حتى حياتهم؟ ماذا كان يعمل "وجيه" في فرنسا؟ وكيف كان تعامله مع "سِهام" ثم "نمير"، في مجتمعٍ مشهورٍ بعُنصريّته الموجهة للعرب؟ أين استقرت هُويتهم العاطفية والثقافية؟ وفيمَ أمضوا صراعاتهم مع الوجود والمادة والمعنى؟ مَن هؤلاء، أقصد، بخلاف أسمائهم وهيئاتهم وفوراتهم المضحكة التي يولّدها اقتحام "نمير" لمساحَتهم عن طريق توجيه الكاميرا إلى وجه كلٍّ منهم، ومعها سؤال؟ 

ففضلًا عن شكوى "وجيه" المستمرة من ذلك، يسأل المخرج ابنته، في إحدى اللقطات، عن اسمها فترد: «اسمي اغلق الكاميرا»، ونرى ابنه يَطرده من غرفته لنفس السبب. لكنّ استعداد "نمير" لاختراق أدق وأرق لحظات الحياة العادية، بل وإخراجها أحيانًا، هو بالضبط ما يُتيح الضحكَ والبكاء. يقول في حديث العربية.نت ذاته: «لطالما كانت السينما وسيلتي للتواصل. ربما لأنني شخصٌ خجولٌ، لكني عندما أمسك الكاميرا، أجدُ الشجاعةَ لطرح أسئلةٍ لم أكن أستطيع توجيهها مباشرة، سواء لوالدي أو لوالدتي. الكاميرا منحتني صوتًا لم أكن أمتلكه». إنه هوسٌ طفولي بتسجيل كل مَن يُمضي معه وقتًا أيًا كان، وهو، كما يتضح في مقاطع سوهاج بالذات، تكنيكٌ فعّال في إنتاج المتعة. 

إلا أن الفيلم نفسه، أقول، وعلى ما فيه من حميمية ودموع، لا يكشف شيئًا يُذكر من إجابات تلك الأسئلة الجِذرية عن الشخصيات، ولا حتى على مستوى المعلومة. فنحن مثلًا لا نعرف طبيعة عمل "وجيه" ولا "سِهام"، ولا ندرك ملابسات حياة المخرج وتخبطها الاقتصادي -الذي أدى إلى طلاقه؟- حتى وإن راودنا الإحساس بهذا كله من بعيد. 

يبدو لي أن "نمير" يظلّ، خلال ما يَنقله من تفاصيل عن نفسه وأبويه، على حافة اعترافٍ لا يحدث أبدًا، أو أنه كمن يتظاهر بالتعرّي من أجل أن يستر جسده في الحقيقة، ليس تكلّفًا أو خداعًا ولكن لأن موضوعه الأعمق لا صلة له بالعائلة أصلًا. فبعد المشاهدة الثانية تبيّنتُ أن ما يشغل "نمير" بوعي أو من دونه هو سؤال الأرشيف بمعانيه الأعمق: كيف نسجّل الواقع/الحياة/وجودنا المادي؟ كيف نحتفظ بدليل «موضوعي» على أننا كنا هنا، أو انتقلنا من هنا إلى هناك؟ أو كيف نُحوّل ذاكرتنا إلى شيءٍ ملموسٍ قادرٍ على الاحتفاظ بما حصلَ معنا واختبَرناه؟ 

ولا أقصد أن "نمير" غير معنيٍّ بجوهر حياة أبويه لكنه لا ينبش عن ذلك الجوهر بقدر ما يطرح قضية الحفاظ عليه.

في لحظة فكاهية يسأل "عنايات" عن أيام إقامته معها وهو طفل واعٍ، فتحكي له كيف كانت تُطلعه على صورة أبيه وأمه الغائبين كي يعرفهما. هل كان لديها صورٌ لهما في ذلك الوقت إذن؟ تنفي "عنايات" الأمر بأريحية تامة: لقد كانت تريه أي رجل وامرأة وتقول: «هذا أبوك، هذه أمك!»، ومع ذلك، يبقى في مفهوم الصورة سرُّ الحفاظ على الصلة الإنسانية أو التمسك بشخص غائب، حتى إن لم تكن هذه صورة الشخص المعني في النهاية. لاحقًا، عندما تشكو "عنايات" من ضعفٍ متزايدٍ في ذاكرتها وتستشير "نمير" في الأمر، يجيبها قائلًا إنه لا يعرف للذاكرة دواءً إلا الكاميرا. كل شيء في هذا الفيلم يقول إن الكاميرا عبارة عن مَصْل يقي من الفناء. 

ولا يقتصر ذلك الإيمان بالكاميرا على الكلام، فهناك رسائل "سِهام" المكتوبة لـ"وجيه" و"نمير"، إذ خطت لابنها رسالةً بلغته، كما تقول، معتذرةً لأنها لا تجيد الفرنسية، ومتمنية أن يكبر ويتعلم العربية حتى يكتب لها بلغتها هو كذلك، إلى جانب صور عرسهما الفوتوغرافية وغير ذلك من التذكارات الخاصة فضلًا عن أغاني وأفلام زمن لقائهما. 

نرى في استدعاء "سِهام" بعد جنازتها أكثر من استعراضٍ مباشرٍ لفكرةِ الكاميرا كذاكرة موازيةٍ. يجلس ابن "نمير" في حِجْر أبيه وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، وأخته الأكبر قليلًا إلى جواره، وأمامهم شاشة الكمبيوتر، حيث يرى "سِهام" مقبلة عليه فلا يسعه إلا أن يناديها: «تيتا، تيتا!» ويسأل أباه لِمَ لا ترد عليه. وبصحبة "وجيه" في البيت، يستعمل "نمير" مشاهد وتسجيلات من زمن سابق في الإيحاء بوجود "سِهام" معهما، أو مجيئها. تُركّب التسجيلات على الواقع وكأنما لتُعلّق صورةً من زمن ماضٍ على مستقبلها، أو تضيئُه. إلا أن الواقع نفسه لا يعدو أن يكون صورة. 

ولعل هذه رسالة السينما الأخيرة، يحملها إلينا ساعي بريد تحرَّر من نير البلاغة والتعقيد الدراميين ليترك لنا حرية توليد معنى يخصنا، أو حتى تضفير خبراتنا الخاصة في الفقد والانتظار على هدى خطوطه الخافتة، أو أطيافٍ أشبه بشباك قطار. موتى المستقبل يتفرجون على موتى الماضي في دارِ عرضٍ مثل «سينما زاوية»، حيث شاهدتُ الفيلم مرتين. فهل يتفرج موتى الماضي على موتى المستقبل بدورهم؟

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى