في شباط/فبراير 2025، قال روبرت دي نيرو في مقابلة إذاعية إنه يقضي صباحاته يشاهد فرقة «ذا ويغلز» الأسترالية ومسلسل «مس ريتشل» (Ms. Rachel) على التلفاز مع ابنته جيا، التي لم تكن قد تجاوزت عشرين شهرًا من عمرها بعد. وبعد أربعة أشهر، في 28 حزيران/يونيو، اصطحبها بالفعل خلف الكواليس في مسرح "كينغز" ببروكلين لمقابلة الفرقة قبل حفلها المباشر. وحين وقف عند طرف القاعة يصفّق مع الأغاني، لم يكن على وجهه شيء من الحذر الذي عرفه الجمهور الأمريكي طوال ستة عقود؛ كان وجهًا عاديًا تمامًا، يصفّق لأغنية عن سلطة فواكه كأي أب آخر في القاعة.
وعلى بعد بضعة مبانٍ، كان الرجل نفسه قد وقف، قبل ذلك بوقت غير بعيد، في موقع تصوير فيلم «فرسان الألتو» (The Alto Knights, 2025)، يؤدي دور زعيمي عصابة متنافسين يتآمر كل منهما طوال الفيلم لقتل الآخر؛ وقد بلغت تكلفة الفيلم أكثر من 45 مليون دولار قبل التسويق، ولم يجمع في شباك التذاكر سوى نحو عشرة ملايين دولار عالميًا. وقبل ذلك بست سنوات، كان قد شهد موتًا بطيئًا أمام الكاميرا في فيلم «الأيرلندي»، بعدما جُرّد وجهه رقميًا من آثار ستين عامًا من العمر، في فيلم امتد لثلاث ساعات ونصف.
وهو الآن، وقت كتابة هذه السطور، على بعد ساعات من عيد ميلاده الثالث والثمانين، ورغم أن الملايين من الناس يعرفونه من خلال أدواره؛ إلا أنه هو نفسه ظلّ بعيدًا عنهم طوال هذه السنوات. يصعب اختصار مسيرته لأسباب تتجاوز طولها، إذ أن جزءًا كبيرًا منها مبنيٌّ على الاختفاء. وقد أمضى دي نيرو ستة عقود يرفض أن يشرح لأحد ما كلّفه كل هذا. فإذا توجهت إليه بسؤالٍ مباشر عن حياته، سيجيب بكلمات قليلة تقترب من الصمت أكثر من أي شيء آخر: «إنها كما هي»، ثم يترك للمحاور مهمة ملئ الفراغ بنفسه. لكن اطلب منه أن يصبح شخصًا آخر، سيتحول حينها، عبر أداء دقيق، إلى شيء مختلف تمامًا. هو نفسه الرجل الذي لا يصف صداقته الممتدة خمسين عامًا مع مارتن سكورسيزي إلا بأكثر العبارات تسطيحًا، وهو ذاته الذي سيزيد من وزنه بنحو 27 كيلوغرامًا ليرينا ماذا يمكن لعقدين من القسوة أن يفعلا بجسد إنسان.
ماذا يمكن الكتابة عن شخص أمضى خمسين عامًا وهو يحاول ألا يقدّم شيئًا عن نفسه؟ خمسون عامًا من المقابلات لم تنتج تقريبًا أي مادة شخصية قابلة للاستخدام. ما يتبقى بدلًا من ذلك هو العمل وحده: رصيدٌ يقارب مئة عمل سينمائي وتلفزيوني، وأربعة عقود من التحولات الجسدية المتطرفة التي استحالت في النهاية إلى نوع خاص من أخبار المشاهير، وبقايا صغيرة من الحقائق تتسرب رغمًا عنه عند أطراف قصة لا علاقة لها بالأمر، عن فيلم، أو بروفايل وافقَ عليه لأن أحد مسؤولي العلاقات العامة أصرّ على ذلك.
وُلد في غرينتش فيلدج في 17 آب/أغسطس 1943، الابن الوحيد لرسّامين من نيويورك. والده، روبرت الأب، كان من فناني التعبيرية التجريدية، درس على يد هانس هوفمان، وفرض على نفسه وعلى من حوله معيارًا صارمًا إلى درجة أن أمورًا عادية، كبيعِ لوحة أو الحفاظ على الزواج، باتت شبه مستحيلة. أمّا والدته فرجينيا أدميرال، فكانت رسامةً أيضًا، أدارت عملًا صغيرًا في السكرتارية لإعالة نفسها وابنها بعد انتهاء زواجها حين كان دي نيرو في الثانية من عمره. لم تكن طفولته صاخبةً بأي حال، كان خجولًا إلى حد الصمت، غير مكترث بالمدرسة، يمضي عددًا من فترات بعد الظهر وحيدًا في دور السينما. بعد عقود، وبعد وفاة والده عام 1993 بزمن طويل، أنتجَ فيلمًا وثائقيًا لقناة HBO عن حياة والده وطموحاته غير المكتملة كرسام؛ كانت من المرات القليلة التي ظهر فيها الابن وتحدّث أمام الكاميرا، لزمن طويل، عن شيء يشبه الحزن.
وصل بحلول سنوات مراهقته إلى يقينٍ يصل إليه أحيانًا الأطفالُ الخجولُون المُراقَبُون؛ بإنه سيصبح ممثلًا، وسيعني له ذلك شيئًا أكثر صرامةً بكثير مما توحي به الكلمة عادة. تدرّب أولًا على يد ستيلا أدلر، التي درست بدورها على يد ستانسلافسكي وعلّمته تقنية تمثيلٍ تُبنى على الملاحظة الخارجية ثم تتجه نحو الجوهر الداخلي: وذلك من خلال مراقبة كيف يقف الناس فعلًا، وكيف يأكلون، وكيف يفشلون في قول ما يقصدونه، ثم بناء الشخصية انطلاقًا من تلك التفاصيل المستعارة لا من مشاعر المرء الخاصة. انجرَفَ لاحقًا إلى استوديو الممثل المرتبط باسم لي ستراسبرغ، الفرع الأكثر شهرة من فروع مدرسة التمثيل الأمريكية، ذلك الذي يربطه الناس باستحضار الصدمات الخاصة عند الحاجة. وتعد عبارة "ممثل منهجي" هي الصيغة الأبرز التي يلجأ إليها كل بروفايل تقريبًا عن دي نيرو، ورغم أنها ليست خاطئة، إلا أنها تظلُّ ناقصةً ومجحفة في حقه.
كان في عمله أقرب إلى محققٍ صحفيٍّ منه إلى ممثل، يستخرج هذه المشاعر الخاصة ويعرضها أمام الكاميرا. فقد ذهب إلى صقلية ومعه جهاز تسجيل، قبل أن ينطق بكلمة واحدة من حواره في دور فيتو كورليوني الشاب، مُطاردًا الإيقاع الدقيق للهجةٍ لم يكن يتكلمها. وأمضى أسابيع بين عمال صلب حقيقيين في الحزام الصناعي المتدهور، قبل أن تضاء عدسة كاميرات «صائد الغزلان» (The deer hunter, 1978)، فقط كي يحاكي المشية والإرهاق على نحو صحيح. وتعلّم الملاكمة، بما يكفي لأن يقول عنه جيك لاموتا، الذي دربه شخصيًا استعدادًا لـ«الثور الهائج» (Raging Bull, 1980)، للصحفيين أن دي نيرو كان يمكن أن يُصنَّف ضمن أفضل عشرين ملاكما في العالم في وزن المتوسط. وحينما قفز التصوير عشرين عامًا إلى الأمام نحو حياة لاموتا اللاحقة المدمَّرة، سافر إلى إيطاليا وتناول الطعام حتى أضاف إلى وزنه سبعة وعشرين كيلوغرامًا، كي يفهم الجمهور، من دون سطر واحد من الحوار، ما الذي خلفه ذلك العنف المتراكم في هذا الجسد المنهك. كان ذلك إصرارًا لا رجعة فيه على ألا تفلت منه تفصيلة واحدة قد يكتشفها متحدث للهجة اﻷصلية، أو ملاكم أو صقلي حقيقي، فيعرف فورًا أنه زائف. وقبل ذلك، كان قد حصل، من أجل «سائق التاكسي» (Taxi Driver, 1976)، على رخصة قيادة سيارة أجرة حقيقية في نيويورك، وعمل شهرًا كاملًا بنوبات طويلة يقلّ ركابًا فعليين في شوارع المدينة. وحين وصل أخيرًا إلى أشهر مشاهد الفيلم، مشهد وقوفه أمام المرآة يهذي «أتتحدث إليّ؟»، لم يكن ذلك السطر مكتوبًا بهذا الشكل أصلاً؛ قال دي نيرو لاحقًا إنه ارتجله أثناء التصوير، وكأن شهرًا من قيادة سيارات الأجرة قد أفضى، في النهاية، إلى جملة لم تكن لتُكتب على الورق.
ودرس الساكسفون بتركيز لمدة ثلاثة أشهر كاملة من أجل الفيلم الموسيقي «نيويورك، نيويورك» (New York, New York, 1977) ، الذي لا يتذكره أحد تقريبًا الآن، إلى درجة أن المدرب اشتكى منه أنه قد اختبر صبره أكثر من أي هاو سابق.
اكتسب الكثيرون وزنًا أو أخذوا دروسًا من دون أن ينتجوا شيئًا يستحق المشاهدة. أما دي نيرو فقد غدا التدريب عنده شيئًا يتجاوز الاستعداد للدور: لهجة محلية يتعلمها، مشية حقيقية يؤديها بعفوية، وزن مثالي يكتسبه، ومهنة كاملة أحيانًا. كان يتعامل مع التفاصيل كما لو أن الكاميرا ستكتشف أي كذبة صغيرة.
فيما وراء "زيادة الوزن"، كان دي نيرو خلال السبعينيات، وامتدادًا إلى الثمانينيات، يعيد تعريف ما يستطيع الجمهور الأمريكي أن يصدّقه على الشاشة. فقد كانت القاعدة القديمة بسيطة: لقد أمضى نجم مثل جون واين مسيرته كلها تقريبًا يؤدي نسخًا مختلفة قليلًا من نفس الرجل الذي اعتاد أن يلعبه، فصار الجمهور يعرف بالضبط ما سيحصل عليه في كل فيلم. أما دي نيرو فقد قدّم احتمالًا مختلفًا من دون أن يعلن عنه كمشروع فني: أن يأتي الوجه الذي اعتاد الجمهور عليه في كل فيلم وكأنه وجه آخر، وأن يكون انتظار الجمهور لذلك جزءًا من متعة المشاهدة.
كان براندو قد مهّد الطريق أولًا، وكان دي نيرو يعرف ذلك جيدًا؛ يُقال إنه شاهد أداءه في «العراب» الأصلي مرات كثيرة حتى استطاع أن يرى ما وراء الاختيارات إلى الآلية التي تقف خلفها. وحين وصل أخيرًا إلى أغرب مشاهد «الثور الهائج» وأكثرها إيحاءً؛ جيك لاموتا العجوز المحطم وحيدًا في غرفة تبديل الملابس، ظل يردد أمام المرآة، وقبل العرض الكوميدي، خطابَ براندو الشهير: «كان يمكن أن أكون بطلًا». بدت اللحظة أقرب إلى وراثة فعلية منها إلى تحية. ويُقال إن براندو نفسه قال عن عمل الممثل الشاب في «العراب: الجزء الثاني» إنه يشك في أن دي نيرو يعرف أصلًا مدى براعته.
وحين خسر «الثور الهائج» أوسكار أفضل فيلم عام 1981 أمام «أشخاص عاديون» (Ordinary People, 1980) لروبرت ريدفورد -قرار لا يزال كثيرون في هوليوود يعدّونه خطأ واضحًا من الأكاديمية- فاز دي نيرو مع ذلك بأوسكار أفضل ممثل.
اجتهادات الممثلين التي جاءت بعد ذلك؛ مثل كريستيان بيل الذي جوّع نفسه حتى يصبح هيكلًا عظميًا من أجل «الميكانيكي» (The Mechinist, 2004)، ودانيال داي-لويس الذي تعلّم صناعة الأثاث ورفض الخروج من الشخصية بين اللقطات، تنحدر جميعها بشكل غير مباشر من مثال دي نيرو. بعض هذا الميراث كان مكسبًا حقيقيًا للسينما؛ بعضه الآخر لم يكن أكثر من عبء، بعدما تحوّلت الفكرة من اكتشاف إلى توقّع صناعي جاهز.
أما الشراكة التي حدّدت صورة دي نيرو أكثر من أي شيء آخر، فقد بدأت من دون أي مراسم تُذكر. نشأ هو ومارتن سكورسيزي في شوارع متباعدة قليلًا في وسط مانهاتن، والتقيا مرة واحدة وهما طفلان في حفلة عيد ميلاد شخص ما. ثم التقيا مجددًا وهما بالغان في أوائل السبعينيات، عندما كان سكورسيزي مخرجًا شابًا فقيرًا يحاول تمويل فيلم رخيص اسمه «شوارع وضيعة»، عن الأحياء نفسها التي نشآ فيها، وعرض على دي نيرو دور جوني بوي، وهو شاب متهور، يقلب الغرفة رأسًا على عقب بمجرد دخوله فيها. كانت تلك بداية تعاون امتد لخمسة عقود وعشرة أفلام طويلة، من «شوارع وضيعة» (Mean Streets, 1973) إلى «قتلة زهرة القمر» (Killers of the flower moon, 2023)، تخللها «سائق التاكسي» و«الثور الهائج» و«رفاق طيبون» (Goodfellas, 1990) و«كايب فير» (Cape Fear, 1991) و«كازينو» (Casino, 1995) و«الأيرلندي» (The Irishman, 2019). قلّة من الشراكات في السينما الأمريكية قطعت تلك المسافة مع هذا القدر الضئيل، حتى الآن، من دون أن يمل أحد الرجلين من اﻵخر.
تختزل عبارة "أفلام عصابات" التعاون بين سكورسيزي ودي نيرو، وتظلمه في نفس الوقت. فقد كان الرجلان يعودان مرة بعد أخرى إلى صورة أمريكية محددة؛ رجل العصابة بوصفه رجل أعمال، والمهاجر بوصفه صاحب قصة نجاح، والعنف بوصفه شيئًا يكاد يكون جزءًا من الشهية الأمريكية نفسها. «شوارع وضيعة» و«سائق التاكسي»، هما فيلمان عن بلد يتفكك بعد حرب فيتنام، جرى تصويرهما من مستوى الشارع، يمتلئان برجال عاجزين عن تحديد مصدر غضبهم. أما «سائق التاكسي»، القاسي والخالي تقريبًا من الكلام في قسمه الأخير، فيدفع ذلك الغضب إلى الداخل حتى يتحول إلى انفجار ذو طابع أوبرالي. أما «رفاق طيبون» و«كازينو» فهما بمثابة اعترافين مبهجين ومروِّعين في آن واحد، يريانك متعة المال والعنف معًا قبل أن يقدّما لك الفاتورة. ثم جاء «الأيرلندي» بعد عقود، وفيه استعانوا بتقنيات رقمية لتصغير عمر دي نيرو في المقاطع الأولى، ثم عاد عجوزًا ببساطة في الثلث الأخير الطويل، يؤدي دور قاتل مأجور لا فائدة منه، وقد تركه رجال يصغرونه بعقود ولم يعودوا بحاجة إلى أي شيء كان قادرًا على فعله لهم. أميل إلى قراءة تلك النهاية كسؤال موجه لـ متعاونَين قديمين عن جدوى عملهما الذي بنياه معًا طوال تلك السنوات. قد أكون أحمّل الفيلم أكثر مما يحتمل؛ لكنها الطريقة التي بقيت بها النهاية في ذهني.
تحجب الشراكة مع سكورسيزي أحيانًا بقية سجل دي نيرو الحافل مع مخرجين آخرين. كان فيتو كورليوني الشاب، عند كوبولا، قد قدم أداءً صوتيًا دقيقًا جدًا أدهش براندو نفسه، الذي كان دي نيرو يستعير صوته. ثم قدم، بعد ذلك بوقت قصير، ملحمة بيرتولوتشي «1900»، أدى فيها دور مالك أرض إيطالي ثري مقابل جيرار ديبارديو في دور فلاح، يتتبعان الانقلاب الأيديولوجي الذي حدث في إيطاليا في القرن العشرين عبر صداقة واحدة مضطربة امتدت طوال عمرهما. امتدت النسخة الكاملة إلى ما يقارب خمس ساعات ونصف، ولا يزال هذا العمل -حتى بين من شاهدوا أعماله اﻷخرى في ذلك العقد- فيلمًا بالكاد يجلس أحد لمشاهدته من البداية حتى النهاية. أدى دور آل كابوني عند برايان دي بالما مرتديًا ملابس داخلية حريرية لا ينبغي لأي كاميرا الاقتراب منها وتصويرها أصلًا، في محاولة نادرة شرح من خلالها طريقته بنفسه؛ إذ من الممكن تقمص شخصٍ حتى في أدق التفاصيل التي لن يراها أحد. وأدى دور يسوعي يتحول إلى مرتزق ثم يعود يسوعيًا عند رولاند جوفيه في «المهمة» (The Mission, 1986)، ونسخة من الشيطان، بأظافره وهيئته المريبة، عند آلان باركر في «قلب ملاك» (Angel Heart, 1987).
لقد انتظر واحدًا وعشرين عامًا حتى يشارك آل باتشينو أخيرًا مشهدًا واحدًا؛ إذ ظهر الاثنان في «العراب: الجزء الثاني» دون أن يشغلا الإطار نفسه ولو لمرة. ثم أجلسهما مايكل مان متقابلين على طاولة مطعم في فيلم «هيت» (Heat, 1995)، في حديث هادئ متأهب استغرق ست دقائق بين شرطي ولص يطارده. لا يزال المشهد يُدرَّس في مدارس السينما بوصفه نموذجًا لما يستطيع ممثلان عظيمان فعله بأقل قدر من الحركة الجسدية.
وتحمل بعض أدوار دي نيرو أصداءً أكثر هدوءًا وغرابة. ففي عام 1982، أدى دور روبرت بابكين في «ملك الكوميديا» (The King Of Comedy, 1982) لسكورسيزي، وهو شخص مهووس ومغمور يخطف مقدّم برنامج ليلي محبوب كي يجبره على الظهور معه في برنامجه التلفزيوني. وبعد سبعة وثلاثين عامًا، في فيلم «جوكر» (Joker, 2019) لتود فيليبس، أدى دور المقدّم نفسه -نسخة من جوني كارسون تُدعى موراي فرانكلين- يقتله شخص مهووس مجهول مستوحى بوضوح من بابكين نفسه على الهواء مباشرة.
ثم، في أواخر التسعينيات، حدث شيء غير متوقع: أصبح، عن قصد، مضحكًا. جعله فيلم «حلل هذا» (Analyze This, 1999) يؤدي دور زعيم مافيا يصاب بانهيار عصبي في عيادة معالجه النفسي؛ حقق الفيلم نحو 177 مليون دولار حول العالم، وتبعه «حلل ذلك» (Analyze That, 2002) بعد ثلاث سنوات. وحوّله فيلم «قابل الوالدين» (Meet The Fokers, 2004) إلى شخصية جاك بيرنز، ضابط الاستخبارات المتقاعد الذي يرعب خطيب ابنته؛ وقد تجاوزت إيراداته 330 مليون دولار، وتحوّل بعدها إلى سلسلة امتدت عقدًا كاملًا عبر جزأين إضافيين، بإيرادات إجمالية فاقت المليار دولار. وحتى في هذا لم يكن مجرد ممثل مستأجَر لدور جاهز. فمشهد جهاز كشف الكذب في «قابل الوالدين» كان فكرة اقترحها بنفسه على المخرج والمنتجة.
يمكن تفسير كل ذلك بإنه استثمار مالي في أواخر المسيرة، ولعله كذلك جزئيًا، لكن الأداء نفسه ظلّ مضبوطًا بنفس الطريقة؛ النظرة الجامدة، والتوقف قبل أن تهبط الجملة، إلا أنه الآن بات موجّهًا إلى صهر عصبي أمام جهاز كشف الكذب بدلًا من زعيم عصابات منافس. إن قدرته على إضحاك الجمهور -بعد عقود أمضى معظمها في إرباكه وإثارة خوفه- نادرة فعلًا، ولا ينجح فيها إلا القليل من ممثلي الشاشة المخيفين حقًا.
بعيدًا عن الأدوار التي لعبها، يعد دي نيرو واحدًا من أكثر الممثلين الأحياء تكريمًا، ففي حوزته جائزتي أوسكار، ورصيد أعمال يقترب من مئة عمل، وتكريمات تشمل الآن السعفة الذهبية الفخرية، التي تسلّمها في كان في ربيع 2025 من يد ليوناردو دي كابريو نفسه، بينما كانت ابنته الصغرى ووالدتها تراقبانه من بين الجمهور. ومع ذلك، أمضى معظم هذه المسيرة بعيدًا عن الصورة التي تصنعها الشهرة عادةً؛ فنادرًا ما بدا معنيًا بتحويل نفسه إلى شخصية عامة يعرفها الناس بقدر ما يعرفون أفلامه.
في الثمانينيات وكذا التسعينيات، استثمر مالًا حقيقيًا في تحويل مساحة من عقارات وسط مانهاتن إلى حي سينمائي نشط، في مكان غير بعيد عن المكان الذي نشأ فيه. وبعد هجمات 11 سبتمبر أسس مع المنتجة جين روزنتال مهرجانًا كان الهدف المعلن منه مساعدة مدينة نيويورك المنهكة على التعافي بسرعة. وما بدأ استجابة طارئة لحيّ جريح تحوّل بعد أكثر من عشرين عامًا، إلى مؤسسة مستدامة في تقويم المدينة.
وقد كلّفه ذلك الميلُ إلى الاختفاء الاعترافَ بمدى اتساع موهبته. لم يكن النقاد دائمًا كرماء في تقييم الكمّ الهائل الذي قدمه خلال العقدين اللذين اعقبا «كازينو». فرغم وجود أعمال حقيقية وسط ذلك كله، لكن هناك أيضًا قدر كبير من الكوميديا القابلة للنسيان وحشو غير مميز من أفلام الإثارة، من النوع الذي يجعل المرء يتساءل كيف لرجل رفض ذات يوم تزوير حرف صقلي واحد أن يتقاضى أجرًا عن أفلام لا يتذكرها أحد تقريبًا. لم يدافع علنًا عن تلك المرحلة، ولم يعتذر عنها كذلك.
وما يجعل السنوات الأخيرة جديرة بمراقبة دقيقة هو أنه بعد أن تجاوز العمر الذي يستقر فيه معظم معاصريه على جولات تكريمية داخل الصناعة، ظلّ يخوض مخاطر حقيقية، بعضها لم ينجح. في عام 2023، عاد إلى سكورسيزي من أجل «قتلة زهرة القمر»، مؤديًا دور ويليام هيل، مالك مزرعة في مقاطعة أوسيدج، يخفي خلف سلوكه الأبوي الودود مؤامرة امتدت لعقود للتخلص ممن يقف عقبة في طريقه إلى أموال النفط. بنى أداءه مرة أخرى على طريقته القديمة؛ الصبر، والدقة، وابتسامة تحتاج وقتًا طويلًا كي تقترب من عينيه. منحه الدور الترشيح التاسع للأوسكار، ووضعه في فيلم استوديو كبير أمام ليوناردو دي كابريو، الذي يصغره بواحد وثلاثين عامًا، في دور ابن أخيه وشريكه.
وبعد عامين، في الحادية والثمانين، وافق للمرة الأولى في حياته على بطولة مسلسل تلفزيوني، مؤديًا دور رئيس أمريكي سابق يحقق في هجوم إلكتروني كارثي في مسلسل نتفليكس، «يوم الصفر» (Zero Day, 2025). وقال لخدمة البث إن هذا أحد الأدوار التي لم يحتج فيها إلى الاستعداد بالطريقة المعتادة، فلا لهجة يطاردها ولا جسد يعيد بناءه: «كنت، في الأساس، أنا». بعد ستين عامًا قضاها في الاختفاء داخل رجال آخرين عبر تراكم البحث والعمل، تطلب منه أداؤه الأكثر ظهورًا في السنوات الأخيرة، للمرة الأولى، أن يكتفي بالحضور بصفته أمريكيًا مشهورًا متقدمًا في العمر يرتدي بدلة أنيقة.
وفي الفترة نفسها، لعب دي نيرو دور رجلَي مافيا متخاصمين، فرانك كوستيلو وفيتو جينوفيزي، في فيلم باري ليفنسون «فرسان الألتو»، فأدى الدورين معًا دون الحاجة إلى ممثل آخر يقف أمامه. وصل الفيلم إلى دور العرض وسط استقبال نقدي ضعيف ونتائج تجارية مخيبة.
وفي مكان ما وراء كل ذلك هناك أب لسبعة أبناء من أربع نساء مختلفات، أصغرهم وُلد في أبريل/نيسان 2023، حين كان دي نيرو في التاسعة والسبعين، من شريكته مدربة التاي تشي تيفاني تشين، التي التقاها قبل ثماني سنوات في موقع تصوير كوميديا متواضعة عن متدرب في مكتب. وظهرت ابنته المراهقة هيلين، من زواج سابق، في ظهور نادر على السجادة الحمراء إلى جانب والدها وصديقته في مهرجان كان في الربيع نفسه.
قال بوضوح إنه لا يتولى الجزء الأكبر من المسؤوليات. يشاهد مع ابنته أحيانًا في الصباح قناة أطفال على يوتيوب، ويعطيها زجاجة الحليب، وقد قال لأحد الصحفيين أنه يختفي حين ينظر إليها. إنها من الجمل القليلة التي منحها لصحافة طالبته، مرة بعد أخرى، لخمسين عامًا بأن يشرح نفسه.
وفي حزيران/يونيو الماضي، وقف دي نيرو عند طرف تلك القاعة يصفّق مع ابنته. وحين بدأت الأغنية التالية، لم يغادر مكانه؛ بل بقي هناك.



