«القصص».. التاريخ للكبار والقصص لنا

July 8, 2026

ثمة سؤال يطرحه أبو بكر شوقي على نفسه قبل أن يطرحه على المشاهد، سؤال يمكن الإمساك به من تصريح واحد أدلى به في إحدى مقابلاته حين بدأ كتابة «القصص»: لقد كانت القصة حقيقية! قصة والده المصري ووالدته النمساوية، رسائل ورقية وحبٌّ نشأ عبر قارتين في سبعينيات القرن الماضي. لكنه كلما أعاد الكتابة، ابتعدت القصة عن واقعها وتمدّدت نحو شيء آخر. ليس خيالًا بالمعنى الاصطلاحي، وإنما شيء أقرب إلى ما قاله بورخيس حين كتب أن الذاكرة ليست تسجيلًا بل اختراعًا متواصلًا. وصل شوقي في النهاية إلى فيلم وصفه بأنه أقرب إلى الأسطورة منه إلى الحدث الحقيقي. وهو وصف يستحق أن نقف عنده طويلاً، لأنه يكشف أن «القصص» فيلمٌ لا يراد منه أن يكون توثيقًا ولا سيرةً ذاتية ولا حتى ملحمة تاريخية، وإنما شيئًا أصعب وأكثر هشاشة؛ أن يكون محاولة لفهم كيف تتحوّل الأشياء التي عشناها إلى القصص التي نرويها عنها، وكيف أن هذا التحوّل هو الطريقة الوحيدة التي يصمد بها الإنسان في مواجهة الزمن وليس خسارة للحقيقة. فنحن لا نتذكر ما جرى، لكننا نتذكر ما آلت إليه روايتنا لما جرى بعد سنوات من إعادة الحكي.

أفكّر في هذا وأنا أكتب عن الفيلم. لأن ما يفعله شوقي بقصة والديه، هو ما نفعله جميعًا بما عشناه حين نحاول منحه معنى ما، إذ قد نضيف، ونحذف، ونُبالغ في بعض اللحظات، ونطوي صفحات أخرى، حتى تصبح الحكاية أكثر اتساقًا من الواقع، وأكثر قسوةً منه، وأكثر جمالًا أيضًا. الفيلم ليس عن مصر في الستينيات والسبعينيات، وليس عن حبّ بين ثقافتين، ولا عن حلم عازف بيانو في مجتمع لا يحب الأحلام وإن كان كل ذلك حاضرًا فيه. «القصص» في جوهره سؤال سينمائي وفلسفي لم يكف عن مراودتي بعد انتهاء العرض: «ماذا يبقى حين تنتهي القصة؟ ومن يملك حق روايتها؟».

يبدأ الفيلم في صيف 1967، وليس هذا من باب الصدفة أبدًا أن تكون البداية من عام النكسة. لكن شوقي لم يقدمها من بابها المباشر، واختار أن يدخل من شقة ضيقة، ومن شخصية أحمد الشاب الذي يحلم بأن يكون عازف بيانو، ومن إعلان صغير في مجلة يبحث من خلاله عن صديق للمراسلة. تقع الحرب خلف الجدران، والحياة تسير داخلها بمنطقها الخاص من جدال عائلي، وتشجيع كرة القدم، وحب الموسيقى.

وأنا أشاهد تلك اللحظة لا أستطيع إلا أن أفكّر في كيف عاش المصريون يونيو 1967 فعلًا. ليس كحدث تاريخي مكتمل يُدرَّس في الكتب المدرسية، ولكن كصدمة مفاجئة في نسيج حياة عادية. شوقي يفهم هذا؛ يفهم أن الناس لا يعيشون التاريخ كأحداث كبرى تملأ الكادر، لكنه يتسرب إليهم تدريجيًا حتى يغيّر لون الهواء الذي يتنفسونه دون أن يلحظوا بالضبط متى حدث ذلك. والشخصية الحقيقية في القصص ليست "أحمد" ولا "ليز"  لكنها الزمن نفسه، وطريقته في أن يكون حاضرًا وغائبًا في اللحظة ذاتها.

لا أظن أنه حين كتب شوقي عن والديه كتب عنهما حقًا؛ وإنما عن الصورة التي تشكلت في ذهنه عبر سنوات من الاستماع. فالفيلم يتخطى عتبة الذاكرة الشخصية ويصبح أثرها في خيال حاملها. وهذه مسافة فلسفية دقيقة ربما برزت في حديث المخرج عن العمل أكثر مما برزت على الشاشة. وتلك المسافة بالتحديد وبشكل خاص هي ما أعطت للقصص روحًا جعلت البناء والتنقل بين المراحل المختلفة شديد التماسك رغم اتساعه، ووضعت جسد القاهرة الضخم في شقة صغيرة وميدان. حتى في مشاهد ڤيينا لم أشعر قط أنني غادرت القاهرة، الأمر لا يتعلق بوجود أحمد أو منافسه شمس ولكن بشيء آخر، وكأن المصري في تلك الفترة لم يكن يحمل شخصه وأحلامه فقط في الخارج، لكنه أيضًا وربما عن غير عمد يحمل معه وطنه بكل تعقيداته وتفاصيله. 

