«مسألة حياة أو موت» أم مسألة إتقان؟ قراءة في فيلم المخرج أنس باطهف

June 28, 2026

يصل «مسألة حياة أو موت» في لحظة تبدو فيها السينما السعودية أكثر استعدادًا لاختبار عوالم تتجاوز الكوميديا الاجتماعية المباشرة والدراما الواقعية المعتادة. فقد بدأ الفيلم، الذي كان من إخراج أنس باطهف وكتابة وبطولة سارة طيبة، إلى جانب يعقوب الفرحان، رحلته بعرضه الأول في مهرجان البحر الأحمر، حيث أثار فضولًا واضحًا منذ ذلك الوقت. وقد شاهدته في قاعات المهرجان، ثم عدت إليه بعد أكثر من ستة أشهر حين عُرض للمرة الأولى في صالات السينما بالتزامن مع عرضه في مهرجان أفلام السعودية في دورته الثانية عشرة. وقد كان من اللافت أن هذه الانطباعات لم تتغير كثيرًا بين العروض جميعها؛ إذ خرج معظم الحضور باتفاق شبه كامل على جودة الصناعة، ودقة التنفيذ، والمتعة البصرية التي يقدمها الفيلم.

هذا الاستقبال لم يكن منفصلًا عن حملته الترويجية التي سبقت طرحه في صالات السينما بنحو شهرين. فقد نجحت الحملة في تحقيق ما يسعى إليه أي فيلم قبل صدور الأحكام النقدية: أن يصنع حديثه الشفهي، أو ما يعرف بـ Word of Mouth، وأن يدفع الجمهور إلى مشاهدة الفيلم بدافع الفضول قبل أي شيء آخر. لكن ما يمنح «مسألة حياة أو موت» خصوصيته حقًا، هو ذلك العالم الذي يبنيه؛ عالم يطلب من المتفرج أن يقبل قوانينه أولًا، ثم يحاكمه من داخلها.

قوانين اللعبة

لم يكن السؤال الذي يفرضه «مسألة حياة أو موت»، منذ مشاهده الأولى: هل تشبه هذه الأجواء جدة التي نعرفها؟ وإنما: ما القواعد التي يحكم بها هذا العالم نفسه؟ فكثير من الاعتراضات التي وُجهت إلى الفيلم انطلقت من مقارنته بالواقع؛ فالشخصيات تبدو أكثر اندفاعًا من المعتاد، وردود فعل المجتمع أكثر برودًا مما نألفه، والأحداث تمضي وكأنها معفاة من القيود اليومية. ويبرر الفيلم ذلك منذ البداية بصيغته «الملسوعة» بصريًا وسرديًا، وأنه يقف على أعتاب بناء واقع آخر تمامًا.

لذا تتشكل جدة داخل «مسألة حياة أو موت» من ألوان مشبعة، وتكوينات حادة، وإضاءة قلقة، وكلها، تنقل المدينة من كونها مكانًا جغرافيًا إلى حالة نفسية خاصة. إنها "جدة" مختلفة تماما عما نعرفه، يمر فيها كل شيء عبر احتدام مشاعر الشخصيات وخوفها ورغباتها. وعندما يقبل المتفرج هذا التعاقد، يتغير السؤال النقدي كله؛ فلا يعود المعيار هو احتمال وقوع الحدث في الحياة اليومية، وإنما مدى التزام الفيلم بمنطقه الداخلي، فيغدو السؤال الأهم: كيف بنى الفيلم المنطق الخاص به أساسًا؟

إن هذا المنطق لا يولد من فراغ، وإنما يمتد من الأعمال السابقة التي جمعت سارة طيبة وأنس باطهف. فقد ظهرت البذور الأولى لهذا العالم في فيلم «جميل جدًا»؛ من خلال رومانسية تبدأ من الارتباك، والمبالغة، والشخصيات التي تتحرك على حافة المألوف. أما «مسألة حياة أو موت» فيوسع هذه الفكرة بدل أن يكررها. "حياة" هي امتداد لـ"جميل"، لكنها متحررة من قيود التلفاز، و"يوسف" ليس إلا نسخة أكثر نضجًا من "نور"، شخصيتان تسمحان لصنّاع الفيلم، وللفيلم نفسه، الذهابَ إلى مدى أبعد في اختبار علاقة مساكنة مستحدثة على ما اعتاده المشاهد.

