ثمة تفاصيل صغيرة قد تخبرك عن مخرج بعينه؛ كاستخدام نسق لوني معين، أو حركة كاميرا مميزة، أو موضوعات متواترة في أعماله، أو حتى شيء عابر يتكرر في خلفية المشاهد. تفصيلة بجوار أخرى، تتراكم لتبني عالمًا يحمل بصمة صاحبه. وإذا نظرنا إلى أعمال المخرج إسلام خيري المتنوعة سواء الدراما الاجتماعية أو الفانتازيا أو الكوميديا أو الجريمة والغموض، سنجد أن اهتمامه بأدق التفاصيل يمثل أحد العناصر التي تصنع بصمته الخاصة.
في المشهد الافتتاحي لمسلسل «قهوة المحطة»، نرى مقولة «إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك» فوق رأس مؤمن الصاوي (أحمد غزي)، ليفتتح بها مبكرًا لغزًا حول بطله: هل هو مظلوم أم ظالم؟ والمشهد الأول من «هي كيميا؟!»، يستدعي الآية التي يطلب فيها نبي الله موسى من ربه أن يشد عضده بأخيه هارون، ليمهد بها البنية المحورية في العمل، القائمة على العلاقة الأخوية بين سلطان (مصطفى غريب) وحجاج (دياب). أما في أحدث أعماله، «لعبة جهنم»، فيظهر الشيخ علاء (محمد فراج)، وهو ينصح الناس بمواجهة عدوهم الأول: أنفسهم، بينما هو في الحقيقة يضمر الشر خلف قناع التدين.
تفاصيل سردية وسمعية ومرئية ينطلق منها إسلام خيري في بناء عوالمه السينمائية والتلفزيونية، ليست منفصلة عن الحكاية، بل هي من صميم الطريقة التي تتشكل بها الشخصيات والأفكار والإيقاع وصولًا إلى المشهد الأخير. كيف يبني إسلام خيري عوالمه الفنية؟ وكيف تتحول التفاصيل الصغيرة إلى جزء من هويته الإخراجية؟ للإجابة عن ذلك وأكثر، حاورته «ميم» لتستكشف تجربته وفلسفته في الإخراج.
لا يمكن الحديث عن الطريقة التي يصنع بها إسلام خيري أفلامه ومسلسلاته من دون التوقف أولًا عند الفترة التي سبقت تجربته كمخرج. قبل أن يتولى إخراج «الكبير أوي» عام 2010، عمل لسنوات مخرجًا مساعدًا تحت إدارة مخرجين مثل محمد راضي وعثمان أبو لبن وأحمد نادر جلال، وهي تجارب يقول عنها خيري: «لقد عملت مع العديد من المخرجين، واطلعت على مدارس وتجارب متنوعة، وكل واحد منهم علمني شيئًا. إن خبرة موقع التصوير (اللوكيشن) المقترنة بالدراسة والتجربة أحدثت فارقًا كبيرًا معي. الخبرة؛ لا بديل عنها، فهي تمنحك القدرة على التصرف في مختلف المواقف، وتُعرفك متى تقتضي الضرورة التمسك برأيك، ومتى تتجه نحو حل بديل دون أن تفرط في رؤيتك. كما تكسبك القدرة على التنبؤ بالمشكلات قبل حدوثها، والموازنة بين الوقت والإمكانات والضغوط، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جودة العمل. وفي النهاية، ليست الخبرة مجرد عدد من السنوات، هي حصيلة المواقف التي مررت بها وتعلمت منها».
على الرغم من كثافة هذه الخبرات، فإنها لم تدفعه إلى تبني أسلوب واحد يتكرر مع كل عمل. على العكس، يرى أن لكل نص مدخله الخاص، وأن إحساسه هو ما يقوده من عمل إلى آخر: «يتوقف الأمر على طبيعة النص؛ فتارة تجد نفسك مستغرقًا في أعماق الشخصية، وتارة يكون العالم الدرامي بأكمله هو ما يستحوذ على اهتمامك، وأحيانًا تفصيلة دقيقة واحدة هي ما يسترعي انتباهك. وفي مقابل ذلك، قد تجد أن النص لا يلمسك على الإطلاق، فتعجز عن مواصلة قراءته وتُعرض عنه. لذا، ليس لدي أسلوب ثابت أو طريقة واحدة أبدأ بها التعامل مع كل نص».
وهنا يبرز فارق آخر بين الخبرة والتكرار؛ فالمخرج، بالنسبة إلى خيري، يمكن أن يغير أدواته مع الوقت، لكن ذلك لا يعني أن عليه التخلي عن رؤيته: «قد تفرض الظروف عليك بعض التغييرات، وهذا أمر طبيعي؛ فقد تزيد بعض التفاصيل أو تنقص، وقد تدخل تعديلًا على ما كنت قد خططت له مسبقًا. بيد أن الرؤية الإخراجية ذاتها يجب أن تظل ثابتةً وراسخة؛ إذ ينبغي لك أن تكون على وعيٍ تام بما تأتي لإنجازه، وبكيفية إدراكك للعمل ورؤيتك له».
إذا كانت الخبرة قد منحته أدوات التعامل مع النص واللوكيشن، فإن التفاصيل تمنحه، كما يبدو، إحدى أهم وسائل تحويل تلك الأدوات إلى عالم مرئي. فاهتمامه بها نابع من البحث عن شيء يمكن أن يمثل إضافة إلى الشخصية أو المكان أو المشهد، ولا يعني ملء الكادر بالعناصر فحسب. يعطينا خيري مثالًا توضيحيًا بسيطًا:
«أشعر دائما بوجود تفصيلة ما يمكن التقاطها؛ فقد يعثر مهندس الديكور -على سبيل المثال- على ماكينة حلاقةٍ قديمةٍ تليق ببطل القصة في حقبة الأربعينيات، فأبادر إلى تعديل ترتيبات المشهدِ (الميزانسين)، لأجعل بداية المشهد قائمة على استخدامه لهذه الماكينة. مثل هذه التفصيلة تمنح انطباعًا أقوى بواقعية الشخصية، وتظهره كإنسانٍ عادي، كما أن رؤية قطعةٍ أثريةٍ حقيقية، ملائمةٍ وجذابة، تغمر المشاهد داخل عوالم الحكاية. أحرص دومًا على تقديم إضافةٍ في كل مشهد، سواء أكانت إضافةً بصريةً أم تفصيلة في التكوين والحركة؛ قد لا تلاحظ هذه التفاصيل الصغيرة من الوهلة الأولى، لكن تراكمها جنبًا إلى جنب هو ما يشكل أسلوبي في النهاية، ويمنحني بصمةً خاصة».
يمكننا ملاحظة الدور الذي يلعبه المكان في عدد من أعماله؛ فهو ليس مجرد مساحة تتحرك الشخصيات بداخلها، لكنه شخصية أساسية، محملة بدورها بمعلومات عن ساكنيه وحياتهم وطبقاتهم اﻷجتماعية. في «لعبة جهنم»، على سبيل المثال، تفاصيل شقة الشيخ علاء التي تكاد تخلو من الأثاث تصبح جزءًا من تعريفنا بعالمه ودوافعه ورسم شخصيته، أو مثل البطانية المفروشة على أرضية منزل الطفل حسن تضفي ملمحًا يوميًا على حالتهم المعيشية لا تحتاج الحكاية إلى شرحه بالكلمات.
ولا تتوقف هذه النظرة إلى أدق الأمور عند ما تلتقطه العين. فالصوت عنده يخضع أيضًا لما يحتاجه المشهد، وقد يكون غيابه أحيانًا أكثر تعبيرًا من حضوره. يقول عن المساحة المتروكة للصمت والموسيقى في أهم مشاهد «لعبة جهنم» (مشهد الجريمة) التي كان يمكن، أن يُصور في لقطة واسعة ثابتة، من دون موسيقى أو مؤثرات: «هذا أمر ينبع من الإحساس بالدراما في المقام الأول، ويحكمه ما يقتضيه المشهد. على سبيلِ المثال، مشهد خنق "حسن" كان بمقدوري تنفيذه بأسلوبٍ مختلفٍ تمامًا؛ كأن ألتقطه معتمدًا على لقطةٍ واحدة ثابتة وواسعة (One Take) دون أَي قطع، مع إلغاء كافة المؤثرات الصوتية والموسيقى، بحيث لا يتبقى في الشريط الصوتي سوى صوت أنفاسه. إن رؤية معاناة الاختناق وهي تمتد لثلاثين أو أربعين ثانية في لقطةٍ واحدة متصلة كفيلة بأن تجعل المشهد مرعبًا للغاية، بل وقد يغدو أثره أشد عمقًا من الموسيقى ذاتِها. فالصمت أحيانًا ليس مجرد غياب للصوت، بل هو أداة درامية قد تفوق قوة وتأثير الموسيقى».
وهنا يتصل الصوت بمفهوم آخر يراه خيري أساسيًا في العمل الفني، وهو الإيقاع. فالكوميديا والدراما، على اختلاف طبيعتهما، تحتاجان في رأيه إلى إدارة واعية للإيقاع: «أشعرُ أن إدارة المشهد واحدة في جوهرها، سواء أكان دراميًا أم كوميديًا. فمن الضروري أن يستشعر كل فرد في موقع التصوير -من الممثلين إلى طاقم العمل- البهجة في العملية الإبداعية، وأن نشعر جميعًا بالسعادة لأننا ننجز عملًا مشتركًا. وفي الكوميديا والدراما على حد سواء، يظل الإيقاع هو الركيزة الأساسية؛ فالعمل الفني دون إيقاعٍ متزن يفقد أثره وقدرته على التأثير، لأن حياتنا بأسرها والكون من حولنا قائمان في أصلهما على الحركة، والتغير، والإيقاع السليم».
وربما تظهر أهمية التفاصيل بصورة أوضح حين يتحدث إسلام خيري عن الشخصيات واختياراته للممثلين. فهو لا يبحث بالضرورة عن الصورة التي اعتاد الجمهور أن يراها للممثل: «المدخل الأساسي بالنسبة لي هو الفكرة وبناء الشخصياتِ ذاتها؛ إذ تشدني الشخصية حينما أستشعر أن فيها نبضًا وحياة، وأن وراءها دوافع وضغوطًا وتفاصيل تدفعني إلى اكتشافها وتجسيدها أمامي على الشاشة، مما يتيح لي أن أضيف إليها من إحساسي ورؤيتي الخاصة كمخرج».
لهذا دفع في بعض أعماله ممثلين إلى مناطق مختلفة عن الصورة الشائعة عنهم، مثل فرح يوسف في «هي كيميا؟!»، وعمر رزيق في «لعبة جهنم»، وضياء عبد الخالق في «قهوة المحطة». المعيار هنا ليس فقط مدى ملاءمة الممثل للصورة الظاهرية للشخصية، وإنما ما يمكن أن يضيفه إليها من حياة ودوافع.
ويمتد هذا المبدأ إلى علاقته بالممثل نفسه، في «لعبة جهنم»، لم ينصب اهتمامه على تقديم النجم محمد فراج نسخة طبق اﻷصل من الشخص الحقيقي مرتكب الجريمة بقدر ما كان معنيًا ببناء شخصية درامية لها صراعاتها وعالمها الخاص، فحرص على وجود توازن في توجيهه له بين دفعه نحو واقعية الأداء، وبين حمايته من الانغماس النفسي الزائد في شخصية بهذه القسوة خلال أسابيع التصوير، مستوضحًا: «أصدق الممثل وأؤمن بمدى إمكاناته، وهذه هي الركيزة الأهم بالنسبة لي. فعندما يستشعر الممثل أن المخرج يثق فيه وفي قدراته تمام الثقة، يتولد لديه الأمان الذي يدفعه إلى المغامرة وتقديم كل ما لديه دون خوف».
وتأخذ هذه العلاقة شكلًا مختلفًا حين يتعلق الأمر بتوجيه الممثلين الأطفال. في تجربته معهم، ومن بينهم منذر مهران في «جودر» و«لعبة جهنم»، يولي خيري أهمية خاصة لبناء مساحة من الأمان والثقة قبل الوصول إلى الأداء المطلوب: «أنا أحب العمل مع الأطفال جدًا؛ فأنا أصدقهم وهم يصدقونني، وأشعر أن رحلة التوجيه معهم تكون أيسر بكثير، إذ تخلو من التكلف والتحفظات والضغوط أو التفاصيل المعقدة. أبني معهم بالدرجة الأولى علاقة تقوم على الأمان والمصداقية، حيث أؤطّر المشهد في أذهانهم كأننا نخوض «لعبة» - تشبه (عسكر وحرامية) - ونبدأ بالنفاذ إلى عالم المشهد من هذه الزاوية تحديدًا: نحن نلعب لعبة ليست حقيقية، ونستمتع بوقتنا، فتعالوا نلعبها سويًا ونتقن أداءها». هنا تصبح التفاصيل التي لا تظهر للمشاهد، مثل طريقة شرح المشهد وبناء الثقة مع الممثل الصغير، جزءًا من النتيجة التي تظهر أمام الكاميرا في النهاية.
يمثل مسلسل «لعبة جهنم» اختبارًا أكثر تعقيدًا لهذه الفلسفة القائمة على التفاصيل، لأنه يتعامل مع أحداث مستوحاة من واقعة حقيقية مؤلمة، وهو ما يضع المخرج أمام سؤال يتجاوز الشكل: كيف يمكن أن تحكي عن العنف من دون أن يتحول الألم إلى فرجة؟
من البداية، لم يكن هدف خيري إعادة إنتاج الأحداث الواقعية كما وقعت، إذ يقول: «كان من المهم بالنسبة لي ألا يتوقف العمل عند حدود النقل المباشر للواقعة الحقيقية، بل أن يكون له عالمه الخاص، وشخصياته، وقواعده الدرامية المستقلة. فالمخرج ينقل العمل من مجرد مرحلة "الاستناد إلى أحداثٍ واقعية" إلى مرحلة خلق قصته الخاصة وتقديمها للجمهور، وهو ما يفرض بالطبع وضع قواعد وبصمةٍ دراميةٍ جديدة».
وعندما يتناول العمل إحدى الوقائع الحقيقية تظهر معه إشكالية التوازن بين حدود الاستلهام وإعادة السرد الحرفي، خصوصًا في تمثيل الشخصيات، هنا يوضح إسلام خيري رؤيته لحل تلك الإشكالية: «أنا لا أُفضل التعامل مع الشخصيات بوصفها مجرد نسخ مطابقة لأشخاص حقيقيين، بل أتعامل معها كشخصيات درامية مصوغة بعناية. لذلك أحاول أن أكون صادقًا مع جوهر الحكاية، وفي الوقت ذاته أمنح نفسي المساحة الدرامية التي تكفل للعمل أن يكون تجربةً فنيةً قائمةً بذاتها، لا مجرد إعادة تجسيد لما حدث في الواقع».
هذا على المستوى السردي أما المستوى البصري يؤكد المخرج أن: «العناصر معقدة ومتنوعة، وتختلف باختلاف طبيعة الحكاية، وتبدل المشاهد والمقاطع الدرامية (السيكوانسات). ليس مطلوبًا من المخرج أن يفصح عن كل شيء، ولا أن يحجب كل شيء، بل إن جوهر دوره يكمن في ترتيب كيفية عرض التفاصيل على المشاهد؛ فهذا التنظيم الدقيق يشكل جزءًا أصيلًا من بنية السرد الحكائي».
ولا يقتصر هذا الوعي بما ينبغي أن يصل إلى المشاهد على الصورة وحدها؛ إذ يبدأ من الطريقة التي يُقدم بها العمل نفسه. فالحلقاتُ الثلاث التي أخرجها إسلام خيري تُستهل بجملٍ تفسيرية تؤكد أن الغاية من استعادة هذه الحوادث هي الوقوف على أسبابها منعًا لتكرارها. وعن سبب اختياره إضافة هذه الجمل يقول: «لا أفضّل عادةً فرض رسالة محددة على المشاهد، لكن الأمر في هذه الحالة كان يتطلب مراعاة خاصة؛ إذ كان من الضروري التأكيد على أن العمل يتعامل مع حدث إنساني مؤلم. لم يكن الهدف مجرد الاستعراض البصري للجريمة أو تحويلها إلى فرجة، وإنما محاولة الوقوف على أسبابها وتأملها»
الأمر نفسه ينطبق على العنف. فإظهار كل شيء لا يعني بالضرورة أن المشهد سيكون أكثر قسوة. أحيانًا يمكن لما لا تراه العين أن يكون أكثر حضورًا في مخيلة المشاهد: «ليس شرطًا أن يرى المشاهد التفاصيل كافةً كي يستشعر قسوة الحدث؛ فأحيانًا يكون حجب جانب من الصورة سببًا في استثارة مخيلته وجعله يتخيل الفاجعة ويتأثر بها بدرجةٍ أعمق. وفي النهاية، يجب أن يستند كل خيار إخراجي في العمل إلى مبرر درامي وأخلاقي، بعيدًا عن الاستعراض البصري للقسوة».
وقد دفعته التجربة، كما يقول، إلى مزيد من الوعي بمسؤوليته حين يتعامل مع حكايات حقيقية أو مستوحاة من الواقع، مفسرًا ذلك: «بالتأكيد، تكسبك مثل هذه التجربة وعيًا أعمق بجسامة المسؤولية. بيد أنه يتوجب عليك في نهاية المطاف ألا تغفل عن كونك تصنع عملًا فنيًا؛ فمسؤوليتك الأساسية تكمن في أن تروي الحكاية بصدق وأمانة، دونَ أن تبتذل الألم أو تستعرضه أمام المشاهد».
ورغم هذه العناية الكبيرة بكل ما يدخل إلى المشهد، لا يرى خيري الإخراج فعلًا فرديًا: «إن العمل في نهاية المطاف جهد جماعي، ومن الطبيعي جدًا أن تتفاوت وجهات النظر أحيانًا. لذلك أحرص على الإنصاتِ بدقة ومحاولة فهم ما وراء كل رأي، لأتمكن من تحليله بأسلوب موضوعي؛ فإذا كانت الملاحظة جديرة بالتوقف عندها ومن شأنها إثراء العمل، أتقبلها بذهن مفتوح. أما إذا رأيت أنها قد تلحق الضرر بالعمل أو أنَ الملاحظة ليست في محلها، فإني أحاول إيضاح وجهة نظري. فالغاية الأساسية هي الوصول إلى ما يخدم رؤية العمل؛ إذ إننا جميعًا، في نهاية الأمر، نكرس جهودنا لخدمة الحكاية ذاتِها».
وعن التحضيرات قبل التصوير برفقة فريق العمل يقول: «أسعى دائمًا إلى تقديم إضافةٍ جديدةٍ في كل مشهد. ولدى مدير التصوير مساحة واسعة للغاية للتعبير بالصورة بلغته الخاصة، بيد أن الوصول إلى الصورة النهائية المنشودة يتم بالتوافق والتحضير المشترك بيننا؛ إذ لا ينبغي للمخرجِ أن يفاجأَ بأي تفصيلة أثناء التصوير. نحن نناقش المشهد ونستعرضه مرارًا وتكرارًا في مرحلة التحضير، ونتبادل الأفكار لتطويره معًا، وهذا النهج هو ما أتبعه بالتكامل مع مدير التصوير، ومهندس الديكور، ومصمم الملابس (الستايلست)، وكافةِ أفراد طاقم العمل».
ولهذا لا يعتبر خيري، كذلك، أن ما يحدث أثناء التصوير «ارتجالًا» بالمعنى المطلق، إذ يقول: «بالتأكيد ثمة مساحة للمصادفة، لكنني لا أفضل وسم كل شيء بالارتجال؛ فقد تطرأ تفصيلة غير متوقعة في موقع التصوير، أو في البيئة المحيطة، أو في أداء الممثل، أو ربما تكتشف زاوية تصويرٍ (لقطة) جديدة أثناء العمل، فتجد أن كل ذلك يخدم الحكاية إلى حدٍّ كبير. غير أنني في الوقت ذاته أحرص على التحضير الدقيق والمسبق؛ إذ ينبغي للمخرج أن يدرك وجهته بوضوح. ويظل المونتاج بطبيعة الحال إخراجًا ثانيًا للعمل، ومرحلة التهذيب والصقل النهائية؛ ففي غرفة المونتاج تتجلّى الإيقاعات الحقيقية للحكاية، وتملك قدرة التغيير في الإحساس الدراميِ للمشهد؛ فتجعله أكثر هدوءًا أو أسرع وتيرةً، أو أشد توترًا وتأثيرًا».
يبدو هذا الاهتمام بالشخصيات وتفاصيل عوالمها امتدادًا طبيعيًا لعلاقته المبكرة بالحكاية، فقد نشأ إسلام خيري في بيت شيخ الحكائين خيري شلبي أحد أعمدة الرواية الواقعية السحرية في الأدب العربي، لذا من الطبيعي أن يحلم اﻷبن بتقديم عمل مقتبس عن رواية غنية بالشخصيات: «أتوق إلى إخراج عمل درامي مقتبس عن رواية، يتسم بشخصيات مكتوبة بغنى وعمق، وأن أنقل هذا العالم من بين صفحات الأدب إلى الشاشة، لأرى كيف يمكنني خلقه بصريًا بطريقتي الخاصة».
مع اختلاف الأعمال والأنواع، لا يبدو أن ما يحركه هو الرغبة في تكرار نجاح سابق. يتحدث خيري عن مشاهدة أعمال عظيمة لمخرجين وفنانين أكثر خبرة، باعتبارها سببًا في تجدد رغبته في التجريب: «حينما تتأمل الأعمال الفنية الرائدة عبر العالم، وتشاهد قامات سينمائية تمتلك من القدرة والبراعة ما يبهرك في التعبير البصري. في تلك اللحظة، يتولد في داخلك التحدي: "لا، أنا أستطيع، وما زال لدي ما أقدمه". هذا تحديدًا هو ما يعيد إليّ الحماسة في كل مرة أطأُ فيها موقع التصوير؛ رغبة متجددة في التجريب، والتطوير الذاتي، واستكشاف أقصى ما يمكنني الوصول إليه».
لذا يحرص بعد كل عمل على العودة إليه بعين مختلفة: «من الضروري بالنسبة لي عقب كل عمل أن أعود لتأمله بعين مغايرة، وأقف مع نفسي لمراجعة ما قُدّم: ما الذي تحقق ونجح بالفعل، وما الذي كان بمقدورنا إنجازه بصورة أفضل. هذه المراجعة الذاتية هي جزء أصيل وركيزة أساسية في رحلة تطوري واكتمالي الإبداعي كمخرج».
أما فيما يتعلق بالمستقبل واطلاعه على أحوال السينما في العالم العربي، والجدل الدائر حول استعانة الفنان بأدوات الذكاء الاصطناعي، فيرى أنه: «لا بد لنا من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، فليس بمقدور أحد منا الهروب من هذه الموجة. ونحن جميعًا في هذه المرحلة نعيش هذه التجربة ونكتشفها معًا؛ إذ لا يملك أحد حتى الآن تصورًا مكتملًا أو حاسمًا لحجم الأثر الذي سيتكشف عنه الذكاء الاصطناعي مستقبلاً على رؤية المخرج الإبداعية أو على هيكل صناعة السينما برمتها. بيد أن الأمر الأكيد هو أن العالم بأسره يتجه نحو اعتماد هذه التقنيات في مجالات شتى، ولن تكون صناعة السينما والدراما استثناءً من هذا المسار».
وعن التطور الذي تشهده السينما السعودية تحديدًا أعرب عن شعوره بسعادة بالغة إزاء ما تشهده المملكة العربية السعودية من طفرة ثقافية وفنية لافتة، ليس فقط على مستوى السينما، بل وفي مختلف المجالات الفنيةِ والثقافية، فهو يعتقد جازمًا أن: «هذه الحركةَ الاستثنائيةَ سيكون لها مردود ممتاز، ليس على المدى القريب فحسب، بل على المدى البعيد أيضًا؛ لما توفره من بيئةٍ خِصبةٍ للإبداع والإنتاج، ولما تفتحه من آفاقٍ ومساحاتٍ أرحب لاستقطاب المواهب والتجارب المتنوعة».
وسط كل هذه الأسئلة عن الصناعة والتكنولوجيا والمستقبل، تظل هناك نقطة يعود إليها خيري بعد كل عمل: ماذا يريد أن يصل إلى المشاهد؟ الإجابة تأتي مختصرة، وربما أكثر بساطة من كل التفاصيل التي سبقتها: «الصدق وحده ولا شيء سواه». ولعلها الجملة التي تختصر، في النهاية، طريقته في النظر إلى التفاصيل التي تصنع الحكاية.