يتحدث شوقي في مقابلاته عن الرسائل بوصفها المادة الخام للفيلم، ولهذا دلالة تتجاوز السيرة الذاتية. فالرسالة بصفتها شكلًا من أشكال التواصل تعد النقيض التام للصورة السينمائية. إذ أن الصورة فورية، وحاضرة، وقادرة على فرض نفسها. أما الرسالة فهي بطيئة، مؤجلة، تحتاج إلى استجابة، وتحمل في طياتها الغياب بقدر ما تحمل الحضور، فأنت تكتب إلى شخص لن يقرأ ما كتبت قبل أسابيع، وحين يقرأ، ستكون قد تغيّرت. الرسالة في نهاية الأمر وثيقة لشخص لم يعد موجودًا تمامًا.

أحمد وليز يتراسلان عبر قارتين، وعبر عالمين مختلفين اختلافًا جذريًا، تمر مصر بمرحلة تاريخية عاصفة، وتعيش النمسا في حقبة استقرار ما بعد الحرب. وحين يصف أحمد في رسائله شقته الصاخبة وأعمامه وكرة القدم والبيانو، فإن ليز لا تعرف أحمد حقًا، لكنها باﻷحرى تعرف الرواية التي يصنعها عن نفسه لعينيها. وهذا بالضبط ما يفعله الفيلم مع التاريخ، يرويه بدلًا من تقديمه، يتذكره ولا يوثّقه.

من الأشياء التي يسهل أن تُفسد فيلمًا يمتد عبر عقدين ويحمل شخصيات كثيرة ويتنقل بين طبقات تاريخية متراكمة كهذا، هو أن يتحول الرمز إلى خطاب، وتشعر  أن المخرج يشير بإصبعه إلى ما يريدك أن تفهمه بدلًا من أن يتركك تصل إليه. وهذه معضلة حقيقية حين تكون مادتك بهذا الثقل، فمصر خلال الفترة من 1967 إلى 1984، مرت بحروب وهزائم وانفتاح اقتصادي وتحولات في الهوية والطبقية والحلم. كل هذا يدعوك إلى التلخيص، إلى الإشارة الكبيرة، إلى الرمزية الصاخبة التي تقول للمشاهد: انتبه، هذا يعني شيئًا، لكن يرفض المخرج تلك الدعوة في معظم الفيلم. 

إن تمثال البطلة حاملة العلم المصري أمام البناية الذي يتآكل ببطء عبر سنوات الفيلم، ويتشقق ويتفتت حتى لا يبقى منه سوى القاعدة، لا يأتي مصحوبًا بموسيقى تصويرية تنبّهك إلى دلالته، ولا بلقطات تجبرك على قراءته. لكنه موجود في الخلفية، كجزء من ديكور الحياة اليومية. تراه حين تراه. وهذا بالضبط ما يجعله يعمل، لا يُقرأ التمثال كرمز لأن المخرج قرر ذلك، ولكن لأن الزمن الذي يعيش فيه أحمد وعائلته هو نفسه الزمن الذي يأكل التمثال. الرمز والحياة يتآكلان معًا في الكادر ذاته. 

وهذا الفرق جوهري، لأن الرمزية المزعجة في السينما هي التي تعيش خارج العالم الذي يصنعه الفيلم. وتُستدعى من خارج الحكاية لتقول ما يعجز السرد عن قوله. أما الرمزية الضرورية فهي التي تنبع من داخل المنطق الحياتي للشخصيات، حتى تبدو طبيعية كأنها لم تُصنع. وحين يكون فيلمك متنقلا عبر أكثر من مرحلة اجتماعية وسياسية، مثل أفول الناصرية، والسادات والانفتاح وما جاء بعده من تحولات في طريقة لبس الناس وكلامهم وحلمهم. لا يمكنك أن تقول كل هذا بشكل صريح دون أن تتحول إلى كتاب مدرسي. لذلك الرمز هنا ليس اختيارًا جماليًا ترفيًا، بل هو الأداة الوحيدة التي تتيح للمخرج أن يضغط عقدين كاملين من التحول في مشهد واحد، دون أن يفقد المشاهد الخيط الذي يصل بينه وبين الشخصية.

يعمل فريق الزمالك أيضًا وفق هذا المنطق في أحداث الفيلم. فهو لم يكن اختيارًا عشوائيًا، ولكن اختاره المخرج لما له من ثقل رمزي حقيقي موجود في الوعي المصري قبل الفيلم وبعده، ويكفي أن تضعه في السياق الصحيح حتى يتكلم من تلقاء نفسه،  فالشجرة لا تصنع رمزًا، لكن الرياح التي تمر بها. وشوقي يعرف أين يضع الشجرة.

وفي سياق الحديث عن الزمالك وحضوره الدائم في العمل، فإني أجده أمرًا مدهشًا بالنسبة لي، فأنا الابن الأكبر لوالد متعصب لفريق الزمالك، وعائلة تشاركت الحب والهوس بهذا النادي كما كان في العمل، إلا أنني "أهلاوي"، وهذه حقيقة لا أعتذر عنها ولا أتبرأ منها، وإن كانت تجعل ما سأقوله بعدها أكثر غرابة، لكن حين انتهى الفيلم وربما لأسبوع بعد مشاهدتي، ظللت أفكر في الزمالك.

ليس تحولًا في انتمائي، ولا لأن المخرج أقنعني بشيء لم أكن مقتنعًا به. بل لأن الزمالك في الفيلم لم يكن الزمالك الذي أعرفه من زاوية المنافسة، كان شيئًا آخر تمامًا. كانت الطريقة التي تحب بها عائلة شيئًا لا يكافئها، وتعود إليه رغم ذلك، وتصنع حوله طقوسًا وهمية كأنها لو جلست في المكان الصحيح ولبست القميص الصحيح فربما هذه المرة يحقق الفوز. وهذا بمعزل عن أي انتماء، شيء يفهمه كل من أحب شيئًا أكبر منه.

والدي زمالكاوي. وليس زمالكاويًا بالمعنى الهادئ، وإنما بالمعنى الذي يجعل نتيجة مباراة تحدد مزاج البيت كله حتى اليوم التالي. نشأت على هذا، وعلى المقاومة الأهلاوية الصامتة لكل ذلك، وعلى شيء غريب لا أعرف تسميته لكنه كان نوع من الحب لعائلة متعصبة لفريق لا أحبه. حين ظهر الزمالك في الفيلم بذلك الحضور الذي يشبه حضوره في بيتنا، تحديدًا في الصراخ، والطقوس، والأمل المعاد تدويره، اتصلت بوالدي بعد العرض في وقت متأخر من الليل، وسألته عن تلك الحقبة وتلك البطولة بالتحديد وعن عودة الزمالك التاريخية في القاهرة بعد خسارة في الجزائر ليصل إلى نهائي بطولة أفريقيا للأندية ويحققها للمرة الأولى في تاريخه. 

وحينها اقتنعت أن أبو بكر شوقي لم يختر ناديًا كرويًا فحسب بل اختار فكرة الانتظار. اختار الناس الذين يحتاجون إلى انتصار في أي شيء لأن التاريخ الكبير لم يكن في صفّهم. والبطولة الأفريقية 1984، نهاية الحقبة الزمنية التي يغطيها الفيلم، ليست مصادفة، وإنما كانت اللحظة التي يُسمح فيها للأمل بأن يصل، ولو لمرة واحدة، ولو عبر ملعب.

وأحبّ المخرج هنا لأنه لا يسخر، فهو نفسه ابن هذا العالم، ويعرف أن التعصب الكروي وخاصة تعصب الزمالكاوية ليس غياب عقل، وإنما شكلًا من أشكال الحب غير المشروط في مجتمع قلّما يجد فيه الإنسان شيئًا يحبّه دون شرط. أن تحب الزمالك يعني أن تقبل الخسارة مسبقًا وتشجعه رغم ذلك. وهذا في حد ذاته موقف فلسفي يستحق الاحترام. بل وفي سياق الفيلم أيضًا كان يمثل رغبة دائمة في الوجود مثل رغبة أحمد وحلمه بالعزف في ڤيينا، ليس لأنه حلم رومانسيٌّ فحسب، وإنما للوجود والعيش خارج ما أتاحه القدر. 

بعد النكسة، أُغلقت أبواب كثيرة. لم تكن الهزيمة العسكرية هزيمة ميدان فقط. كانت هزيمة خطاب، هزيمة الوعد الكبير بأن يصبح العربي إنسانًا في مواجهة التاريخ وليس ضحيته. وحين تنهار الأيديولوجيا الكبرى، يتراجع الناس إلى أحلامهم الصغيرة والشخصية جدًا. أحمد يريد فيينا،  لا العروبة ولا الاشتراكية ولا الوحدة، يريد أن يعزف على بيانو في قاعة أوروبية ويسمع التصفيق.

قرأت عند بعض النقاد الغربيين أن الفيلم لا يمنح الموسيقى ثقلها الدرامي الكافي. وربما تلك ملاحظة صحيحة من منظور الحبكة، لكن يمكن قراءتها بطريقة مختلفة، ربما لأن الموسيقى في الفيلم ليست هدفًا وجدانيًا بقدر ما هي كلمة سرّ أو عنوان لشيء أكبر من أصواتها، مثل الرغبة في الانتماء إلى عالم آخر، في أن تكون شخصًا مختلفًا عن الذي رسمته لك ظروف الميلاد.

والتاريخ في القصص يعمل كما تعمل الجاذبية تمامًا. لا تراه، لكنه يشدّك إلى الأسفل كلما حاولت الصعود. من حروب، واغتيالات، وانقلابات، وتحوّلات اقتصادية. كل هذا لا يدخل إلى الفيلم مباشرةً، بل يتسرب من شقوق الجدران، يظهر في نبرة محادثة، في قرار فجائي، في باب يُغلق. وهذا يجعلني أفكّر في أن ما فعله شوقي، بصرف النظر عن القيود الإنتاجية، هو اختيار جمالي حقيقي. لإن اﻷسر المصرية في تلك الحقبة لم تعش اﻷحداث كحدث كبير مركزي، بل عاشتها كضغط مستمر خفيّ على أجساد صغيرة تحاول أن تأكل وتنام وتحب وتحلم.

«القصص» فيلم يتميز ببنية شبيهة بأسلوب الحكي الشفهي أكثر مما تشبه السرد الكلاسيكي. تعددية الشخصيات وتشابك مساراتها وخفة نبرته وسرعة تنقّله، كل هذا يحاكي طريقة الأسرة حين تحكي بلا بداية صارمة ولا نهاية مكتملة، بانتقالات مفاجئة وعواطف مبالغة وضحك يقاطع الحزن.

ما أحببته في العمل وربما ما سيجعله من أفلامي المفضلة لوقت طويل جدًا هو استمتاعي بما وراء الصورة الكاملة قبل تنفيذها ومشاهدتها في صالة العرض متخيلًا التعقيد الكتابي؛ أعني أنه حين تكون القصة قصتك، ربما يصعب أن ترى أكثر مما يتيحه لك الحب. تحافظ على بعض الأشياء دون أن تعلم أنك تحافظ عليها. أن تكتب عمّن تحب يعني أنك لن تراه بعيون كاملة أبدًا. وأتساءل هل كان «القصص» أكثر جرأة لو لم يكن عن والدَيه؟ أم أن هذه الحميمية بالذات هي ما يمنحه دفءًا حقيقيًا؟ لا أعرف الإجابة، وأظن أن شوقي نفسه لا يعرفها.

كان يجب أن تكون القصة عائلية في المقام الأول قبل أن تكون تاريخية، ولهذا غابت القاهرة، غابت كغياب أُعيد توظيفه بشكل مثالي من خلال شقة صغيرة مضيئة مليئة بالأشخاص والأصوات، لم يبد اﻷمر أبدًا وكأنه حصار أو ضيق بل شيء أقرب إلى الاكتفاء. 

يبدأ الفيلم وينتهي كما في موسيقى المارشات، فهي تبدأ بمقدمة قصيرة ثم لحن رئيسي يتكرر، يتبعه  بجزء يسمى trio، وهو عادة ما يكون أكثر هدوءًا وعاطفية، ثم تعود الموسيقى إلى القوة في النهاية. فيلم «القصص» عن الأسطرة. عن الفعل الإنساني الأصيل المتمثّل في أخذ ما عشناه وتحويله إلى حكاية تتجاوزه. ليس لأن الحقيقة ليست كافية، بل لأنها وحدها لا تصمد أمام الزمن. الأسطورة هي التي تصمد، والحكي هو الشكل الذي يمنح الأشياء ثباتًا أكبر مما تملكه في ذاتها.

أبو بكر شوقي يروي قصة والديه، لكنه يروي أيضًا شيئًا أعمق، كيف أن الطريقة التي نروي بها الحب تكشف عن طريقة فهمنا للتاريخ، وكيف أن الطريقة التي نروي بها التاريخ تكشف عمّا نريد أن نؤمن به عن قدرة الإنسان على الصمود. مصر بين 1967 و1984 كانت حقبة علّمت الناس أن التاريخ الكبير لم يكن  في صفّهم، فلجأوا إلى ما هو في متناولهم: الأسرة، والموسيقى، والرسائل، والزمالك.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى