المفاتيح التي احتفظ بها هيتشكوك

August 13, 2026

في إحدى أمسيات شهر يونيو الماضي، داخل مسرح ديفيد غيفن بمتحف أكاديمية فنون الصور المتحركة في لوس أنجلوس، وقف المخرج غييرمو ديل تورو أمام الجمهور، وقبل أن تنطفئ الأضواء إيذانًا بعرض فيلم تجسّسٍ عمره تسعة وسبعون عامًا، أخذ بيدهم، لقطة بلقطة، عبر حركة رافعة واحدة من فيلم «سيئ السمعة» (Notorious): حيث تبدأ الكاميرا عالية فوق حفل صاخب، ثم تنساب بين الثريات وفوق رؤوس الضيوف، حتى تستقر أخيرًا على قبضة يد إنغريد بيرغمان المغلقة على مفتاحٍ مسروق.

كان ديل تورو يشرح اللقطة لحظة بلحظة: إلى أين يجب أن تسافر العين، ولماذا هناك تحديدًا، وما الذي ينبغي أن يشعر به المشاهد قبل أن يفهم بعقله أي شيء.1

بعد مضي ستة وأربعين عامًا على موت ألفريد هيتشكوك في سريره في ببل إير، وبعد أربعة أشهر فقط من نيله اللقبَ الذي انتظرت بلاده ثمانين عامًا قبل أن تمنحه إياه، تبقى هذه واحدة من مفارقات إرثه الأكثر دلالة: المخرج الذي كرّس جزءًا كبيرًا من أسطورته لصورة العين الإخراجية صاحبة السلطة المطلقة، أصبحت أفلامه اليوم، في متحف بُني أصلًا لتكريس السينما بوصفها فنًا، تخضعُ لما خضعت له أعمال أربعة أجيال من صناع الأفلام قبله: التدقيق، والمراجعة، وأخذ الملاحظات.

يُدرَّس هيتشكوك اليوم أكثر مما كان يُدرَّس قبل خمسين عامًا، حين كان لا يزال حيًا، ومستاءً من طول المدة التي احتاجها الآخرون كي يأخذوا موهبته على محمل الجد. والحقيقة أن هناك نسختان من هيتشكوك، ولعل هذه من أغرب حقائق تاريخ السينما: كيف يحتل الاثنان الدقائقَ التسعين نفسها من زمن الشاشة دون أن يتصالحا أبدًا بالكامل.

الأول، قال عنه تروفو -قبل أن يصبح قوله ذلك رأيًا مريحًا يتبناه الجميع- إنه فنان حقيقي وليس فنانًا ترفيهيًا؛ وما زالت قدرته على التحكم في اللقطة والمونتاج ونبض الجمهور أقرب ما تملكه السينما السردية إلى علم له قواعده.

الثاني، وصفته بعض بطلاته لاحقًا -حين صار الإفصاح عن ذلك آمنًا بعد موته بزمن طويل- بأنه مخرج لم يكن يوجّه النساء، بل كان يصمّمهن؛ أي كان يصنع نجمةً في مشهد ويحطّمها في الذي يليه؛ وتعامل، بحسب قول واحدة منهن على الأقل، مع جسد الممثلة كقطعةِ ديكور ينبغي أن تُنقل إلى مكانها الصحيح.2

لن تنجح أبدًا الرغبة في الفصل بين نسختي هيتشكوك؛ ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال وضع العبقري على رف، والرجل على الرف الآخر، ولعل الصعوبة تزداد كلما جلسنا مع أفلامه، لأن عددًا كبيرًا منها، عند التدقيق، يدور تحديدًا حول نفس المشكلة:  أي حاجةُ رجلٍ إلى السيطرة على امرأة في كل تفاصيلها، حتى لون شعرها.

خمس دقائق في زنزانة

تبدأ الحكاية عند نقطة سخيفة، بقصة رواها هيتشكوك نفسه مرات كثيرة، وبالصيغة نفسها تقريبًا طوال حياته، حتى صارت، في كتب سيرته، أقرب إلى أسطورة صنعها عن نفسه وعاش داخلها منها إلى ذكرى فعلية.

كان في الخامسة من عمره، يعيش فوق متجر البقالة الذي يملكه والده على الطريق الرئيسي في ليتونستون، ذلك الطرف الشرقي المسطح من لندن، وهو أصغر أبناء وليام وإيما هيتشكوك الثلاثة.

في إحدى الأمسيات، كتب والده رسالة وأرسل الصبي بها إلى مركز الشرطة المحلي، وكان قد رتّب مسبقًا مع الشرطي المناوب أن يُغلق عليه باب الزنزانة بضع دقائق، ليفهم، جسديًا ودون نقاش، ما يحدث للأولاد السيئين. قال هيتشكوك إنه لم يعرف قط ما الخطأ الذي ارتكبه. وقال إن الباب قد أُغلق عليه، ووقف هناك في الظلام حتى فُتح مرة أخرى.

كانت هذه طريقةَ تربيةٍ مثيرةٍ للسخرية وقروسطيّة حتى بمقاييس عام 1904، لكنها أيضًا، في شبه إجماع بين كتّاب سيرته، أكثر الحقائق المفيدة في سجل حياته، لأن ارتداداتها ظهرت فيما بعد عبر عقود متلاحقة من مسِيرته: الرجل المتهم ظلمًا، الشكل الذي تكرر حتى صار نوعًا قائمًا بذاته في أفلام «النزيل» (The Lodger: A Story of the London Fog)، و«الـ39 درجة» (The 39 Steps, 1935)، و«المخرب» (Saboteur, 1942)، و«الرجل الخطأ» (The Wrong Man, 1956)، و«شمالاً نحو الشمال الغربي» (North by Northwest, 1959)؛ الأصفاد ومراكز الشرطة التي تظهر أكثر مما تحتاجه حبكات الإثارة فعليًا؛ والذنب الذي تحمله شخصياته بسبب أشياء لم تفعلها، وهو الأسوأ دراميًا من ذنب الأفعال المرتكبة فعلًا، لأنه لا مناص منه حتى بالاعتراف.

أمضى بقية طفولته في كلية سانت إغناطيوس، وهي مدرسة يسوعية في شمال لندن تقوم على ركيزتين متلازمين؛ قواعد اللاتينية والعقاب الجسدي، حيث احتفظ الآباء بسجل للجزاءات يُستبدل دوريًا بالضرب بالعصا. يشبه العالم الأخلاقي الذي تتبناه هذه المدرسة الكاثوليكية سجلَّ حسابات: خطيئة مسجلة، توبة مستحقة، وغفران متاح لكنه غير مضمون أبدًا.

تعود الدراسات النقدية الجادة لأفلام هيتشكوك باستمرار إلى موضوع الذنب، ونقله إلى الآخرين، وتحميل كبش الفداء المسؤولية، بوصفه البنية العميقة التي تكمن خلف جرائم القتل. لم يكن هيتشكوك بحاجة إلى اختراع الخطيئة الأصلية،  فقد نشأ وهو يُحاسب عليها.

كان هيتشكوك، في مراهقته، ضخم الجسم، وقد جعلته البدانة، بحسب ما قاله لاحقًا، يخشى أن يُنظر إليه، وأن يُقيَّم بوصفه جسدًا دون عقل. طوّر الصبي -المراقَب، غير الرياضي، والذي اعتاد أن يُنظر إليه ويُحكم عليه بأنه غير كافٍ-  موهبةَ مراقبة الآخرين، عوض أن يكون هو موضع المراقبة، وذلك كدرعٍ نفسي. ورغم أننا لا نملك وسيلة للتأكد من ذلك، إلا أن كتّاب سيرته يكرّرون هذه الفرضية كثيرًا: اعتاد الوقوفَ خارج الغرفة كمراقب، ليرصد من يملك زمام السيطرة، وما الذي يلزم لانتزاعِها منه.

وهذه قراءة شائعة تجعل من التلصص في أفلامه تعويضًا وليس مجرد شهوة للنظر، مثل  المصور المشلول في «النافذة الخلفية» (Rear Window)، الغاضب من عجزه، الذي يراقب جيرانه لأن المراقبة، بحسب هذه القراءة، قوّته الوحيدة المتبقية.

كان طريق خروجه من ليتونستون بلا بريق، عبر شركة هندسية، حيث تدرّب هيتشكوك المراهق على الرسم الهندسي ودرس الفن ليلًا، قبل أن يدخل عالم السينما بالصدفة تقريبًا عام 1919، حين بدأ يصمم بطاقات العناوين لفرع لندن التابع لشركة أمريكية، ويكتب عبارات الأفلام لغيره قبل أن يقترب من الكاميرا نفسها.

هناك التقى بـ ألما ريفيل، ابنة أحد المخرجين، دخلت الصناعة في سن المراهقة، وكانت أكثر خبرة منه بالفعل: محررة ماهرة ومشرفة، بينما كان هو لا يزال يتعلّم كيف يركّب الإطار. تزوّجا عام 1926، وتبقى هذه واحدة من مفارقات أسطورة هيتشكوك الدائمة: أسطورة العين الإخراجية المستقلة، وصاحبة السلطة المطلقة. ففي الظل، كانت هي من أوثق معاونيه طوال أربعة وخمسين عامًا، تقرأ كل سيناريو، وتلتقط أخطاءً لم يرها أحد في المبنى؛ امرأة بالكاد يظهر اسمها بحروف صغيرة في شارة الفيلم.

حين عُرض «سايكو» (Psycho) في الصالات عام 1960، كان يحمل -من دون أن تكتشفه إدارة باراماونت أو أي عين أخرى- تفصيلًا مرئيًا صغيرًا، ففي اللقطة التي يُفترض فيها أن ماريون كرين قد ماتت، يمكن رؤية حلق جانيت لي (لو دقّقنا جيدًا) يتحرك.

والقصة، التي أُعيد سردها طوال ستة عقود، تقول إن ألما اكتشفت الأمر قبيل العرض مباشرة، حين لم يعد هناك مال ولا وقت لإعادة التصوير. وحلّ هيتشكوك المشكلة في غرفة المونتاج، حيث حذف بضعة إطارات مزعجة، بحيث تنتقل اللقطة إلى رأس الدش قبل أن يظهر ما قد يلفت انتباه أكثر المشاهدين تدقيقًا.

ومجددًا تعود ألما إلى الواجهة، بوصفها العين التي ترى ما قد يفوت الجميع، ثم تعمل في الظل حتى تخفي هذه التفاصيل عن أعين أمهر المدققين.

وسواء صحّت الحكاية بكل تفاصيلها، أو صقلتها عقود من إعادة الرواية، فاستمرارها يقول شيئًا حقيقيًا عن الزواج: أن هيتشكوك بنى الآلة المرئية، أما هي فقد حرصت على بقائها قائمة أمام الجمهور، من دون أن تنهار، وكان عملها هذا في الغالب يجري في الظل.

بحلول 1927، مع فيلم «النزيل»، وهي حكايةٌ غارقةٌ في الضباب عن مستأجرٍ غامضٍ قد يكون قاتلًا متسلسلًا يطارد الشقراوات في شوارع لندن. كان هيتشكوك قد جمع العناصر التي سيقضي خمسةَ عقودٍ في إعادة تشكيلها وصقلها: الرجل المشتبه به خطأً، والمرأة الشقراء المهددة، وظهور هيتشكوك للحظات داخل الكادر. وهو ما بدأ في العادة كحاجة إنتاجية بحتة حين احتاج إلى ممثلين إضافيين فاستخدم نفسه، قبل أن يتحول إلى علامة يتلهّى بها الجمهور، في حياته نفسها، بالبحث عنها في كل فيلم. كان «النزيل» أول أفلامه الحقيقية، وكل ما جاء بعده كان توسيعًا للنطاق أكثر منه اكتشافًا لشيء جديد.

بعد عامين، أثناء تصوير أول فيلم بريطاني ناطق، «الابتزاز» (Sabotage, 1936)، واجه مشكلةً بدت مصممة على مقاس غرائزه بالذات؛ إذ رأى الاستوديو أن لهجةَ بطلته أني أوندرا، وهي ممثلة من أوروبا الوسطى، غير مناسبة لفتاة متجر إنجليزية. بدلًا من استبدالها، وضع هيتشكوك ممثلةً أخرى، جوان باري، خارج الكادر مباشرة أمام ميكروفون خاص، تقرأ حوار أوندرا بصوت عالٍ في نفس التوقيت، بينما تحرّك أوندرا شفتيها أمام العدسة فقط. فكانت هذه من أوائل حالات الدبلجة الحية في تاريخ السينما، وتبدو أشبه بقصة ولادة "منهج مثالي" أكثر من اللازم لمخرج سيقضي خمسة عقود يقرر، نيابة عن المرأة، أي صوت يُسمح للجمهور أن يسمعه خارج فمها.

هندسة الخوف

في عام 1939، أحضر ديفيد أو. سلزنيك هيتشكوك إلى هوليوود بعقدٍ جعله، للمرة الأولى في مسيرته، يعمل فعليًا لحساب رجل آخر يملك سلطة أكبر منه. كان سلزنيك يؤمن، وله بعض الحق، بأن غرائزه الخاصة هي ما صنعت «ذهب مع الريح» (Gone with the wind, 1939). وقد تصادم الرجلان لسنوات حول المونتاج واختيار الممثلين وأمور أخرى.

فاز تعاونهما الأول، «ريبيكا» (Rebecca, 1940)، بأوسكار أفضل فيلم عام 1940، وما زال، بعد أكثر من ثمانين عامًا وأربعين فيلمًا لاحقًا، الفيلمَ الوحيد المرتبط باسم هيتشكوك الذي نال هذه الجائزة. لكن التمثال ذهب إلى سلزنيك بصفته المنتج، لا إلى المخرج. رُشّح هيتشكوك نفسه لجائزة أفضل مخرج خمس مرات، وذلك عن «ريبيكا»، و«قارب النجاة» (Life Boat, 1944)، و«المفتون» (Spellbound, 1945)، و«النافذة الخلفية»، و«سايكو»، وخسرها في كل مرة. منحته الأكاديمية أخيرًا جائزةَ إيرفينغ ج. ثالبرغ التذكارية عام 1968، وهي الطريقة التقليدية التي تعترف بها المؤسسة بخطئها من دون الاعتراف به. صعد هيتشكوك لاستلامها وألقى أقصَر خطابٍ في تلك الأمسية: «شكرًا»، و توقف، ثم عاد ليقول: «شكرًا جزيلًا بالفعل»، ليغادر بعدها المنصة دون إضافة أي كلمة أخرى. كان قد صنع، وقتها، «سايكو» و«الطيور» (Birds, 1963) و«دوار» (Vertigo, 1958)، ولم يكن بحاجة كبيرة لتصفيق صناعة أمضت ثلاثين عامًا تخلط بين دقته التقنية وغياب الجدية الفنية.

تمثل الفترة ما بين نهاية عقده مع سلزنيك وعام 1960 واحدة من أعظم المسيرات الإخراجية التي صنعها مخرج أمريكي على الإطلاق، وكثافتها هي بيت القصيد؛ فعلى سبيل المثال، لا الحصر، نجد «ظل الشك» (Shadow of a doubt, 1943)، الكابوس الصغير في مدينة هادئة الذي اعتبره هيتشكوك فيلمه المفضّل، وشارك في كتابته ثورنتون وايلدر، وفيه  يتضح أن شخصية الخال المحبوب هو في الحقيقة قاتل متسلسل للأرامل، دون أن يجهر الفيلم بذلك. ثم «سيئ السمعة» (Notorious, 1946)، حيث تطلب الاستخبارات الأمريكية من إنغريد بيرغمان أن تغوي متعاطفًا مع النازية، باعتبار ذلك عملًا وطنيًا، ويتعاطف الفيلم مع الثمن النفسي الذي تدفعه بطلة الفيلم. إلى جانب «غرباء على قطار» (Strangers on a train, 1951) و«النافذة الخلفية»، اللذين يحوّلان رغبةَ الجمهور في التلصص إلى موضوعٍ صريحٍ لقصة جريمة، في تحد واضح لأي مشاهد: يستحيل الاستمتاع مع العلم بكل هذه التفاصيل. وفيلم «دوار» كذلك، الفشل التجاري الساحر لعام 1958، الذي بقي منسيًا تقريبًا لعقود حتى أعادته عملية ترميم دقيقة إلى الصالات عام 1996. و«شمالًا نحو الشمال الغربي»، المتعة الواثقة المكلفة التي حوّلت طائرة رش المحاصيل وجبل راشمور إلى اختصار لفكرة المتعة السينمائية نفسها. و«سايكو»، الذي صنعه بسرعة لافتة، وبتكلفة منخفضة مع فريقه التلفزيوني، بعدما رفضت شركة باراماونت تمويل شيء بهذه القتامة، فموّله من ماله الخاص. وهو فيلم بالأبيض والأسود عن امرأة تسرق أربعين ألف دولار، تدخل فندقًا صغيرًا على الطريق، وتُقتل في الحمام قبل أن يصل الفيلم إلى منتصفه؛ وقد كان هذا وقتها بطبيعة الحال عملًا تخريبيًا مناقضًا للعقد الاجتماعي المتعارف عليه بين  صورة النجم مع جمهوره.

بحلول الستينيات، كان هيتشكوك قد بنى نظريةً كاملةً عن ممارسته، وكان سعيدًا بشرحها لكل من يريد أن يسمع. أولًا، التفرقة بين المفاجأة والتشويق، وهي فكرة شرحها كثيرًا حتى أصبحت شبه مقدسة في مدارس السينما. لنفترض أن رجلان يتحدثان على طاولة، ثم تنفجر قنبلة تحتهما، تعد هذه مفاجأةً بطول عشر ثوانٍ من الصدمة. أما إذا جعلت الجمهور يرى القنبلة أولًا، ثم تركتهم يشاهدون الرجلين يتحدثان عن أمور لا علاقة لها بما ينتظرهما، بينما تقترب عقارب الساعة من لحظة الانفجار، فقد خلقت بذلك تشويقًا: عشر دقائق مؤلمة يتوسل فيها الجمهور، بلا جدوى، إلى الشخصيتين أن تنهضَا عن الطاولة. 

التشويق، إذن، معناه دائمًا منح الجمهور معلومة أكثر مما تملكه الشخصيات، ثم رفض السماح لأحد بالتصرف بناءً عليها.

ثانياً، مفهوم "الميكغَفِن"3 (المحرك السردي)، هو الشيء الذي يدفع الشخصيات إلى اقتراف جريمة القتل من أجله: وثائق مسروقة، سرّ حكومي، حقيبة لا يعرف أحد ما بداخلها. وفي الفيلم الجيد، سرعان ما يتوقف الجمهور عن الاكتراث بماهية هذا الشيء، غالبًا قبل أن يبلغ الفيلم منتصفه. الميكغَفِن نفسه يُنسى؛ وما يبقى هو البشر، وما يفعلونه ببعضهم وهم يركضون وراءه.

ثالثًا، "السينما الخالصة" نفسها: أسلوب سرد يمكن متابعته حتى مع إغلاق الصوت، عبر ترتيب الصور وإيقاعها لا عبر الحوار، وعبر تركيب اللقطات لإنتاج استجابةٍ محسوبةٍ داخل جسد المشاهد قبل أن يلحق بها عقله. نظريةٌ تفترض أن الجمهور، رغم اختلاف كل فردٍ فيه عن غيره، يستجيب كوحدة واحدة، يمكن لتقنيٍّ ماهر أن يعزف عليها بدقة كاملة.

كان هيتشكوك يؤمن، وقال ذلك صراحة، بأنه يستطيع التنبؤ تقريبًا باللحظة التي سيشهق فيها أي جمهور في أي مكان من العالم، وكان يخطط أفلامه لقطة بلقطة قبل أشهر من تشغيل الكاميرا ليتأكد من حدوث ذلك بدقة. أسلوبه في صناعة السينما لا يترك مساحة كبيرة للعفوية.

وربما ما يفسّر هذا هو العبارة التي طاردته طوال حياته وحتى بعد رحيله: «الممثلون كالماشية»، وقد حاول التراجع عنها أكثر من مرة، مؤكدًا أنه قال إن الممثلين ينبغي أن يُعاملوا مثل الماشية؛ وهو ما بدا توضيحًا وتراجعًا في آن واحد. لكن الشعور خلف النسختين كان صادقًا: وفق نظامه، يُصنع الأداء داخل المخطط البصري ويكتمل في غرفة المونتاج؛ ووظيفة الممثل أن يصل إلى العلامة المحددة بالزاوية المحددة، ليقوم القطع السينمائي بالعمل العاطفي الذي اعتبره هيتشكوك أهم من تركِ مشاعر أي أحد، حتى مشاعره هو، بلا ضبطٍ في موقع التصوير.

وقد جاءت موسيقى برنارد هيرمان لتكمل دائرةً تركتها الصور  لدى هيتشكوك مفتوحةً عمدًا؛ فالأوتار الصارخة المصاحبة لمشهد الحمام في «سايكو» أدّت عملًا لا يقدر عليه الأداء التمثيلي لوحده. كما رسم شاول باس لمشاهد الفيلم مخططات دقيقة إلى درجة أن الجدل ما زال قائمًا حول مقدار ما نجح في إبرازه بالفعل من ذلك المشهد.

بحلول منتصف الخمسينيات، انتقلت الغريزة نفسها من الشاشة إلى غرف المعيشة الأمريكية مرة كل أسبوع، مع بدء عرض «ألفريد هيتشكوك يقدم» (Alfred Hitchcock Presents). وصار ظله المرسوم بخطوط قليلة معروفًا كشعار تجاري، يقدّم حكايات غامضة من نصف ساعة بروح ساخرة ميتة، مرتبطة بالأداء أكثر من علاقتها بالإخراج. كانت تحيته بـ «مساء الخير»  تؤدي، للعلامة التجارية، ما تؤديه أي حركة كاميرا متقنة.

لم يتول هيتشكوك إخراجَ معظم هذه الحلقات بنفسه؛ فقد ترك الجزء الأكبر من العمل لمخرجين آخرين. فقد كان حضوره هو ما يهم. صوته، وتوقيته الدقيق، ولا مبالاته المتعمدة تجاه الدم والجريمة، تحولت خلال عقد واحد إلى صورة يعرفها ملايين الأمريكيين عن هيتشكوك، حتى أولئك الذين لم يشاهدوا «سيئ السمعة» ولن يشاهدوا «دوار» على الأرجح، كان هيتشكوك بالنسبة إليهم ببساطة ذلك الرجل الإنجليزي البدين الذي يتعامل مع القتل ببرود غريب، حتى يبدو أحيانًا وكأنه يستمتع به، وكأن الجريمة نفسها نوع من العرض الذي جاء ليقدمه إليهم.

كانت تلك واحدة من أنجح عمليات صناعة الصورة الذاتية في تاريخ السينما. فقد نجح هيتشكوك، خلال سنوات قليلة، في تحويل نفسه من مخرج لأفلام الجريمة والتشويق إلى شخصية عامة يمكن التعرف إليها من ملامحها وصوتها وطريقتها في الحديث عن القتل. لكن نجاح الصورة حمل معه مشكلة لم تكن ظاهرة في البداية: كيف يمكن إقناع الجمهور بأن الرجل الذي جعله التلفزيون شخصية مرحة تلعب مع الخوف والجريمة هو نفسه واحد من أكثر المخرجين صرامة وابتكارًا في تاريخ السينما؟! وهنا تبدأ أهمية فرانسوا تروفو.

في ربيع عام 1962، ظهر فرانسوا تروفو إلى الواجهة. وقد وكان ناقدًا تحول إلى مخرج في التاسعة والعشرين من عمره، ولم يكن قد أنجزَ سوى ثلاثة أفلام طويلة، ويكتب من حين لآخر في «كراسات السينما»، المجلة التي أمضت عقدًا كاملًا في الدفاع عن هيتشكوك بوصفه أحد أعظم العقول الشكلية في تاريخ السينما، خلافًا لمعظم النقاد الأمريكيين آنذاك. وكان ذلك من خلال كتابته لرسالة يقترح فيها إجراء مقابلة طويلة مع هيتشكوك، لا تقتصر على فيلم أو مرحلة، وإنما تتتبّع مسيرته بأكملها، فيلمًا تلو اﻷخر.

لم يكن اقتراح تروفو مجرد طلب لإجراء مقابلة مع مخرج مشهور. كان يحمل وراءه مشروعًا نقديًا واضحًا: إعادةُ تقديم هيتشكوك إلى الجمهور بوصفه فنانًا، لا بوصفه الشخصية التلفزيونية التي يعرفها ملايين الأمريكيين. فقد لاحظ تروفو أن الصحفيين الأمريكيين الذين كانوا يقابلون هيتشكوك في نيويورك يعودون، بصورة شبه متكررة، إلى السؤال نفسه: لماذا يأخذ النقاد الفرنسيون هذا "المُسلّي" على محمل الجد إلى هذا الحد؟

كان تروفو يعرف الإجابة. لأن الأمريكيين كانوا يرون الرجل البدين صاحب النكتة الجافة الذي يظهر على الشاشة، ولم يروا المخرج الذي يصنع اللقطة، وينظم حركة الكاميرا، ويضبط المعلومة التي يعرفها المتفرج، ويحوّل الزمن والمكان والنظرة إلى أدوات للسيطرة على إحساسه. لذلك لم يرد تروفو من هيتشكوك مجرد حديث عن الأفلام؛ بل أن يجعله يشرح بنفسه، وللمرة الأولى تفصيليًا، كيف يفكر في صنعها.

وبمعنى آخر، كان على تروفو أن يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا من الدفاع عن مخرج يقدّره: كان عليه أن يفصِل هيتشكوك الفنان عن الشخصية التي صنعها لنفسه.

في أغسطس، أغلقَ المخرجان على نفسيهما في غرفة داخل استوديوهات يونيفرسال أسبوعًا كاملًا، ومعهما مترجم ومصور فقط، وتحدثا لأكثر من خمسين ساعة: هيتشكوك يسير زمنيًا عبر أربعة عقود وعشرات الأفلام، وتروفو يضغط عليه بأسئلة تقنية لا يطرحها إلا من حفظ كل لقطة تقريبًا عن ظهر قلب.

قدّم الكتاب الذي خرج من تلك الجلسات، ونُشر في فرنسا عام 1966 (ثم بالإنجليزية العام الذي تلاه) الحجةَ القاطعة، بكلمات المخرج نفسه، بأن الرجل الذي قضى عقدًا على التلفزيون، بابتسامةٍ ساخرةٍ من نفسه، كان أحد أوائل صنّاع الأفلام الذين وضعوا نظريةً كاملةً لقواعد لغة الوسيط الذي يعملون فيه. بدأ الرأي النقدي الأمريكي يتغيّر، ببطءٍ وبقدرٍ من المقاومة.

قال ديفيد فينشر لاحقًا، في فيلم وثائقي بُني حول ذلك الكتاب، إن هيتشكوك من أوائل من أدركوا أن للسينما بنية لغوية خاصة بها؛ فهي ليست مسرحًا مصوّرًا، بل شيء له قواعده النحوية التي تنتظر من يكتشفها. تعود المفردات التي يستخدمها مخرجو اليوم -التغطية البصرية، جغرافية المشهد، قواعد القطع- إلى حد كبير إلى أسبوع تسجيلاتٍ في غرفة مستأجرة صيف 1962.

لم يقتنع الجميع بهذه الرواية. كانت بولين كايل واحدة من هؤلاء، وهي ناقدة في جريدة «ذا نيويوركر»، وتعد القلم الأكثر تأثيرًا في الفترة الممتدة من أواخر الستينيات حتى عام 1991، إذ تركت شخصيتُها النقدية وحدها أثرًا عميقًا في أجيال من كتاب السينما الأمريكية. بدت كايل أقل استعدادًا لتبنّي الصورة التي صنعها النقاد الفرنسيون عن هيتشكوك. لم ترَ تحت سطح أفلامه ذلك العمق العاطفي الذي كانوا يتحدثون عنه، وإنما رأت هندسةً شكليةً متقنة إلى حد الاستعراض، أقرب إلى استعراض السيطرة على الجمهور منها إلى التواصل معه؛ هندسة تخنق الشعور بدل أن تولّده.

لقد رأى أتباع رأي تروفو أن هيتشكوك مخرج قادر، من خلال إحكامه المطلق للشكل، على تحقيق تأثيرات عاطفية لم يسبق للسينما أن بلغتها، في حين كانت كايل تراه في الغالب رجلًا شديد الذكاء، يحل مسألة هندسية معقدة، ثم يقع في خطأ الاعتقاد بأن إحكام الحل يكفي وحده ليمنح أعماله روحًا.4

كان هذا الخلاف من أكثر خلافات النقد السينمائي الأمريكي أهمية، ربما لأن الاثنين كانا يصفان الأفلام نفسها بدقة، وإن اختلفا تمامًا في الحكم عليها. إن سيطرة هيتشكوك كانت كاملة، والسيطرة الكاملة تنتج تأثيرات تبدو، بحسب المزاج وتوقيت المشاهدة، إما أصدق أشكال التلاعب العاطفي التي بلغتها السينما، أو برودةً ترتدي ثوب الحرفة.

على الأرجح، لم يكن هيتشكوك نفسه لينزعج من هذا الاتهام كثيرًا، إذ كان يخطط أفلامه لقطةً بلقطة قبل تصويرِ قدمٍ واحدة من الشريط، وقد تصالح مسبقًا مع فكرة أن يسميه أحدهم حرفيًا وليس فنانًا، إذ كان هذا فرق يشغل النقاد أكثر مما كان شغله هو.

المخرج الذي أعاد تشكيل نسائه

هناك قصة ثانية مهمة في مسيرة هذا المخرج؛ وهي قصة النساء. كان هيتشكوك يحدد مواصفات ممثلاته كما يحدد المهندس مواد بنائه. فالاختيار نفسه كان يأتي متأخرًا، بعد أن تصير القياسات كلها جاهزة في ذهنه.

فضّل الشقراوات، وقال ذلك مرارًا بلا حرج يُذكر: النساء الشقراوات، بحسب تفسيره شبه العلمي، يظهرن أمام الكاميرا وكأن الضوء يأتي من داخلهن، وهدوءهن على الشاشة يجعل العنف الكامن تحت السطح أشد أثرًا حين ينفجر أخيرًا.

كانت مادلين كارول في الـ «39 درجة» النموذجَ الأولي تقريبًا. ثم صارت غريس كيلي، عبر ثلاثة أفلام في منتصف الخمسينيات، القالبَ الذي أمضى بقية حياته يحاول تشكيله وإعادة صنعه (وغالبًا ما فشل في ذلك). ثم تلتها كيم نوفاك، وإيفا ماري سانت، وجانيت لي. 

أشرفَ على ملابسهن حتى آخر زر، وشعرهن حتى آخر درجة لون، وطريقة مشيهن. بدلة غريس كيلي الرمادية، في «النافذة الخلفية»، لم تكن مجرد اقتراح من قسم الأزياء؛ كانت أقرب إلى تفصيلةٍ سبق أن كتبها في ذهنه قبل أن يبدأ اختيار الممثلين أصلًا.

لا يظهر هذا الدافع في أي مكان آخر أوضحَ مما يظهر في «دوار»، وهذا جزء كبير من سبب انتقال الفيلم، خلال ستين عامًا، من خيبة تجارية إلى تربعه على قمة أكثر استفتاءات السينما جدية. فالفيلم في ظاهره قصة أشباح: محقق متقاعد يعاني من صدمة سقوط لم يستطع منعها، يصبح مهووسًا بامرأة تبدو وكأنها مسكونة بروح سلف ميت، يفقدها، ثم يجد امرأة ثانية تشبهها فيبدأ بإعادة تشكيلها قطعة قطعة: يُصبغ شعرها، ويُصفف بالطريقة نفسها، ثم تُشترى البدلة الرمادية لتطابق صورة حبيبته الراحلة، حتى الحذاء يجب أن يكون ذاته.

قرأ النقاد هذا الفيلم لعقود بوصفه استعارةً عن الإخراج نفسه، ولم يكونوا مخطئين. ففي غرفة فندق مضاءة كما لو كانت استوديو تصوير، يمارس سكوتي فيرغسون -بطل الفيلم الذي يؤديه جيمس ستيوارت- سيطرته على جودي بارتون، محاولًا إعادة تشكيل مظهرها وتفاصيل حضورها حتى تستعيد هيئة مادلين إلستر؛ المرأة التي فقدها. ربما لا توجد في سينما هيتشكوك صورة ذاتية أكثر انكشافًا من هذه: مخرج يتحكم في كل تفصيلة، ويعيد تشكيل امرأة حقيقية حتى تطابق صورة مثالية لم تعد موجودة.

الازدواجية في «دوار» ليست حيلة سردية معزولة؛ إنها تكاد تكون الخدعة المركزية في عالم هيتشكوك كله. نورمان بيتس في «سايكو» يتحوّل إلى أمه الميتة، بصوتها وملابسها، في اللحظة نفسها التي تحتاج فيها القصة إلى أعنف أفعالها، فتُرتكب الجريمة الأوحش في الفيلم على يد رجل يرتدي ملابس امرأة رفض أن يسمح لها بالموت. 

في «ظل الشك» يقترن الخال وابنة أخته باسم واحد: تشارلي الشابة، والخال تشارلي، وكأن الفيلم يريدك أن تتساءل باستمرار عن أيهما تدور عليه الحكاية فعلًا. حتى فيلم «غرباء على قطار» يدور حول رجلين متناقضين ظاهريًا، لكنهما متطابقان على نحو مخيف، حتى ليبدو الشرير، في لحظات معينة، نسخةً مظلمة من البطل، يرتكب العنف الذي لا يقدر البطل إلا على تخيله.

التقى هيتشكوك بأهم متعاونيه في الدراما التالية عام 1961، حين شاهد تيبي هيدرن، عارضة أزياء سابقة صاحبة خبرة تمثيلية شبه معدومة، في إعلان تلفزيوني لمشروب حمية. وقّع معها عقدًا شخصيًا حصريًا، ليس مع استوديو الانتاج بل معه تحديدًا، وأسند إليها بطولة «الطيور»، أكثر مشاريعه طموحًا من الناحية التقنية، المبني بالكامل تقريبًا حول آليات إخضاع نجمته لهجمات متصاعدة من الطيور.

أصرّ الإعلان الدعائي للفيلم، بغرابة، على كتابة لقبها بين علامتي اقتباس: «تيبي»، وكأن اسمها نفسه هو دور منحها إياه. وبالغ هيتشكوك في الحديث عن خمسة وعشرين ألف دولار أنفقها، كما قيل، على اختبار الشاشة الذي أجراه لها، ما يعادل تجهيزات فيلم حقيقي، قبل أن تُعيَّن في أي شيء.

جاء ثمن  كل هذا مستحقًا في مشهد العلِيّة الختامي، حيث تتعرض شخصيتها لهجوم عشرات الطيور. أُبلغت قبل التصوير أن المشهد سيستخدم طيورًا ميكانيكية. لكن ما حدث كان خلاف ذلك؛ إذ أُلقيت عليها طيور نورس وغربان حقيقية، وربطت بعض الطيور بملابسها كي لا تطير بعيدًا. استغرق ذلك أسبوعًا كاملًا تقريبًا. وتصف أغلب الروايات اللاحقة بأن أثر التصوير عليها كان صدمة حقيقية تجاوزت الإرهاق الجسدي.

ومهما كان مقدار الذنب الذي شعر به هيتشكوك، لم يمنعه ذلك من تكرار التجربة على مستوى مختلف بعد عام واحد، أثناء تصوير «مارني» (Marnie, 1964)، حيث لعبت هيدرن دور امرأة مصابة بهوس السرقة تعاني من خوف يشلّها أثناء العلاقة الحميمة. بحسب رواية هيدرن الخاصة (قدّمتها أولًا للكاتب دونالد سبوتو في كتاب 1983، ثم وسّعتها في مذكراتها عام 2016) تحوّل اهتمام هيتشكوك المهني بها إلى شيء آخر: محاولات تقرّب غير مرغوبة داخل سيارة الاستوديو، وطلب أن تلمسه، واعترف لها بمشاعر لم تطلبها ولم تبادلها، قالت إنه حين رفضته هدّدها بتدمير مسيرتها. وحين غادرت رغم ذلك، نفّذ التهديد بقدر ما سمحت له سلطته؛ فقد أبقاها مرتبطة بعقد حصري يمنعها من التعاقد مع مخرجين آخرين، ولم يمنحها هو نفسه أي دور آخر.

قالت إنها لم تره ثانية بعد انتهائها من تصوير «مارني» عام 1964. وبعد خمسة عشر عامًا، في مارس 1979، كانت من بين حضور حفل معهد الفيلم الأمريكي لتكريم هيتشكوك عن مجمل أعماله، إلى جانب كاري غرانت، وجيمس ستيوارت، وإنغريد بيرغمان، وهنري فوندا، وجوان فونتين. أداء آخر في مسيرة طويلة من الأداءات التي تدرّبت على ألا تتشقق أبدًا أمام الكاميرا، على يد الرجل المحتفى به في تلك الليلة تحديدًا. 

لا توجد هنا شهادة متنازع عليها أمام متهم قادر على الرد. لقد مات هيتشكوك عام 1980، وكل ما جاء لاحقًا -رواية هيدرن الأوسع، وإعادة التقييم النقدي لأفلام كانت محصورة في إطار إعجاب تروفو- حدث من دونه.

هذا الاختلال في ميزان الأصوات يستحق أن يُقال، لا أن يُلطَّف: رواية مفصّلة متسقة لامرأة واحدة، لم تُنقض جوهريًا، ودعمتها شهادات متفرقة من أفراد الطاقم عبر السنوات، في مقابل أفلام صنعها رجل لم يعد موجودًا ليردّ عليها.

الأفلام التي حملت توقيعه كانت استثنائية كما قال تروفو وفينشر وديل تورو. وهيتشكوك نفسه -وفق أكمل رواية متوفرة- أقدم على فعل ما تقول هيدرن إنه فعله. لذا يبدو فصل الفن عن الفنان أسهل في الكتابة منه أمام لقطة العِليّة، للمرة العاشرة، حين يدرك القارئ الآن ما الذي كلّفته صناعتها.

هناك خاتمة لهذه القصة، ربما كان هيتشكوك، الذي كان يقرأ المراجعات ويهتم بالتصنيفات أكثر مما اعترف بذلك يومًا، سيقدّر شكلها حتى لو لم يعجبه معناها.

في عام 2012، أطاح «دوار» أخيرًا بـ«المواطن كين» (Citizen Kane, 1941) من صدارة استطلاع «مجلة سايت أند ساوند»، للأفلام الأكثر متابعة في تاريخ النقد السينمائي، منهيًا بذلك نصف قرن من هيمنة أورسون ويلز، وواضعًا في القمة فيلم هيتشكوك الأكثر كشفًا عن ذاته: الفيلم الذي يدور حول حاجة رجل إلى إعادة تشكيل امرأة.

بقي في المركز الأول عقدًا واحدًا. في عام 2022 أسقطه نحو ألف وستمئة ناقد إلى المركز الثاني، لصالح فيلم شانتال أكرمان، «جان ديلمان، 23 شارع دو كوميرس، 1080 بروكسل» (Jeanne Dielman, 23 quai du Commerce, 1080 Bruxelles): ثلاث ساعات ونصف تقريبًا، شبه صامتة، نتابع فيها الروتين المنزلي لأرملة. الفيلم الذي أخرجته امرأة، عن امرأة، يرفض بصبر كل تقنية أمضى هيتشكوك مسيرته لكي يتقنها. لا وجود فيه لتشويق مخطط بإحكام، ولا ميكغفن يستحق أن يُذكر، ولا حتى قنبلة واحدة تحت طاولة. لا شيء غير تيار الزمن الذي يستمر في التدفق في المطبخ، حتى لا يعود يمرّ بالطريقة نفسها.

ربما يكون من المبالغة أن تُقرأ نتيجة استطلاعٍ نقدي كحكمٍ أخلاقيٍّ على هيتشكوك الإنسان. لكن يصعب، بعد مشاهدة الفيلمين في أسبوع واحد، ألا تلاحظ أن الفيلم الذي أطاح أخيرًا بأربعة عقود من هيمنة هيتشكوك على تصورنا لما يجعل الفيلمَ إنجازًا سينمائيًا كان، من الناحية الشكلية، نقيضه تمامًا تقريبًا: امرأة تُوجد على الشاشة، تُترك على راحتها، بإيقاعها هي، من دون أن يصمم أحد حركتها بدلًا منها.

مرّ ديل تورو بجمهوره هذا الصيف، لقطة بلقطة، حتى استقر عند قبضة إنغريد بيرغمان المغلقة على المفتاح المسروق. لم يذكر أحد، في تلك القاعة، المفاتيح الأخرى، تلك التي لم تظهر في أي لقطة، والتي احتفظ بها هيتشكوك لنفسه حتى النهاية. 

تقنيته صامدة، وستصمد ما دام هناك من يدرّس كيفية بناء اللقطة. هيتشكوك نفسه لم يكن حاضرًا، بالطبع؛ لقد مضى على موته ستة وأربعون عامًا. وانطفأت الأضواء في موعدها، كما تنطفئ كل ليلة.

الهوامش:

1. هيمفيل، جيم. "غييرمو ديل تورو يكشف أسرار ألفريد هيتشكوك التي غيّرت طريقته في صنع الأفلام." IndieWire، يونيو 26 2026، رابط
2. ريني، دانييل. "محنة تيبي هيدرن في تصوير مشهد العلية الختامي في الطيور أنتج مشهد تشويق هيتشكوكيًا كلاسيكيًا." Bold Entrance، نوفمبر 16 2023، رابط
3. MacGuffin
4. Pauline Kael, 5001 Nights at the Movies: A Guide from A to Z (Henry Holt, 1991).

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى