«من -يقاسمني- يوثّق الجوع والشعر والصعلكة؟»
محمد الثبيتي*
لعل أشبه شخص، في عالمنا اليوم، بالصعلوك هو الهاكر. فالاثنان قاطعا طريق، كلاهما مخرّبان بالضرورة -ولو حسُنت النيّات- وما الأنظمة، قبَلية كانت أو سيبرانية، بالنسبة إليهما غير فرجة من الثغرات؛ منخلٌ ونراه جدارًا مصمتًا. الأهم من هذا وذاك، أن الاثنين ينطلقان من نفس الدافع: الجوع.
أي نعم؛ ما يحركنا جميعًا، في نهاية الأمر، هو الجوع. إلا أن الأمر يعتمد على طريقة إحساسنا به؛ ثمة من يشعر به فيسعى، وآخر يلسعه في بطنه فينبطح، وثالث يعضُّ أمعاءه فيعوي. والثالث هنا صعلوك.. ما أقدم المفردة!
إذن، خلها هاكر.
في فيلمه الأخير، «مرجوج هزازي»، يوثق المخرج الطايفي (نسبة إلى الطايف) مشعل الثبيتي قصة الهاكر الأشهر محليًا، راجِّ الناس وخاضِّ الدنيا، مرجوج هزازي، أو من أصبح بعد (وقبل) ذلك: تركي عمر. ولعل الثبيتي لا يوثق بقدر ما يستعيد. فما ثمة من توثيق لتفاصيل تلك المرحلة في الفيلم. كل ما هناك كلام فحسب. تركي عمر، الصعلوك التائب، لو اتفقنا على هذه التسمية، يستعيد ذكريات ضلاله -اللهم الهداية- ويُظهر ندمه على ما فات. والفيلم لا يدَّعي أكثر من هذا، إنه يقدم مرجوج هزازي كما رغب هو؛ بشكل مباشر، بسيط، وبلهجة طايفية (فهمت؟ تُمام؟). وكما لم يرغب؛ بتوتر واضح يجعله يتحاشى النظر إلى الكاميرا.
وبالعودة إلى الجوع، يقول تركي عمر عن مرجوج هزازي إن ما حرضه على الدخول في كل هذا هو البطالة. والبطالة اثنان في واحد: إنها الجوع إلى الاستقلال بالنفس، والنبذ من قبيلة الرأسماليين. إذا لم تستطع الدخول إلى ملعب القبيلة، فاقتحم. هذا هو درس الرأسمالية الأول. وفي كتب تطوير الذات وإدارة الأعمال يُصاغ الأمر بشكل مختلف: إذا لم تُمنح الفرصة، فبادر. وهذا مجرد تلطيف للحقيقة. فالأصلُ اقتحامٌ. وهو ما فعله مرجوج.
وبالعود إلى عيال الطايف، يُظهر العمل فنيًا ثلاثة أشخاص في واحد: مونتير صايع، مخرج متردد، وسارد خجول. وبقدر ما حاول الثبيتي أن يلعب هذه الأدوار جيدًا -وهو قادر بالفعل- إلا أن الأمر، في جوهره، يتجاوز مرجوج، وصولًا إلى السؤال الأكبر: هل نملك، ولو إلى حد معقول، في سينمانا السعودية، فيلمًا وثائقيًا بحق؟
لك أن تشاهد مجموعة مما يسمى بالأفلام السعودية الوثائقية، وستخلص إلى أن ثمة خلطًا واضحًا عند القوم بين الفيلم الوثائقي والريبورتاج التلفزيوني. مقابلات مطولة، حول موضوعة ما، مع هذا وذاك، مع شخص واحد، وكلام تقطعه بعض اللقطات الممنتجة، أضف إلى ذلك قليلًا من المؤثرات الصوتية والبصرية: ومبروك صار بين يديك فيلم وثائقي.
هل يُلام على هذا الصناع؟ بصراحة، جزئيًا. لكن الأمر أكبر منهم بكل تأكيد. فثمة حدود بين ما يقال وما لا يقال، من جهة. ومن جهة أخرى -وهي مرتبطة بالأولى- ثمة تحسّس نلمحه لدى الجميع مما يمكن قوله، حتى لو كان عاديًا. وثمة، من جهة ثالثة -وهو لبّ الأمر- ضعف في المصادر والوثائق والأرشيفات التي يحتاج إليها صانع الوثائقي، وإن وُجدت فالوصول إليها عشم إبليس في الجنة.
ولمَ يُلام، إذن، الصناع، ولو جزئيًا؟ لأنهم، على ما يُرى ويُشاهد في أفلامهم، لا يبذلون ما يكفي. ولو أتينا إلى السرد مثلًا، فالأغلب أن سردهم خطي، وهو الأكثر بساطة ومللًا؛ فلو قُدِّم، على سبيل المثال، هذا على ذاك، أو توسّط هذا بدلًا من تأخيره، لصارت السردية أكثر لعبًا، وبالتالي أكثر إثارةً (لا تنسَ الفن لعبٌ في جوهره، حتى التوثيق)، أي أن العمل سيثير تساؤلات أكثر مما يجعل من عملية التلقي أكثر ثراءً.
هل علينا أن نشرح مفردة اللوم هنا، ونقول بأنها عتب المحب.. إلخ إلخ من هروج التبرير؟ بالضبط، هذا هو السبب الأول الذي أعطب هذه الأفلام، كما ذكرنا آنفًا: حدود ما يُقال والتحسس من قول العادي حتى. إنها، إذن، لوثة في كل الصناعة.
ما علينا..
نعود الآن، حقًّا حقًّا، إلى عيال الطايف. يقدم مرجوج هزازي، الفيلم، نفسه بوصفه سطحًا. لا يريد ولا يحاول ولا يوحي حتى بالاقتراب من نتوءات القصة التي يوثّقها؛ فضلًا عن الذهاب إلى الأعماق. وهذا، مفهوم تمامًا، نظرًا لكل ما ذُكرَ أعلاه. ولذا، فلعلّ الطريقة المثلى لنقده هي أخذه بوصفه سطحًا كاشفًا لكامل صناعة الوثائقيات السعودية. وذلك بالمرور -والتحسيس- على النتوءات هنا وهناك؛ دون ادعاء الذهاب إلى الأعماق. والحق، أن هذا يُحسب للفيلم لا عليه.
ومما يُحسب للفيلم أيضًا، أنه استطاع إثارة أسئلة مقلقة حول الحدود بين الصعلوك والجندي السيبراني. بين مرجوج هزازي الذي يمثل الاتحاد واختراق الأنظمة في الرياضة والتعليم، وبين مرجوج هزازي الهيئة، الذي يساعد في قضايا الابتزاز. ومن المثير هنا، أن اختراق موقع نادي الهلال لم يُثر قضايا جنائية -أو على الأقل أثارها بالحد الأدنى فقط- أما اختراق النظام التعليمي فقلب الدنيا. وهذا يثير أسئلة حول الحدود وما يُخترق ويُنفذ منه، وما يُخترق ويُنشَب فيه. فالاختراقُ بذاته، كمفهوم، حاضرٌ على امتداد الفيلم؛ ففي اللحظة التي اخترق فيها تركي عمر مرجوج هزازي، حينما كشف عن شخصيته للعلن، نَشِبَ الصعلوك وسقط القناع تمامًا. الدرس الأول في الصعلكة: لا تكشف عن نفسك أبدًا، كن أسطورةً تنجُ.
غير أن السؤال الأهم الذي أثاره الفيلم يتعلق باختياراته: لمَ اكتفى الثبيتي بتوثيق القصة من منظور طرف واحد فحسب؟ ولماذا تركي عمر وحده؟ إذا قلنا إن الحدود فيها ما فيها من الألغام، فماذا عن وجهات النظر الأخرى؟ قصة بهذه الأهمية في تاريخنا السعودي المعاصر أولى بها أن تُتَناول بوجهات نظر متعددة. وهي قصة ذات حبالٍ متشابكة. يكفي الثبيتي منها أنه رمى لنا بطرف الخيط الأول، بإتقانٍ ما وسعه ذلك، وبموهبة لا تخطئها عين. وإذا ما كان هذا الفيلم، في النهاية، سطحًا، لقصة مرجوج، وسطحًا للوثائقيات السعودية هنا، فهو أيضًا سطحٌ كاشفٌ عن أعماق ينطوي عليها الثبيتي مخرجًا وكاتبًا ستَنكَشف، ولا ريبَ، في أفلامه القادمة.

.jpg)

