برنامج «فينيسيا للوسائط الغامرة» يحتفل بعامه العاشر

September 27, 2026

تصدرت أجهزة الحاسوب القابلة للارتداء - أو ما يُعرف بالنظارات الذكية أو نظارات الواقع الغامر - المشهد في برنامج الوسائط الغامرة لمهرجان فينيسيا السينمائي هذا العام. فقد دأبت شركة جوجل على تكليف صانعي الأفلام بإنتاج أعمال مصنوعة بإتقان عالٍ مثل فيلمي «نيفاتارز» (Nevatars) و«غالاباغوس» (Galapagos: The Last Eden)، اللذين عُرضا لأول مرة في فينيسيا لاستعراض إمكانيات هذه الأجهزة الحديثة.

يُعد فيلم «نيفاتارز» حكاية مألوفة ومستهلكة نوعًا ما عن مراهقة تطمح أن تصبح فنانة، وتصارع الضغوط المعتادة لإنتاج قطعة فنية مثالية. في حين يميل فيلم «غالاباغوس» - الذي تسرد أحداثه النجمة مارغو روبي-  إلى أسلوب وثائقيات (ناشيونال جيوغرافيك) ليروي قصة الطبيعة الخلابة والكائنات التي تستوطن جزر غالاباغوس. إلا أن نظارات جوجل بدت وكأنها شاشة تلفزيون مُلتصقة بالوجه؛ إذ ظلت أجواء المهرجان المزدحمة المحيطة بنا تتسلل باستمرار إلى مجال الرؤية الجانبية، فتقطع أي إحساس بالانغماس الكلي في التجربة. 

وباحتفاله بالذكرى السنوية العاشرة على تأسيسه، أصبح برنامج «فينيسيا للوسائط الغامرة» ملتقىً يجمع كافة أطياف ما يمكن أن يكون عليه التجريب الغامر؛ بداية من المشاريع التجارية والوثائقيات الطبيعية، وصولًا إلى الألعاب والأعمال التي تنغمس كليًا في التجريب الفني لتُعيد بذلك تشكيل فهمنا للفضاء السردي.

وكما توضح ليز روزنثال، التي تشارك المنتج ميشيل رييهاك في تقييم وتنظيم برنامج «فينيسيا للوسائط الغامرة»، فقد اتسع هذا المجال بشكل كبير منذ انطلاق البرنامج عام 2017. فما بدأ كمجموعة من الأعمال الاستكشافية القصيرة للواقع الافتراضي، تحول إلى مشهد واسع من الأشكال المتنوعة؛ إذ تمتد العديد من الأعمال الآن إلى ساعة كاملة، وتُعد خصيصًا للتوزيع، ويقدمها صناع يعاودون المشاركة عامًا بعد آخر مطورين ممارسات مستدامة برفقة فرق عمل متخصصة.

كما أن التقنية نفسها قد تطورت أيضًا، فانتقلت من أجهزة الرأس الثقيلة إلى نظارات أكثر خفة قابلة للارتداء، بل وإلى أشكال لا تتطلب أي أجهزة رأس على الإطلاق، كما هو الحال في «بوي: خفي، غير مسموع» (Bowie: Unseen Unheard)؛ وهي تجربة سمعية وبصرية غامرة تعتمد على الأرشيف الفوتوغرافي الهائل للمصور دينيس أوريجان عن المغني الأسطوري. أو في عمل «في 36,000 طريقة» (In 36,000 Ways)؛ وهو عمل قصير قائم على تقنية اللمس، يحول شظية صاروخية إلى مواجهة مجسدة، حيث تترجم نبضات قلب كل زائر إلى مشهد صوتي ذو ترددات منخفضة.

وبالنسبة لروزنثال، تُظهر مثل هذه الأعمال كيف تتنقل الوسائط الغامرة بسلاسة بين الأنظمة المختلفة. فمن وجهة نظرها، لا يتحدد العمل الغامر بالمعدات بقدر ما يُعرف بالتجربة المكانية الملموسة، سواء كان ذلك عبر الشاشات، أو الصوت المكاني، أو المؤثرات اللمسية، أو العروض التفاعلية الحية. 

يتضمن البرنامج الغامر عدة مشاريع تجارية وأخرى تجريبية للغاية ويأتي ذلك عن قصد، انعكاسًا لفلسفة تمثيل القطاع بأكمله بدلًا من وضع حدود لما يُعد "غامرًا" وما لا يُعد كذلك. وفي جوهر الأمر، تذهب روزنتال إلى أن الفن الغامر يكتسب أهميته من إعادة ربط المشاهدين بأجسادهم في زمن أصبحت فيه الحياة الرقمية تفصل بين الإدراك والتجربة المادية الملموسة.

بيد أن هذا الاتساع يكشف أيضًا عن مدى الجدل المحيط بحقل الوسائط الغامرة، ما يفتح الباب أمام تساؤل أوسع حول وجهة هذا الشكل الفني. وأبرز ما في الأمر هو كيف تؤشر الوسائط الغامرة إلى اتجاهات مستقبلية للسرد، ليس فقط من خلال التطور التقني المستمر، بل أيضًا من خلال التجريب الذي يتجاوز حدود الشكل السردي، وما يحدد معالمه.

ويُعد فيلم «إمبراطورية في البحر» (Empire at Sea) - الذي أخرجه بيتر فلاهيرتي بتكليف من مركز لينكولن في نيويورك-  نموذجًا لافتًا، رغم أنه يتسم بسردية تعليمية بسيطة وسطحية بعض الشيء. يتجمع في هذا العمل من ثمانية إلى عشرة مشاهدين حول طاولة كبيرة تشبه الحوض، يرتدون أجهزة الرأس، ترتفع من سطح الطاولة تجهيزات حجمية (volumetric installation) لتبني عالمًا مصغرًا، يروي قصة علماء عالقين في البحر بعد كارثة مناخية محت ديارهم وحالت دون عودتهم.

يُدعى المشاهدون للتحرك حول الطاولة مع تقدم الأحداث التي تتكشف أحيانًا في وقت متزامن عبر أجزاء مختلفة من السفينة. وبما أن العمل مُصور بأسلوب مصغر، فإنه يميل إلى إبراز طابعه المسرحي، ويغرينا بالاقتراب والتطلع بداخله كما لو كنا نطل على صندوق صغير للعجائب؛ قريب بما يكفي لنتخيل حمله بين أيدينا، حيث تتوهج عوالم صغيرة بالحيوية ويغدو الشعور بالاستكشاف ساحرًا. غير أن ضآلة الحبكة السردية، وصغر حجم الشخصيات، وزاوية التصوير العلوية، تحُول جميعها دون الارتباط العاطفي العميق، مما يُبقى المشاهدين على مسافة تأملية بدلًا من انغماسهم كليًا في صميم القصة.

يُظهر فيلم «إمبراطورية في البحر»، إلى جانب أعمال أخرى ممتعة بصريًا في المهرجان مثل «الصعود الأول» (Everest: The First Ascent) «أمستردام 1652: أيادي المدينة» (Amsterdam 1652: The Hands of the City)، وفيلم «سميثسونيان ستارستراك» (Smithsonian Starstruck)، مدى التطور الذي وصل إليه التجريب البصري والحسي في مجال الوسائط الغامرة، حتى وإن كانت لغة السرد السينمائي لا تزال بحاجة إلى اللحاق بركب هذا التطور. تُسخر هذه الإنتاجات الضخمة كافة ترسانتها من أدوات الواقع الافتراضي؛ فتنقلك تارة إلى قمة جبل مكسوّة بالثلوج كما في «الصعود الأول»، وتارة أخرى تجعلك تحلّق عبر مشاهد كونية شاسعة التقطتها تلسكوبات عملاقة كما في «سميثسونيان ستارستراك» وهو بدوره نسخة مصغّرة من منشأة أكبر بكثير تمتد على مساحة 1500 متر مربع، تعمل بالفعل في واشنطن ولندن، حيث تتعاقب المجموعات على خوض التجربة كل بضع دقائق. 

وكما تلاحظ روزنثال، فإن العوالم متعددة المستخدمين مثل هذه، والتي يدخل فيها عدة أشخاص ويتشاركون معًا نفس الحيز، باتت أكثر قابلية للتطبيق من حيث التوزيع والوصول إلى الجمهور. وتسير أعمال مثل «أمستردام 1652: أيادي المدينة» و«الصعود الأول» على نفس الطريق، بما يُنبئ بمستقبل ستصبح فيه التجربة الغامرة المشتركة نمطًا رئيسيًا للعرض، لا سيما في المشاريع ذات التوجه التجاري.

أما على الجهة المقابلة من عروض مهرجان فينيسيا، كانت هناك أعمال ممتعة جدًا في صورة سينما المؤلف الغامرة؛ مثل «طوق الحمامة» (Pigeon’s Ring)، وهو دراما عائلية بديعة ومؤثرة، تدور داخل منزل مثقل بالذكريات؛ وعملي المفضل على الإطلاق «لا شيء هنا لتراه» (Nothing to See Here)، وهو تجربة واقع ممتد (XR) تتيح لك مشاهدة نفسك من الأعلى بينما يتسلل غريب افتراضي إلى مجال رؤيتك من الأسفل فيربك التدفق المألوف للعالم؛ وفيلم «بالأمس، ربما» (Yesterday Maybe) وهو تأمل هادئ في الفقد والحزن؛ وفيلم «موتيل الغروب» (Sunset Motel) الذي يقدم حكاية كئيبة تغمرها أضواء النيون عن الرغبات التائهة؛ وفيلم «فووووو- بيييي» (Voooooo-Peeeeee) وهو تأمل سريالي في الغياب الجسدي والإدراك التقني؛ وأخيرًا «فتيان العسل» (Honeyboys) الذي يقدم نقدًا لاذعًا لحياتنا الغارقة في الاستهلاك المفرط والجشع. وهذه هي أيضًا الأعمال التي يقل احتمال عرضها خارج نطاق المهرجانات ومساحات العرض المتخصصة، وإن كان عددها آخذًا في التزايد.

تتجلّى أحداث «فووووو- بيييي» في صورة انجراف حسي متعدد الأبعاد عبر جسد أُعيد بناؤه على شكل بيانات. عندما تكتشف امرأة أنها أصبحت جوفاء؛ بعد أن تُرجِم جسدها المادي إلى معلومات، فيتسرب الهواء برفق من داخلها. وفي ذلك الفراغ، يستقر كائن غريب يبدأ في التنفس، ومع كل شهيق وزفير تتم إعادة أصداء الضغط المتزايد للعالم الافتراضي الذي يغمر المشاهد. يخلق العمل مقاربة بين التجارب الجسدية التي عفا عليها الزمن وأجسادنا التي لم تعد سوى نقاط وفراغات بيانية.

واجهة التحكم اليدوية التي تشبه الضفدع تضفي نوعًا من الاغتراب اللطيف، إذ تدفع المشاهد إلى التحرك بطرق غير مألوفة، بينما يمنحه الضوء الحجمي المنبعث عبر إيماءات اليد إحساسًا وكأنه يلمس سطوع الضوء نفسه. نرتدي أثناء المشاهدة بدلة قابلة للنفخ بالهواء، مصنوعة من قماش شفاف يحاكي جلد الضفدع، إذ تتنفس في تلامس مباشر مع جسدنا. وبينما كنت أخوض دورات الضغط والاسترخاء التي تمارسها البدلة على جسدي، شعرت بها تتحول إلى نقطة التقاء بين الإحساس والحكاية. ولذا قد ترغب التقنية في أن تتوارى، لكن الجسد يرفض ذلك، وهذه البدلة تجعل الرفض شيئًا ملموسًا.

وفي فيلم «فتيان العسل»، يواصل المخرج الهولندي تيبور دي يونغ اهتماماته التي طرحها في عمله السابق للواقع الافتراضي البانورامي بعنوان «ثمانية مليارات ذات» (Eight Billion Selves) ليعود مجددًا إلى ظاهرة التبديد، والاستهلاك المفرط. ينبع هذا العمل من منظومة مغلقة لفتيان التوصيل عاصرها المخرج لأول مرة خلال جائحة كوفيد، حيث كان المؤثرون يبيعون البضائع بينما يجوب الشباب الطرقات الخالية على دراجاتهم لتوصيلها، اقتصادٌ مصغرٌ أصبح النواةَ لقصة متكررة عن الولادة والموت والاستهلاك.

يميل العمل إلى الأسلوب الغرائبي والمواجهة، رافضًا الجماليات السائدة. ويقف في قلبه "فتى العسل"، وهو شخصية مركبة يستحضر فيها دي يونغ نفسه رمزًا للذكورة الهشة، صُممت الشخصية لتجنُّب الرمزية السهلة، إذ تحث المشاهدين بدلًا من ذلك على التفكير في تواطئهم الشخصي. وتصبح التعددية أداة هيكلية؛ إذ تتكرر الشخصيات عبر العوالم وكأنها نظام خلية نحل بدلًا من كونها شخصيات فردية، مما يؤكد على إصرار دي يونج على أننا لسنا ذواتًا فريدة، وإنما مشاركون في الدورات نفسها من الرغبة والإفراط.

أثارَ فيلم «أوكتوبوكاليبس» (Octopocalypse) للمخرجين ماكس ساكر وأريتي زادكوفسكي، المولَّد كليًا بالذكاء الاصطناعي، وترًا حساسًا في المهرجان، معيدًا إلى الواجهة السؤال حول ما يعنيه إبداع عمل بصور وممثلين ولّدهم الذكاء الاصطناعي. يأتي العمل في قالب قصة خفيفة عن وصول كائنات فضائية، أقرب إلى أفلام الدرجة الثانية الطريفة. يضع «أوكتوبوكاليبس» ثلاثة مشاركين في غرفة تحقيق بعد وقوع الحدث الكارثي، في مواجهة أخطبوط ذكي هش يتحلى ببصيرة تنبؤية، يحاول التواصل معهم عبر الموسيقى واللمس ورؤى متقطعة. تصغي المجموعة وتضغط على الأزرار، فتبدو أفعالهم وكأنها تصوغ مسار اللقاء، لكنها في الغالب تنجرف كإيماءات عابرة بعيدة عن كونها قرارات حقيقية. يكمن الثقل الحقيقي في المفترق الأخير فقط للحكاية: هل تفلت البطلة من محاولة الحكومة لتجنِيدها، أم تنضم إلى المنظومة لتشكيل المستقبل عبر السلطة المؤسسية؟، فيتحول الأمر إلى خيار بين الثقة في طريق متمرد أشبه بروبن هود، أو الإيمان بأن التغيير يمكن هندسته عبر آلة الحوكمة. 

وفي حين وجد بعض زوار المهرجان أن هذا العمل قد بلغ من الإتقان حدًا جعله يبدو مصطنعًا، اعترف آخرون بأنهم ما كانوا ليدركوا أنه من إنتاج الذكاء الاصطناعي لولا إخبارهم بذلك مسبقًا. وأصبح هذا الانقسام في ردود الفعل جزءًا من النقاش؛ إذ أثار «أوكتوبوكاليبس» جدلًا واضحًا حول الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في الإنتاج، لاسيما المخاوف المرتبطة بالتأليف، وحقوق الملكية الفكرية، والتهديد المتزايد الذي يشعر به الممثلون مع بلوغ التمثيل المولد بالذكاء الاصطناعي إلى مستويات مبهرة وغير مألوفة من الإتقان.

حضرت القصص المتعلقة بالمناخ في عدة أعمال بالمهرجان، بما في ذلك «سولواتا» (Solwata) وفيلم «إمبراطورية في البحر» المذكور سابقًا، لكن المحاولة الأكثر طموحًا جاءت من فيلم «من رماد الحرائق» (Out of the Ashes) للمخرجين نوني دي لا بينا وروري ميتشل. يستعين العمل بتقنية التخليق الحجمي (Gaussian splatting) لإعادة بناء المنازل التي دمرتها حرائق لوس أنجلوس في يناير 2025، فيعيد الناس بصريًا إلى المنازل التي فقدوها. تظهر المطابخ والممرات وزوايا البيت الصغيرة بوضوح مذهل، تاركةً المشاهدين يتجولون في مناطق ألتادينا وباليسيدز وكأن الذاكرة نفسها استعادت ملمسها من جديد. المشاهد السبعة، المؤطرة بخريطة تفاعلية وافتتاحية سينمائية هادئة، تجعل جغرافية الحرائق تبدو حميمية بدلًا من كونها مجرد أرقام مجردة، وهي طريقة لاحتضان الحزن دون استعراض. ويحمل فيلم «سولواتا» - الذي يركز على اللاجئين بسبب المناخ في جزر سليمان - رقة مماثلة؛ إذ يتعامل مع النزوح والتهجير كحالة معيشية مستمرة.

وإلى جانب «إمبراطورية في البحر»، تُظهر الأعمال الثلاثة معًا كيف يمكن للوسائط الغامرة خلق مساحات تصبح فيها تجربة المناخ تجربة قابلة للمشاركة، حيث يُقابل قلة الاهتمام بها بدعوة صريحة لاتخاذ إجراءات ملموسة. كما أنها تكشف عن سؤال أعمق يتردد صداه في المهرجان: ما الذي يعنيه حقًا أن نتشارك التجربة الشعورية مع الآخرين داخل هذه العوالم المصنوعة؟

في الجلسات الحوارية والمحادثات الودية أثناء احتساء القهوة، سمعت كثيرًا أن الواقع الافتراضي هو "آلة للتعاطف". لكن التعاطف ليس مضمونًا أبدًا، فالحضور فيه يكون جزئيًا، والأجهزة لا تختفي تمامًا أبدًا، وإذا كانت القصة ضعيفة أو رديئة السرد، فلا يمكن للتقنية الغامرة أن تجعل الشعور حقيقيًا. صحيح أن السرد الغامر للقصص قادر على تفتيح آفاقنا، ولكنه قادر أيضًا على توجيهنا، بل حتى التلاعب بنا؛ فقوته يمكن أن تُستخدم بعناية أو بسخرية واستغلال. وما تنجح فيه أعمال مثل «من رماد الحرائق» و«سولواتا»، وأعمال أخرى كثيرة في برنامج المهرجان، هو أنها تتحدّانا لنتعامل مع التعاطف بقدر من المسؤولية الأخلاقية، وليس بوصفه أثرًا تلقائيًا.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى