فيلم «القصص»: حين تكون الأسرة هي البطل

يسير المخرج الشاب أبوبكر شوقي على درب المخرج الراحل داوود عبد السيد حين يقوم بتأليف النص أولًا ثم إخراجه سينمائيًا؛ فبعد رائعته السينمائية الأولى «يوم الدين ,2018»  ثم رائعته الثانية «هجان ,2024» يمتعنا المخرج الصاعد للمرة الثالثة بفيلمه «القصص ,2025». وبهذا النهج فإن أبو بكر شوقي"صانع أفلام"، يصير الفيلم بين يديه وحدة واحدة قصةً وتأليفًا وإخراجًا. 

يحكي الفيلم قصةَ أسرة مصرية متوسطة الحال تعيش في الفترة الزمنية ما بين أعوام 1967 و1984، ويبني أبو بكر شوقي «القصص» على حدثٍ أساسي حقيقي وهو لقاء والدته النمساوية بوالده المصري عن طريق المراسلة في سبعينيات القرن الماضي. ثم ينسج بعد ذلك أحداثًا من وحي الخيال حول هذا الحدث الأساسي. وبهذا يسير المخرج الشاب على درب المخرج الراحل محمد خان الذي كان يلاحظ الواقع، فينتزع حدثًا منه ثم يتخيل باقي الأحداث المؤدية إليه. ولهذا فإن فيلم «القصص» يضاهي في أسلوبه أفلامَ محمد خان التي بُنيت على نفس الطريقة الواقعية الممزوجة بالأحداث المتخيلة في الوقت ذاته، مثل فيلم «موعد على العشاء، 1981» و«الحريف، 1984»، «أحلام هند وكاميليا، 1988» وغيرها. 

يختلف فيلم «القصص» عن كثير من الأفلام، إذ يدفع المشاهدَ إلى التساؤل: من هو البطل الحقيقي؟ هل هي فيروز، الأم التي تحمل عبء الأسرة المكونة من ستة أفراد، ويقوم المنزل على أكتافها؟ أم هو أحمد، الابن الذي أخذ نصيب الأسد من أدوار الأبناء وبطل قصة الحب في الأحداث؟ أم هي «الأسرة» كلها التي يعولها موظف بوزارة الزراعة، وتحتل الزوجة والأم منزلة القلب منها؟ في الواقع، فإنّ الأسرة المصرية العادية جدا والتي تدافع الظروف تارةً وتدفعها تارةً أخرى هي بطل هذا الفيلم، فيما تحتل الأم فيروز والابن أحمد نصيب الأسد من تمحور الأحداث حولهما.

تقطن هذه الأسرة المصرية المتوسطة في حي العمرانية بالجيزة ما بين العامين 1967 و1984، وهي أعوام عاصرت ثلاث فترات رئاسية في مصر؛ بدأت بالنكسة ثم الانتصار في حرب 1973 وفيها قدمت هذه الأسرة ابنها "حسن" شهيدًا في الحرب. وحين كان حسن مجندًا في الجيش، كان "أحمد" قد قبل منحة دراسية في فيينا لدراسة الموسيقى، سرعان ما تخلى عنها وعاد أدراجه إلى مصر فور علمه بنبأ استشهاد أخيه في حرب أكتوبر. وبعد التقاء أحمد بحبيبته ليز في فيينا للمرة الأولى، بعد مراسلات دامت سنين، وبعد محاولتها إثناءه عن العودة إلى مصر ليظلّ معها في فيينا، لا يتوان أحمد عن حفظ هذا الحب وطيه في محفظة الرسائل مرة أخرى والعودة إلى مصر. 

وقصة الحب في هذا الفيلم ليست كسائر القصص التي اعتدنا مشاهدتها. إنها قصة حب تتحدى الزمن والحدود الجغرافية، والتقاليد. فقد دام هذا الحب عشرة أعوام متصلة عن طريق الرسائل فقط، وانعقد بين قلبين، أحدهما في فيينا والآخر في القاهرة، ووصل بين أسرتين لا يبدو بينهما توافق أو تلاق في العادات أو اللغة. 

وتبدو هذه القصة التي انتهت بالزواج المفاجئ قصةً رومانسية كامنة في تفاصيل الفيلم، ولكن المخرج لا يوضح  للمشاهد ما الذي جعل هذا الحب، الذي لا تغذيه العين، يدوم عشرة أعوام متصلة؟ يبدو هذا السؤال مثل الثغرة في أحداث الفيلم، أو مثل أسئلة بحاجة إلى  سيناريو مختلف. مثلًا، ما شعور ليز حين قرر أحمد التخلي عن منحته والعودة إلى مصر دون سبب واضح؟ هل كان قراره مفهومًا له ولحبيبته؟ ألم يدرك أنه بقراره هذا قد تخلّى عن الحب كما تخلى عن المنحة؟ كيف صبرت ليز طوال أربع سنوات أخرى حتى خرج أحمد وعُين معيدًا في الجامعة؟ لا يجيبنا الفيلم عن هذه التساؤلات. لكنه يكتفي بتسليط الضوء على قصة الحب التي نمت عبر المراسلة البريدية في عصر ما قبل التكنولوجيا، وكانت الرسائل هي الوسيط لمشاركة قصصهما، مع التركيز على قصص أحمد. 

تدعم قصة الفيلم الاختيارات العادية جدًا، بل والقرارات التي تبدو أقل من المتوقع، والتي قد لا تكون هي الأفضل، مثل قرار أحمد بالتخلي عن منحته الدراسية في فيينا وما قد يترتب عن ذلك من ضياعٍ لمستقبلٍ كان سيكون أفضل بكثير لعازف بيانو يدرس ويعمل في أوروبا، وكذلك تبعات هذا القرار المتمثل في تركِه لحبيبته. لا يلقي الفيلم الضوءَ على مشاعره بعد تركه لفيينا ولحبيبته وعودته إلى مصر، غير أنه يظهر تقبل الأسرة لهذا القرار رغم نصحها له في رسالة بعدم العودة مرة أخرى إلى مصر. 

تواصل الأسرة الصغيرة حياتها ذات الاهتمامات المصرية العادية مثل الولع بكرة القدم، وتجمعهم حولها وحماسهم وتحزّبهم في تشجيعها، وكذلك الاهتمام الشديد بمفهوم الوظيفة والاختيارات الآمنة جدًا حتى وإن كان دافعها الوهم. ولعلنا نلاحظ ذلك بجلاء في موقف الأب الذي يعمل موظفًا في وزارة الزراعة، لكنه حين يصل إلى مرحلة الترقية، يخشى قبولها لأنه تفوه بكلمة "فساد" على شاشة التلفاز قبلها بعدة سنوات. ويرث الابن كذلك هذا الشعور بأهمية الوظيفة فيسعى إلى طلب التعيين كإطار في الجامعة، وهو ما يحدث بالفعل. 

إن إيقاع الفيلم السريع جدًا لا يتناسب مع الفترة الزمنية التي تغطيها الأحداث، ولكن هذه الأسرة تحديدًا تحيا حياة صاخبة جدًا، بين تشجيع فريق كرة قدم، وعزف أحمد للبيانو، وخبط الجيران المتواصل وصياح فيروز الدائم والموسيقى الصاخبة يوم الزفاف. وهذه الحياة الصاخبة هو ما جعل ليز زوجة أحمد تكتب كتابًا تسميه: «مرحبا بكم في بيت المرح». وهو العنوان المعبر عن حياة هذه الأسرة الصاخبة والعادية جدًا في الوقت ذاته. 

وخلاف خيبات الأمل التي تحدث للأسرة، فإنها تمر بفقدين كبيرين، استشهاد ابنهم حسن في حرب 1973 وهو الفقد الذي وجدت الأسرة نفسها مجبرة على مواجهته، ودفع أحمد إلى التخلي عن منحته والعودة إلى مصر. أما الفقد الثاني الكبير فهو فقد الأم فيروز. وتمضي الحياة بعدهما، ويملأ الفراغ حياة الابن الرابع الذي أنجبته فيروز، وتملأ ليز زوجة أحمد مكان فيروز بعد رحيلها. 

في النهاية، لا يملك المشاهد أمام هذا الفيلم سوى أن يسرّ بإيقاعه ويستمتع به دون الحاجة إلى الأحداث الكبيرة التي اعتدنا أن تكون مصدرًا للتشويق في مشاهدة الأفلام. ومن هنا، استطاع  المخرج أبو بكر شوقي أن يضبط كفة الميزان بين الواقعية والتشويق ويقدم لنا طبقًا شهيًا على مائدة السينما التي اشتاقت لمثل هذا اللون المختلف من الأفلام خلال السنوات الأخيرة. 

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى