«خروف في صندوق»: كيف جمّدت التكنولوجيا قلب كوريدا في فيلمه الجديد؟

في عام 2018، غادرت قاعة سينما في لوس أنجلوس والدموع تُذرف من حولي بعد عرض فيلم «سارقو المتاجر - Shoplifters» للمخرج الياباني الكبير هيروكازو كوريدا. في ذلك العام، انتزع الفيلم السعفة الذهبية بمهرجان كان بجدارة واستحقاق لا شائبة فيهما، فقد قدّم لنا سينما إنسانية دافئة تنبض بالواقعية الشاعرية، وصاغ مفهوم "العائلة البديلة" بعبقرية هزّت الوجدان. لكن كوريدا عاد عام 2026 إلى المسابقة الرسمية في مهرجان كان بفيلم «خروف في صندوق - Sheep in the Box»، ليوجّه إلى جمهوره ومحبيه صفعةَ خيبة أمل مريرة، مؤكدًا أن المخرج الكبير قد ضلّ طريقه في دهاليز الخيال العلمي البارد.

الغياب في جسد آلي

لم يكن خيار كوريدا في الذهاب نحو قصة تتعلق بالذكاء الاصطناعي والأطفال الآليين المصممين تقنيًا أمرًا مستغربًا لكل من يتابع مسيرته بدقة. لطالما كان كوريدا مولعًا بالتكنولوجيا، ولديه وعيٌ حاد بكيفية تأثير تطورها المتسارع وانعكاسه على الحياة اليومية، وعلى السينما بصورة خاصة بوصفها أداة بصرية لرصد هذا التحول. من هذا المنطلق، بدت فكرة الفيلم امتدادًا منطقيًا لاهتماماته، ومحاولة لتفكيك الروابط الأسرية في عصر الآلة والذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر اتصال «خروف في صندوق» بعالم كوريدا على اهتمامه بالتكنولوجيا وتأثيرها في الحياة اليومية، إذ تنتمي حكايته أيضًا إلى انشغال ظلّ يطارد سينماه على امتداد مسيرته: الغياب، وما يتركه الراحلون من فراغ داخل العائلة. فشبح الابن الراحل الذي يخيّم على الأسرة يعيدنا إلى «ما زلت أمشي - Still Walking»، واستبدال طفل بآخر يستحضر «مثل الأب، مثل الابن - Like Father, Like Son»، فيما تلتقي جماعة الأطفال المنبوذين لاحقًا مع العائلات الهشة والبديلة في «لا أحد يعرف - Nobody Knows» و«سارقو المتاجر». لهذا، تبدو حكاية الزوجين أوتوني وكينسوكي، اللذين يستقبلان نسخة آلية من ابنهما كاكيرو بعد عامين على موته، مادةً مثاليةً لكوريدا؛ فهي تجمع الفقد والشعور بالذنب وتعقيدات الأبوة والسؤال عن حق الأحياء في الاحتفاظ بالموتى. كما تستدعي، في بنيتها العامة، فيلم ستيفن سبيلبرغ «الذكاء الاصطناعي - A.I. Artificial Intelligence»، حيث يصبح الطفل المصنّع مرآة تكشف حاجة البشر إلى الحب أكثر مما تكشف قدرته هو على الشعور. إلا أن كوريدا يكتفي بجمع هذه الخيوط من دون أن يمنحها الوقت أو العمق اللازمين.

في الفيلم، يظلّ سبب موت كاكيرو محاطًا بغموض لا يتحول إلى قوة درامية، ويبقى الشرخ الذي أحدثه رحيله بين والديه أقربَ إلى معلومة في خلفية الأحداث منه إلى جرح يتفتّح أمامنا. حتى عِداء الأب للروبوت يُحل بسرعة شديدة حين يكتشف أن النسخة الآلية تحفظ محطات خط قطار «إينودن» كما كان يفعل الابن الحقيقي، فتقفز العلاقة من الريبة إلى الألفة قبل أن تختبر الأسئلة الأخلاقية والعاطفية التي يثيرها وجوده. أما أفراد العائلة الآخرون، فيتقبلون عودة كاكيرو بسهولة تكاد تلغي الصدمة التي يُفترض أن تصاحب رؤية ميت يعود في جسد صناعي. وهنا يستبدل الفيلم الملاحظة الهادئة التي ميّزت سينما كوريدا بحوارات تشرح أفكاره مباشرة؛ فتطرح الشخصيات أسئلة ثقيلة من قبيل: "لمن ينتمي الموتى؟"، من دون أن تغيّر هذه الأسئلة مسار العلاقات أو تكشف طبقات جديدة فيها.

الفيلم، الذي صُوّر في كوريا الجنوبية بوصفه إنتاجًا مشتركًا، عانى تشتتًا مرعبًا وفقدانًا تامًا للهوية. وبدلًا من استغلال البيئة الكورية لتقديم قصة تلامس القلب، كما فعل جزئيًا في فيلمه السابق «سمسار - Broker» عام 2022، بدا الفيلم هجينًا وضائعًا بين بيئته الكورية وروحه الشاعرية اليابانية المفقودة، وغارقًا في التنظير الفكري على حساب نبض الحياة. تبدو جميع المكونات حاضرة فيه، لكنه يظلّ عالقًا في مقدماته، وكأنه يمهّد باستمرار لمواجهة درامية لا تبدأ إلا بعد أن يكون أثرها قد تبدد.

المشكلة الحقيقية في فيلم «خروف في صندوق» تكمن في بناء الأحداث وصياغتها دراميًا، إذ اعتمد كوريدا هيكلة سردية مجزأة، متتبعًا تحقيقًا حول لغز غامض، لكن الإيقاع جاء رتيبًا ومملًا على مدار أكثر من ساعتين. وتتجسد أكبر سقطات الفيلم في الخلل الواضح في بناء مشاعر الأسرة تجاه ابنها الروبوتي. فحاجة العائلة إلى هذا الطفل الآلي وارتباطها به لا يظهران بصورة واضحة أو مقنعة عاطفيًا للمشاهد؛ إذ عجز النص عن خلق الرابط الوجداني الذي يجعلنا نصدّق مأزقهم أو نتفاعل معه، فبدت العلاقة جافة وباردة ومثقلة بالأفكار النظرية من دون أن تلامس شغاف القلب. إذ يختار كوريدا وضع هذه الحكاية القاتمة في كاماكورا صيفية تغمرها الشمس، ويرفقها بموسيقى تعتمد على آلات النفخ ذات النبرة المتفائلة، فينشأ تعارض لافت بين الصورة المشرقة والصدمة التي يُفترض أن تتفجر داخل الأسرة. قد يبدو هذا التناقض محاولة لتجنب الميلودراما المباشرة، لكنه ينتهي إلى تسطيح الحزن وخنق التوتر الكامن في القصة.

مع بداية الفيلم، يكون قد مضى عامان على موت كاكيرو، ويبدو أن أوتوني وكينسوكي قطعا شوطًا معقولًا في التعايش مع غيابه؛ تمضي هي في تصميم منزل جديد يمزج الخشب بالزجاج، ويستعيد هو شيئًا من حياته الاجتماعية بالذهاب لحضور مباريات البيسبول مع أصدقائه. كان الفقد قد وجد مكانًا ومستقرًا داخل حياتهما، فيما يأتي الروبوت ليزعزع هذا الاستقرار ويجبرهما على اختبار الحداد من جديد. لكن المعالجة البصرية والموسيقية تتعامل مع عودته كحدث منزلي وديع، فتخفف وقع اللحظات التي كان يمكن أن تكشف اضطرابهما النفسي.

وتزداد أهمية هذا الاختيار لأن كاكيرو الآلي نفسه صُمم بوصفه ذاكرة مرئية أكثر من كونه ابنًا بديلًا: لا يأكل أو يستحم، ولا يكبر أو يغضب، ويتوقف نظامه تلقائيًا إذا ابتعد أكثر من ثلاثين مترًا عن أحد والديه. تضع هذه القيود الأسرة أمام كائن يستطيع اجترار مشاهد من الماضي، لكنه عاجز عن المشاركة في صنع أي مستقبل حقيقي معهما.

ومع ذلك، يلتقط الفيلم فكرة أكثر ثراءً حين تستخدم أوتوني النسخة الآلية لمواجهة مشاعر قديمة تجاه أمها؛ ففي تلك اللحظة، يتحول الروبوت من وعاء تُحفظ فيه ذكرى الابن إلى وسيطٍ يسمح للأم بالتعبير عن غضب عجزت عن الإفصاح عنه بنفسها. هنا يقترب كوريدا من السؤال الأشد أهمية في الفيلم: ماذا نخسر حين نفوض الآلة لحمل أكثر مشاعرنا خصوصية؟ غير أن الإضاءة المفرطة في صفائها والموسيقى التي تستبق الطمأنينة تحرمان هذا السؤال من ثقله، وتجعلان الفيلم يبدو متصالحًا مع أزمته قبل أن يمنح شخصياته فرصة حقيقية لخوضها.

أسئلة تركها كوريدا ولم يواجهها

تكشف التفاصيل التي يتركها الفيلم على هامشه عن عمل أكثر جرأة كان يمكن لكوريدا أن يصنعه. فشركة «RE:Birth» تتعقب جنازات الأطفال الذين ماتوا في الحوادث أو الجرائم، وتعرض على أسرهم تجربة نسخ آلية منهم، ثم تختزل حياة الراحل في صور عائلية واستبيان يُسلَّم إلى الفنيين. وراء هذا العرض كابوس متكامل، يتجسد في شركة تحوّل المشاعر والعلاقات الإنسانية إلى أدوات تسويقية، والذاكرة إلى بيانات، وحاجة الأبوين وإحساسهما بالفقد إلى منتج قابل للتجربة والاستبدال.

إلا أن كوريدا يمر على هذا العالم بنبرة وديعة، متجنبًا تفكيك الطريقة التي تستثمر بها الشركة في ضعف العائلات، أو السؤال عمن يملك صورة الميت وذكرياته بعد تحويلهما إلى مادة صناعية. حتى مهنة الأم، بوصفها مهندسة معمارية، تمنح الفيلم استعارة بصرية ثرية عن بيت يعاد بناؤه حول ابن صناعي، وحياة أسرية تحاول ترميم واجهتها بينما تظل أساساتها متصدعة، لكن هذه الفكرة تبقى في حدود الإشارة والتلميح فقط.

ثم يأتي ظهور الأطفال الآليين المشردين، الذين يعيشون على أطراف المجتمع ويرفضون أن يُعاملوا كأوعية لذكريات الموتى، ليفتح أكثر مسارات الفيلم إثارة: ماذا يحدث حين تطالب النسخة بحقها في حياة لا يحددها الأصل؟ غير أن هذا المسار، على قربه من أطفال فيلم «لا أحد يعرف»، يُقدَّم كمنعطف غريب أكثر من كونه امتدادًا عضويًا لعالم الفيلم. ويحمل العنوان نفسه مفتاحًا كان يمكن أن يضيء هذه الأسئلة؛ فهو يستعيد حكاية الأمير الصغير الذي يطلب رسمًا لخروف، فلا يرضيه سوى صندوق فارغ يستطيع أن يتخيل الخروف داخله. الروبوت هنا صندوق مشابه يضع الأبوان داخله صورة الابن الذي يريدان استعادته، بينما يحاول الكائن الموجود فعلًا أن يكتشف شكله الخاص خارج خيالهما.

في هذه المسافة الممتدة بين ما تراه الأسرة وما يمكن أن يكونه الطفل الصناعي تكمن مأساة الفيلم الحقيقية، لكنها مع ذلك تظل غير مكتملة. وهكذا تبدو خيبة «خروف في صندوق» نابعة من وفرة إمكاناته أكثر من غرابة موضوعه، فقد امتلك كوريدا قصة عن الحداد والذاكرة وتسليع الفقد واستقلال الكائن المصنّع، ثم ترك أكثر أسئلتها إلحاحًا معلقة داخل الصندوق.

أداء الممثلين.. الومضة المشرقة

وسط هذا التخبط الدرامي والبرود المصطنع، والفرصة الضائعة لرواية حكاية إنسانية متكاملة، كان أداء الممثلين طوقَ النجاة الوحيد الذي أنقذ الفيلم من الانهيار الكامل. لقد برع الممثل دايغو ياماموتو الذي أدى دور الأب في تجسيد شخصية تتسم باللامبالاة والبرود العاطفي تجاه هذا الكائن الاصطناعي، وهو أداء متقن عكس الفجوة بين موقف الأبوين بصورة ممتازة. وفي المقابل، تمثلت الذروة العاطفية للفيلم في أداء الممثلة هاروكا أياسي التي أدت دور الأم، فقد قدمت أداء استثنائيًا عبّر عن حاجتها العميقة والمستميتة إلى وجود هذا الروبوت لتجاوز الألم المرير لفقد ابنها الحقيقي. كان التباين الحاد بين لامبالاة الأب واستجداء الأم العاطفي للآلة اللمحةَ الإنسانية الصادقة الوحيدة في العمل، مذكّرًا إيّانا للحظات بعوالم كوريدا السابقة.

ومع ذلك، لم يكن هذا الأداء الرفيع كافيًا لترميم النهاية المفتعلة للفيلم، التي جاءت أقرب إلى «عقاب» ميلودرامي جاف يخلو من الإحساس الحقيقي من كونها مكافأة للمشاهد الصابر، لتتركنا أمام تساؤل حزين: كيف لمخرج صاغ أرق العلاقات البشرية في فيلمه الفائز بالسعفة أن يستبدل مشاعره الصادقة ببرود الآلات؟

يمثل فيلم «خروف في صندوق» سقطةً مدويةً في مسيرة هيروكازو كوريدا. وعلى الرغم من أن منطلقه يترجم ولع المخرج بالتكنولوجيا وانعكاساتها، فقد عانى النص خللًا بنيويًا وعاطفيًا في صياغة علاقة الأسرة بالروبوت. ولولا الأداء التمثيلي العبقري للأب اللامبالي والأم المكلومة، لكان الفيلم مجرد آلة صماء بلا روح. أما السعفة الذهبية التي نالها كوريدا عام 2018، فتبدو اليوم بعيدة كل البعد عن واقعه الحالي.

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى