يحوز صناع الأفلام الأدوات نفسها، لكن ما يقدمه أحدهم لا يتشابه بالضرورة مع ما يقدمه الآخر، وهذا الاختلاف هو أحد سنن الحياة الإبداعية، وما يكسبها مذاقًا مختلفًا. والفن السينمائي، وإن جاز اعتباره لا يزال في طور المراهقة مقارنة بفنون أقدم منه عمرًا كالأدب والمسرح، فإن ملامح التمرد فيه سبقت هذه المراهقة بكثير، إذ كانت بمثابة الظل الذي رافق عملية اكتشاف الوسيط لنفسه. لقد اختار السينمائيون الأوائل النهج الكلاسيكي للحكي الذي أرساه أرسطو للدراما، ومع استكشافهم لقدرات الوسيط، وتحديدًا فن المونتاج، توصلوا إلى طرقٍ عديدة لسرد القصص، حتى اتجه بعض الفنانين للتعبير عن رؤاهم وانفعالاتهم الفنية بطرق مغايرة، فغرّدوا خارج السرب، وأصبح لكل منهم بصمة خاصة تحملها أعمالهم. غير أن هذا الخروج عن السرب ظل لعقود ممارسة بلا اسم، وإحساسًا فنيًا أكثر منه موقفًا نقديًا معلنًا.
لم يكتسب هذا الإحساس اسمًا ولا منهجًا إلا عام 1948، حين كتب الناقد الفرنسي ألكسندر أستروك مقالته الشهيرة عن "الكاميرا-قلم" (Naissance d'une nouvelle avant-garde : la caméra-stylo)، طارحًا فيها أن الكاميرا يمكن أن تصبح أداة تعبير شخصي بنفس مرونة القلم في يد الروائي، وأن المخرج لا يقل عن الكاتب في قدرته على صياغة رؤية فكرية متكاملة من خلال الصورة وحدها. لكن من رسّخ الفكرة كمنهج نقدي كان أندريه بازان ونقاد مجلة "كراسات السينما"، حين ميزوا بين المخرج-الحرفي الذي ينفذ نصًا بإتقان، والمخرج-المؤلف الذي تتكرر بصمته الأسلوبية والفكرية عبر أعماله المختلفة، بصرف النظر عن تنوع موضوعاتها.
لا يولد التوقيع الشخصي لصانع اﻷفلام من فراغ مؤسسي. فالاستوديو الكبير، بمنطقه التجاري وحساباته الجماهيرية، كثيرًا ما يصطدم برغبة المخرج المؤلف في فرض رؤيته كاملة دون تنازل. من هنا أصبحت الاستقلالية الإنتاجية شرطًا عمليًا يتيح للمؤلف ممارسة حريته في الموضوع والإيقاع والشكل، بمعزل عن منطق السوق، متخطية بذلك التصنيف الاقتصادي الذي تحدده الميزانية. أصبحت الاستقلالية، وفق هذا المعنى، الأرضية التي تنمو عليها سينما المؤلف.
مفهوم سينما المؤلف، في صورته الأصلية، كان تمردًا على تقليد سينمائي راسخ؛ "السينما الراقية" الفرنسية التي رأى فيها أصحاب "الموجة الفرنسية الجديدة" أدبًا مصورًا ولم تكن فنًا بصريًا مستقلًا بذاته. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا يعني "التوقيع الشخصي" حين يأتي المخرج من سياق وطني لم تتشكل فيه بعد تقاليد سينمائية راسخة يمكن التمرد عليها أصلًا؟
هذا بالضبط موقع المخرج السعودي اليوم من هذا المفهوم. فإن كانت الموجة الفرنسية الجديدة قد ولدت من رفض واضح المعالم، فمن يصنع السينما في السعودية اليوم يرث بالفعل القواعد الكلاسيكية كاملة دون أن يملك، على المستوى المحلي، خصمًا متجسدًا في تيار سينمائي سائد يتموضع ضده. صحيح أن صناعة سينمائية تجارية بدأت تتشكل في المملكة منذ افتتاح دور العرض عام 2018، غير أنها صناعة لا تزال ترسّخ نفسها تدريجيًا في مواجهة هيمنة الإنتاج الأجنبي على شباك التذاكر، ولم تتبلور بعد في تقليد جمالي ناضج بالمعنى الذي يفترضه التمرد النقدي. المفارقة أن غياب الخصم بهذا الشكل لا يمنح حرية أكبر، لكنه يزيل المعيار الذي يُقاس على أساسه "الجديد" نفسه.
كانت البداية في السبعينيات مع المخرج الكبير عبدالله المحيسن، الذي وضع اللبنة اﻷولى لفن السينما على أرض المملكة، ثم تلته فيما بعد، مع بداية اﻷلفية، هيفاء المنصور، ومجموعة قطيف فريندز، ثم مجموعة تلاشي، وغيرهم. لكن مثلما وضح الكاتب والناقد خالد ربيع في كتابه "السينما المستقلة"، لم يكن هناك وجود لمصطلح السينما المستقلة وقتئذ، ورغم ذلك، ينطبق المفهوم وفق المدلول الغربي المتعارف عليه على أعمال مثل «بركة يقابل بركة» للمخرج محمود صباغ الذي تمكن من خلال أسلوبه الفني الواقعي من توجيه الأنظار إلى مسار جديد ومختلف للسينما في السعودية، وخصوصًا بعد تأسيسه لشركة الحوش للإنتاج الفني في جدة، وهي أول شركة سعودية متخصصة في مجال إنتاج اﻷفلام المستقلة، وابتكر فكرة سينما الحوش وهي سينما آرت هاوس، وتُعد من أوائل مبادرات السينما المستقلة في المملكة العربية السعودية.
في هذا السياق، تُعد المخرجة جيجي حزيمة نموذجًا متميزًا في المشهد السينمائي المستقل، مما يدفع السؤال إلى أقصى حدوده. فهي لا تكتفي بغياب الصورة المكتملة التي تحدد ملامح التيار السينمائي السائد، وإنما تتبنى موقفًا فنيًا يرفض أي تموضع جغرافيٍّ من الأساس. وقد عبرت حزيمة، في أكثر من حوار، عن ضيقها من إلحاح النقاد والمهرجانات على ربط أعمالها بهويتها السعودية، معتبرةً أن هذا الإلحاح نوع من القيد يُفرض على الفنان.
نشأت حزيمة في وقت لم يكن للسينما أي حضور بارز في المملكة، درست الإخراج في بريطانيا والولايات المتحدة، ثم شاركت في تأسيس شركة إنتاج خاصة بها في عام 2013، وهي Look At The Wall Productions، وقدمت حتى اﻵن عددًا من اﻷعمال القصيرة والطويلة منها «نافذة» (Window, 2009)، «السترة الزرقاء» (Blue Sweater, 2010)، ثم أولى تجاربها الروائية الطويلة «هو ينتمي لنا» (2017 ,He Belongs To Us)، وبعدها فيلم «ذلك المكان المهجور» (That Abandoned Place, 2021)، وأخيرا، أحدث أفلامها «ثم يأتي الشتاء» (And Then Comes Winter, 2026).
يرتبط مفهوم الاستقلالية عند حزيمة بمصدر الدافع وليس بحجم الميزانية. فهي ترى أن الفيلم المستقل ينبع من تجربة شخصية وحاجة داخلية إلى المواجهة والفهم، بعيدًا عن منطق السوق أو حسابات الخوارزميات. وتشير إلى أن كلمة "مستقل" تعرضت لتسطيح في الاستخدام المعاصر، حيث توظفها استديوهات كبرى تسويقيًا، رغم أن إنتاجها لا يخضع فعليًا للمعايير التي تحدد الاستقلال؛ كالتمويل والصناعة بمعزل عن مؤسسات الصناعة المهيمنة، والمخاطرة الفردية، والحرية الكاملة في الشكل والمضمون. وتفرّق حزيمة بوعيٍ بين الاستقلالية كتصنيف إنتاجي رخيص التكلفة، والاستقلالية كموقف فكري متكامل، وهو بالضبط الفارق الذي يقرب صانع الأفلام من مفهوم "المؤلف" كما تطوَّر في كتابات نقاد كراسات السينما. كذلك تربط هذا المفهوم ببعد آخر علاجي، بمعنى أن مشاهدة فيلم صادق، في رؤيتها، تتيح للمُشاهد مواجهة جوانب دفينة من ذاته.
تتمتع سينماها بسمات ومواضيع متواترة تجعلها تندرج تحت خانة سينما المؤلف، مثل اعتمادها على الصمت كأداة تعبيرية موازية للحوار، وتفضيلها للإيقاع البطيء كوسيلة تمنح اللقطة "روحها" وعمقها، وذلك عبر تعاملها مع الزمن ككائن حي يتنفس داخل الكادر، وميلها إلى ترك مساحة للغموض بدلًا من الشرح المباشر، انطلاقًا من قناعتها بأن السينما الجيدة لا تشرح بقدر ما تحفز المشاهد على الشعور. بالإضافة إلى توظيفها لموضوعات وجودية متكررة مثل الخوف، الهشاشة، البحث عن المعنى. وانطلاقًا من هذه السمات اﻷسلوبية والسردية فإن أفلامها تبدو امتدادًا لشخصيتها ورؤيتها الخاصة للعالم، وتعبيرًا عن هواجسها وأسئلتها بوصفها إنسانة قبل أن تكون صانعة أفلام.
لم تتوقف حزيمة عند صياغة موقف فني داخل أفلامها، إذ امتدت رؤيتها إلى مشروع مؤسسي قائم بذاته. ففي التاسع من يوليو، تستقبل باريس الدورة الأولى من "صالون السينما السعودية المستقلة"، وهو فعالية ثقافية فنية سنوية أطلقتها حزيمة بالشراكة مع المدرسة العليا للسينما ESRA، بهدف إعادة تقديم السينما كفن حي ومساحة للتأمل والحوار، بعيدًا عن الاستهلاك السريع والصيغ التجارية. يجمع برنامج الصالون بين عرض فيلمها «ثم يأتي الشتاء» وباقة من الأفلام القصيرة لمخرجين ومخرجات من السعودية، يُعرض بعضها لأول مرة على الجمهور الأوروبي، إلى جانب نقاشات فنية مع فنانين ونقاد بالإضافة إلى معرض للفنون البصرية. ويأتي المشروع تحت مظلة شركة الإنتاج الخاصة بها، بالشراكة مع مدرسة ESRA "إيسرا" الفرنسية، وسينما حي التابعة لمؤسسة "فن جميل"، ومعهد العالم العربي في فرنسا.
لا تكمن قيمة الصالون الحقيقية في برنامجه بقدر ما تكمن في موقعه الرمزي، فهو، كما تصفه حزيمة، استعادة لروح الصالونات الثقافية بصيغة معاصرة، تسد فراغًا بين العرض المؤسسي السريع وبين فضاء نقدي حميمي يراكم جمهورًا وذاكرة سينمائية مستمرة. وهو، فوق ذلك، أول مبادرة من نوعها في تاريخ السينما السعودية تقودها مخرجة مستقلة برؤيتها الشخصية، خارج أي مظلة رسمية.
السينما المستقلة عند جيجي حزيمة هي اﻷساس الذي بدأ منه كل شيء، وهذا أمر نتفق عليه إذا ما نظرنا إلى ما أقدم عليه فنان مثل تشارلي تشابلن حينما وجد نفسه مقيّدًا بقوالب الاستوديوهات الكبرى، لم يكتفِ بالاحتجاج الفني، فأسّس مع مخرجين وممثلين آخرين شركة "يونايتد آرتيستس" ليضمن لنفسه ولرفاقه حرية الإنتاج والتوزيع بمعزل عن سلطة الاستوديو. كان تشابلن، وقتها، يدرك أن "التوقيع الشخصي" لا يكفي وحده؛ فالمؤلف يحتاج أحيانًا إلى بناء المساحة التي يحمي فيها بصمته الخاصة.
هذا بالضبط ما يكرره المشهد السعودي اليوم على نطاق أوسع، من محمود صباغ الذي لم يكتفِ بإخراج أفلامه، وأسس سينما الحوش لتكون منزلًا لأفلام ذات نبرة مغايرة، إلى جيجي حزيمة التي لم تكتفِ برفض الهوية الجاهزة في أعمالها، لتقدم درجة جديدة ترتقي بها في سلم السينما المستقلة السعودية من خلال مشروع الصالون الذي يسعى إلى احتضان أصوات المخرجين المؤلفين السعوديين ويوفر لهم منبرًا يقدمون من خلاله رؤيتهم الفريدة للعالم.