غرابة محسوبة

تبدأ غرابة هذا العالم من "حياة"، فشعرها الأحمر الصارخ، وإيمانها باللعنة، وخضوعها لتأثير عمّتيها، "راوية" و"نفسية"، جميعها تفاصيلُ أضيفت لتمنح الشخصية قواعد تحكم سلوكها وتفسر قراراتها. ويغدو التنجيم والتاروت وخزعبلات الطاقة الغيبية، داخل هذا البيت، أكثر ألفة من الإفطار في صالة المنزل. إنهم يعيشون داخل أنفسهم، وما يبدو غير منطقي خارج الفيلم يصبح طبيعيًا بمجرد قبول شروطه، ولا سيما عندما نشاهد ذواتهم منعكسة عبر سينوغرافيا الفيلم، بعد أن صارت امتدادًا لها.

هذه الجدية في بسط عناصر ورغبات الشخصيات هي ما يصنع عامل الكوميديا الأول، إذ جاء بناء الدعابات عبر التعامل مع أكثر الأفكار غرابة باعتبارها حقائق لا تحتاج إلى تفسير. وكلما ازداد العالم اقتناعًا بنفسه، ازدادت "كوميديا الصدمة" حدة. فيضحك المتفرج لأنه يرى شخصيات تتصرف بمنطق كامل داخل واقع مختل.

وتنبع غرابة الشخصيات من تصرفاتها ومن الطريقة التي كُتبت بها. فمنذ أعمالها السابقة، تميل سارة طيبة إلى دفع شخصياتها خطوة إضافية خارج السلوك المتوقع؛ فتاة أكثر اندفاعًا، ورجل أكثر انغلاقًا، وعواطف تصل سريعًا إلى أقصى درجاتها. هذا الميل إلى بلوغ تخوم الأشياء حاضر هنا أيضًا، لكنه يبدو أكثر انضباطًا، إذ أصبحت المبالغة جزءًا لا يتجزأ من تصميم هذا العالم. لذلك لا تبدو "حياة" غريبة لأنها مختلفة عن النساء من حولها، ولا يبدو "يوسف" غريبًا لأنه طبيب يحمل رغبة معتمة، وإنما لأن الفيلم يحتاج إلى شخصيتين تعيشان على الحافة حتى تُختبر العلاقة بين الحب والموت، وحتى يأخذ اسم الفيلم، «مسألة حياة أو موت»، ثقله الدرامي ودلالاته العميقة.

محاكاة أرسطو: استطيقا العالم القصصي

لا تبدو الواقعية المعيار الأنسب لقراءة «مسألة حياة أو موت». فالفيلم لا يلزم شخصياته على أن تكون نسخًا من أشخاص يمكن مصادفتهم في الشارع، ولا يسعى إلى تقديم «جدة»، بوصفها مسقط رأس الشخصيات، في صورة متطابقة مع المدينة كما نعرفها، إذ ما يهم هنا هو أن يظل العالم الذي بناه الفيلم متماسكًا منذ الحدث الأول حتى النهاية، مهما بدت الأحداث مكشوفة منذ الربع الأول من زمن الفيلم.

يتجلى ذلك التفسير عند تفكيك أفعال الشخصيات في ضوء بعض مبادئ المحاكاة التي وضعها أرسطو في نظريته، ضمن منهج القصّ المرجعي (فنّ الشعر): وهو بناء أفعال وشخصيات داخل عالم يملك منطقه الخاص، أي شخصيات تهتم بشؤونها الخاصة فحسب. لذلك لا يهم إن كان "يوسف" يمثل صورة واقعية لما يمكن أن يكون عليه ابن جدة، ولا أن تكون "حياة" نفسها صورة لابنة جدة كما يعرفها الجمهور، فالمهم هنا: هل سارت سارة طيبة وفق ما يمليه منطق عالمها؟

وهذا ما ينجح فيه العمل إلى حد بعيد، فـ"حياة" متمردة على الصورة النمطية لسيدة من جدة تبلغ من العمر 29 عام، و"يوسف" يسعى إلى الظهور بمظهر الطبيب المهني، في صورته النمطية، لكن رغبته في العمل من أجل شهوته في التقطيع تنفي ذلك، والعمّتان هما نموذج مرآتي من قوالب متكررة في المجتمع السعودي بتصعيد مكثف.

عندما ترسم الشخصيات صورة للمدينة

ولهذا تبدو جدة في الفيلم، كما صورها باطهف، امتدادًا للحالة النفسية لشخصياته: فصورة الغروب ملازمة للبحر لا تفارقه، والمستشفى يبدو فضاءً باردًا ومملًا، والبيوت تظهر صغيرة ومتراصة على نحو يعزز الشعور بالاختناق. حتى الديكور والمشهد الفني للفيلم يحيلاننا إلى واقع الشخصيات وحالتهم النفسية، فشقة يوسف شديدة التنظيم حد البرودة والملل، بينما تعكس شقة حياة الفوضى والعبث وانفلات النظام، في حين تغرق صالة العمتين، اللتين تطلق عليهما "حياة" اسم ريا وسكينة، في عتمة كثيفة تكاد تخلو من أي بصيص نور.   

وتسير موسيقى فراس أبو فخر في الاتجاه نفسه. فهي لا تبحث عن هوية حجازية واضحة، وذلك انسجامًا مع طبيعة البعد الخيالي المبني على النفوس المبتكرة للفيلم. فنراها تميل إلى الطابع الأوركسترالي عندما يشتد الصراع، وتوظف المقامات، التي تنظم المشاعر، دون الاكتراث للأرباع الشرقية، على عكس تجارب سابقة لأعمال من جدة مثل مسلسل بيت طاهر، ومسلسل جايبة العيد، وكذا فيلم بسمة، التي قامت على آلة القانون، واعتمدت في معظم الأحيان على الأرباع الشرقية في التكوينات الرئيسية لألحانها. 

الوعي بحجم الفيلم

تزداد قوة هذا العالم وسحره لأن الفيلم يعي جيدًا أبعاده السينوغرافية والاجتماعية، فلا يسعى لأن يكون أكبر مما يحتمل. ومع ذلك، كانت هناك فرصة لجعل الفيلم أقصر، عند حدود التسعين دقيقة، دون الإطالة في الصراع الدرامي، خاصة بعد ظهور أول بادرة حب شعر بها "يوسف" تجاه "حياة"، وهي اللحظة التي أصبحت فيها النهاية مكشوفة وقابلة للتوقع.

ويظهر هذا الوعي كذلك في الأداء التمثيلي. حيث تمنح سارة طيبة شخصية "حياة" اندفاعًا يخفي هشاشة مستمرة وكأن الممثلة قد كتبت الشخصية على مقاسها - وهذا ما تبرع فيه سارة- ولم تحاول التماهي والتشكل وفق قالب مرسوم مسبقًا. لقد قدمت جميع الشخصيات، بداية من "يوسف" الذي أدّاه يعقوب الفرحان بلغة تواصل تلائم ملامحه، وصولا إلى "حياة" التي برعت سارة في تجسيدها، وغير ذلك من الشخصيات الثانوية، من خلال أداء ممثلين اعتادوا العمل معًا في «شراكة إبداعية» متصلة، من خلال عدد من الأعمال السابقة. وقد جاء الفريق التقني مكمّلًا لهذه الرؤية بشيء من الاستعراض الفني المتميز؛  فالصورة، والإضاءة، والديكور، والموسيقى، بدت كلها وكأنها تتحرك في الاتجاه نفسه، دون نفور أو نشاز. ولعل ما نجح في إنقاذ الفيلم من أي عاقبة أو تعثر محتمل هو الاتفاق الواضح على الجودة والإتقان، فمهما بدت النتيجة مغايرة ومخالفة للواقع الاجتماعي ولما يتبناه الفريق نفسه من خلفيات، ومهما كان الاقتناع ضئيلا بمحاكاة غرابة النفوس المكتوبة بعناية لشخصيات الفيلم، فإنه قد نجح ببراعة في تحقيق الإبهار المطلوب، من خلال سِحر الصورة والصوت والنص، وما تنطوي عليه كل هذه العناصر من إتقان وبراعة آسرة.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى