المقدمة
ثمة متعة شبيهة بما ينتج عن حل مسألة شطرنجية، تلازمني كلما وقفت أمام سردٍ محكمِ الصنع؛ متعة لا تكتمل بالوصول إلى الحل، بل بأناقة الطريق المؤدّي إليه. هذا ما وصفه فلاديمير نابوكوف (Vladimir Nabokov) حين ربط بين حل المسألة الشطرنجية وصناعة الأدب الحقيقي، معتبرًا أن التركيبة الجيدة لا بد أن تحمل نصيبها من الخداع المتقن والأصالة. هذا الانجذاب إلى الألغاز التي تُذاق ببطء هو الخيط الشخصي الذي يجمعني بفيلمين لا تبدو بينهما، للوهلة الأولى، أي قرابة: «المخمل الأزرق» (Blue Velvet, 1986) لديفيد لينش، و«أن تكون جون مالكوفيتش» (Being John Malkovich, 1999) لسبايك جونز وتشارلي كوفمان.
وقد وجدت صدًى لهذا الإحساس في مقابلة أجراها الناقد نويل موراي مع تشارلي كوفمان عام 2008، حين سُئل عن علاقة تجربته السينمائية بديفيد لينش، إذ أشاد بالأهمية التي يحوز عليها لينش بالنسبة إليه بوصفه مخرجًا وكاتبًا، قبل أن يُضيف: «أحلام ديفيد لينش تختلف عن أحلامي»؛ وهي عبارة لا تنفي القرابة بين العملين، لكنها ترفض بوضوح اختزالها في تأثرٍ مباشر.
هذا الرفض ينسجم تمامًا مع الاختيار المنهجي الذي تتبناه هذه القراءة؛ فهي تتوافق مع الدراسات المقارنة الحديثة التي تخلّت عن فكرة البحث عن التأثير والتأثر (أي محاولة إثبات من استعار الفكرة من الآخر). بدلًا من ذلك، نتبنّى هنا ما يُعرف بـ«المقاربة البينية والتحليل المتوازي»، وهي منهجية تدرس وسائط فنية مختلفة جنبًا إلى جنب كأعمال مستقلة تتقاطع في الأفكار، دون أن يكون أحدهما تابعًا للآخر. وبفضل هذا المنهج، يتوسّع مفهوم النص؛ ليُنظر إلى الفيلم السينمائي بوصفه «نصًا بصريًا» يمتلك لغته وعلاماته الخاصة، وقابلًا للتحليل والمقارنة شأنه شأن النص الأدبي.
وفي ضوء هذه المنهجية، يتقاطع الفيلمان في لغزٍ واحدٍ يبدأ باكتشافٍ غير متوقع: ففي «المخمل الأزرق»، يُقاد الشاب جيفري إلى عالمٍ سفليٍّ من العنف يختبئ تحت سطح ضاحية أمريكية هادئة، بعد عثوره على أذن بشرية مقطوعة. وفي «أن تكون جون مالكوفيتش»، يكتشف محرك الدمى الفاشل كريغ ممرًا سريًا خلف خزانة ملفات يقود مباشرة إلى داخل وعي ممثل شهير.
ومن هنا ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية: أن كلا الفلمين لا يجعلان من التلصص مجرد موضوع يُروى، وإنما الآلية التي تُبنى بها الرؤية نفسها ويتفرع عنها السرد بأكمله. ولتتبع هذا اللغز، يمضي المقال في مسارين: الأول يكشف كيف تُصاغ افتتاحية كل فيلم وعتبته السردية، والثاني يرصد ما يحدث حين تُبتلع الشخصية داخل هذا اللغز بعد عبور العتبة.
التلصص: من التحليل النفسي إلى «الآلة السينمائية»
بدأ مفهوم التلصص (voyeurism) في حقل التحليل النفسي عند سيجموند فرويد (Sigmund Freud)، الذي سمّاه اللذة البصرية؛ وهو دافع يقوم على المتعة المستمدة من النظر إلى الآخرين، بوصفهم موضوعًا للفرجة والتأمل. ثم عمّق جاك لاكان (Jacques Lacan) هذا المفهوم بربطه بالوجود والسيطرة، فاعتبر أن الإنسان مرئيٌّ من العالم قبل أن يرى العالم نفسه، وبالتالي فإن الشخص المتلصص يحاول بهذا الفعل استعادة سيطرة وهمية لا يملكها في الحقيقة. مع لورا مولفي (Laura Mulvey) انتقل هذا المفهوم في مقالتها (Visual Pleasure and Narrative Cinema (1975 إلى الشاشة، وفيها اعتبرت السينما «آلة تلصص» كبرى؛ فالفيلم يدمج ثلاث نظرات معًا: نظرة الكاميرا، ونظرة الشخصية، ونظرة المشاهد، ليتحوّل المتفرج القابع في عتمة الصالة إلى متلصص خفي يراقب حيوات الآخرين دون أن يراه أحد.
غير أن الفيلمين هنا لا يستعيران هذا الإطار لتفسير كيفية مشاهدتهما، بل ينقلانه من خارج الفيلم إلى داخله؛ فالتلصص لا يبقى أداة نقدية، بل يتحوّل إلى قوة تصنع السرد في عالم الفيلم، تحرك الشخصيات وتقرر من يملك حق النظر ومتى يفقده.
الافتتاحية: هندسة النظر
لا تبدأ افتتاحية «المخمل الأزرق» بتعريف الشخصيات، إذ يستهل المخرج الفيلم بلوحةٍ عن الضواحي الأمريكية المثالية في الخمسينيات: سياج أبيض، سماء زرقاء صافية، ورود حمراء تتمايل. وبينما يسقي الأب حديقته، يصاب بسكتة مفاجئة فيهوي أرضًا، والخرطوم لا يزال يخر ماءً بلا توقف. هنا، وبدل أن تتبع الكاميرا الأب الساقط، تنخفض ببطء تحت سطح العشب لتكشف عالمًا من الخنافس تتقاتل بعنف صامت لا يصل صداه إلى العالم الخارجي. هذا الانخفاض ليس مجرد انتقال بصري، لكنه إعلان منهجي لمشهدية لينش، بحيث يخبرنا -قبل معرفة اسم أي بطل من أبطال الفيلم- أن الأهمية توجد حيث تريدك الكاميرا أن تنظر، لا حيث تتوقع أنت.
أما في فيلم «أن تكون جون مالكوفيتش»، تبدأ الافتتاحية على خشبة صغيرة، إذ تتلوى دمية بحركات متشنجة في عرض كريغ شوارتز المعنون «رقصة كريغ لليأس وخيبة الأمل»، الذي يعكس إحباط صانعها أكثر مما يروي حكايةً مستقلة. لا يُقدَّم كريغ بوصفه محرك دمى موهوبًا فحسب، وإنما يزرع، منذ الدقيقة الأولى، فكرة الإنابة: أي أن يعيش المرء عبر جسدٍ آخر، وأن يُسقط رغباته وإحباطاته على وعاء آخر. وحين يعثر كريغ لاحقًا على الممر السري خلف خزانة الملفات، المؤدّي مباشرة إلى وعي الممثل جون مالكوفيتش، لا يبدو الأمر معجزةً غريبةً عن الفيلم، وإنما تحقيقًا لما أعلنته الدمية منذ المشهد الأول.
وعلى اختلاف اللغتين البصريَتين، تؤدي الافتتاحيتان الوظيفةَ نفسها: كلتاهما تخفيان حل اللغز في مكان ظاهر أمام أعيننا منذ اللحظة الأولى، لكنهما تنتظران منا أن نعيد النظر من جديد لنراه. فالعالم، في الفيلمين، لا يكشف نفسه، بل يفرض على الشخصية، وعلى المشاهد، أن يعيد صياغة شروط دخوله إليه. ومن هنا، لا تصبح البداية تمهيدًا للحكاية بقدر ما تصبح تمهيدًا لفعل النظر نفسه.
العتبة: ثقوب في جدار السرد
إذا كانت الافتتاحية قد أعلنت أن الواقع ليس سوى طبقته الأولى، فإن العبور إلى الطبقة الثانية لا يتم تلقائيًا، بل يحتاج إلى عتبة: لحظةٍ تتحوّل فيها الرغبة الكامنة إلى عنصر فاعل، فتمنحُ الشخصية إذن الدخول إلى اللغز.
في «المخمل الأزرق»، تحضر أُذنٌ بشرية مقطوعة، ملقاة بين أعشاب حقل مهجور، يعثر عليها بومونت ليدخل بعدها عالمًا آخر. هنا لا تعمل الأذن كدليل بوليسي يقود إلى مجرم بعينه، بقدر ما تستدعي جيفري إلى عالم يحكمه منطق الحلم والرمز مبتعدًا بذلك عن سببية الواقع. وتصبح الأذن نقطةَ انكسارٍ دائمةٍ بين عالمين -لا موضوعًا يفسَّر ويغلق ملفه- مُعلنةً عن أسلوبية لينش السرياليةَ التي تُدخل الرعب القوطي إلى قلب الألفة اليومية، فتُعيد تشكيل الواقع عبر الصورة أكثر مما تفسره بالمنطق، إذ يكملُ الصورةَ المرجوةَ قولُ فرانك بوث: «افعليها من أجل فان غوخ» (ويقصد بها دون، زوج دوروثي).
بينما يقدِّم كوفمان عتبته في طابقٍ مكتبيٍّ لا يتجاوز ارتفاعه نصف طابق عادي، يُعرف بالطابق 7 ½ ، حيث يضطر الموظفون إلى التحرك منحنين تحت سقف منخفض بشكل عبثي. هذه البيروقراطية الكافكاوية الهزلية، والمحكومة بميثولوجيا أمريكية خاصة، تسبق الباب الصغير المؤدّي إلى داخل وعي جون مالكوفيتش. وهنا تبدو العتبة في «أن تكون جون مالكوفيتش» أكثر حلولية وجذرية، لا تُعطى كرمز كما عند لينش، ولا كعنصر مادي مؤكد، بل كعنصر نقدي يطرح أسئلة لا تتعلق باللاوعي عند مالكوفيتش نفسه، ولا تفسّره، وتجعل من المتطفلين أنفسهم مادة للتساؤل والتفكيك.
وفي كلتا الصيغتين، تؤدي العتبة في الفيلمين الوظيفةَ نفسها؛ فهي ليست مدخلًا إلى الأحداث فحسب، لكنها كذلك اللحظةُ التي يتحوّل فيها التلصص (voyeurism) من رغبة في اكتشاف العالم إلى القوة التي تصنع العالم السردي نفسه.
ما وراء العتبة: مآلات التلصص
ما إن تُعبر العتبة حتى يبدأ الاختلاف الحقيقي بين الفيلمين، وكأن كل واحد منهما يفتح بابًا صغيرًا على قواعد لعبته الخاصة. فجيفري لا يبدأ متلصصًا من الأساس، بل مشاهدًا شرعيًا: يرافق ساندي إلى ملهى «Slow Club» ليريا دوروثي، المغنية المحترفة هناك، تؤدي أغنيتها أمام جمهورٍ يضم فرانك بوث نفسه. لكن هذا الموقع العلني سرعان ما ينزلق إلى ضده: ففي عتمة خزانة ملابسها، يختبئ جيفري ليراقبها من بين الشقوق، بينما تتحوّل الكاميرا إلى امتداد لنظرته، فيغدو المشاهد شريكًا في فعل التلصص وليس مجرد متتبّع له. غير أن لينش لا يمنح هذه النظرة حصانةً تدوم؛ فما إن تكشف دوروثي وجود جيفري حتى ينقلب موقعه من مراقِب إلى مراقَب، ثم يتصاعد المشهد مع فرانك بوث -بعد أن يختبئ جيفري- بتذبذبه اللساني الحاد مع دوروثي؛ فما إن يُستدعى بوصفه رضيعًا (Baby)، حتى يرتد لفرض سلطته الأبوية معلنًا: «أنا دادي» (Daddy). لكن هذا التموضع السلطوي سرعان ما يتفكك تحت وطأة ارتداد سيكولوجي حاد، ليعود مستجديًا حضور «مامي» (Mommy) ومتقمصًا دور (Baby). هذا التناوب المحموم يجسّد ازدواجية الحق في النظر؛ بل ويفرض بعدها على دوروثي أن «تغني» أمامه بينما يراقبها، لكنه في اللحظة نفسها يمنع أي أحد من النظر إليه أثناء أدائه لعنفه، وكأن حق النظر عنده امتيازٌ لا يُمنح إلا للمتسلط، وهنا لا يمثل فقط كمتسلط بل وكمبادل أدوار مسرحي.
ويبلغ هذا الامتياز ذروته المسرحية، حين يُجبر فرانك الرجل الملقب بِـ«بن» على تمثيل أغنية «In Dreams» بمصباح يدوي يستخدمُه كإضاءةٍ لمسرحٍ مصغّر أمام عصابته وجيفري معًا؛ فتتحوّل الغرفة، للحظة، إلى خشبة قسرية، ويتحوّل من فيها إلى جمهور مجبَر لا يملك حتى حق الرفض. وربما ليس من قبيل الصدفة أن يتسلل المسرح بهذا الشكل إلى قلب الفيلم، وأن يحمل جيفري اسم عائلة «بومونت»، الذي يبدو وكأنه يستدعي الكاتب الإنجليزي فرنسيس بومونت (Francis Beaumont) ومسرحيته «فارس المدقة المحترقة» (The Knight of the Burning Pestle, 1607)، والتي يقتحم فيها متفرجان خشبةَ المسرح ليصبحا جزءًا من الحكاية التي جاءا لمشاهدتها؛ فجيفري يُعيد مصيرهما نفسه: يدخل بصفته ناظرًا، لكنه سرعان ما يُبتلع داخل المشهد ذاته. بل إن التلصص، هنا، يعيد كذلك تشكيل علاقة الشخصيات ببعضها بعضًا، بوصفها مراقِبة ومراقَبة في آن واحد، بحيث تتبدّل مواقعها باستمرار، ويبدو العالم محكومًا بشبكة من الأدوار الرمزية أشبه بالنماذج الأولية.
وعلى الجهة الأخرى، لا تكتفي شخصيات «أن تكون جون مالكوفيتش» بمراقبة أحد من بعيد، بل تدخل مباشرة إلى الداخل، وتتصاعد سلطتها على الجسد المستعار كلما طال المكوث بداخله. بل إن أول ما يفعله كريغ وماكسين بالممر، قبل أي استثمارٍ شخصيٍّ فيه، هو تسليعه: فيحوّلانه إلى منفذ تجاري بتذكرة ثمنها مائتا دولار للدقائق الخمس عشرة، فيغدو وعي مالكوفيتش، الذي كان حتى تلك اللحظة عتبة تُقتحَم خلسةً، منتجًا استهلاكيًا يصطف الغرباء لشرائه بالدقيقة؛ وبهذا التسليع المبكر تنكسر حدود الذات قبل أن تُنتهك بأي علاقة فردية، إذ يتحوّل الوعي من امتيازٍ يُسرَق إلى سلعة تُباع وتُشترى بحرية. وعلى الصعيد الشخصي، بعد أن يكتفي كريغ ولوتي بخمس عشرة دقيقة سياحية ينتهيان بعدها على قارعة نفق نيوجيرسي، تتحوّل العلاقة على مائدة العشاء الثلاثي إلى مثلثِ رغبةٍ متذبذب؛ فماكسين لا تنجذب إلى كريغ أو لوتي بوصفهما ذاتين مستقلتين، بل إلى من يشغل الجسد في تلك اللحظة بعينها، فتنفصل الرغبة عن الجسد الأصلي وتلتصق بالموقع الذي يُدار منه. ثم يتقن كريغ التحكم الكامل بجسد مالكوفيتش كما لو كان دميةً من خشب، فيجد أخيرًا مسرحه الأكبر حين يحوّل دميته الخاصة أمام جمهور يحسبه «محرك دمى عبقريًا» دون أن يعرف أن العرض يُدار من الداخل؛ وفي هذا يلتقي الفيلمان من جديد: فكما حوّل فرانك بوث «بن» إلى مؤدٍّ قسري على خشبة مصغّرة، يحوّل كريغ مالكوفيتش إلى دمية قسرية على خشبة حقيقية، إلا أن جمهور الأخير لا يعرف أنه يشهد عرضًا قسريًا أصلًا، وهو ما يجعل تلصص كريغ أشد خطورة من تلصص جيفري: الأول يُكتشف ويُعاقب علنًا، والثاني يظل خفيًا حتى عن ضحيته.
ويبلغ الفيلم ذروته في مشهد «مالكوفيتش داخل مالكوفيتش»، حين يدخل مالكوفيتش نفسه الممر فيجد عالمًا كابوسيًا لا وجه فيه سوى وجهه ولا كلمة سوى اسمه، في تجسيدٍ شبه حرفي لفكرة لاكان التي افتتح بها المقال: أن يواجه المرء نفسه صورةً خالصة معروضةً للنظر لا ذاتًا فاعلة تنظر. ويكتمل انهيار فكرة الذات المستقرة في مصير كريغ، الذي ينتهي عالقًا داخل وعي إيميلي، ابنة ماكسين ولوتي، يراقب سعادتهما دون قدرة على الفعل أو الخروج؛ فمن متلصصٍ سلبيٍّ إلى فاعل يمتلك الجسد ويحوّله دميةً، إلى عقاب وجودي بالارتداد الأبدي إلى تلصص خالص، مُعاكسٍ لعقاب جيفري الجسدي عند لينش بالكامل، لكن موازٍ له وظيفيًا؛ من هنا تكشف نهاية الفيلم أن امتلاكَ حياة الآخر لا يُفضي إلى اكتمال الذات فحسب، بل إلى شكلٍ جديدٍ من سردية الميتاسرد (Meta Narrative). وحتى في الاسم يفترق المساران بقدر افتراق التجربتين: فـ«بومونت» عند لينش إحالة كلاسيكية إلى تراث مسرحي يعود لأربعة قرون، أما «جون هوراشيو مالكوفيتش» عند كوفمان، فيسلك مسارًا مختلفًا؛ فهو ليس اسمًا متخيَّلًا بالكامل، إذ يستدعي هو الآخر وعاءً أدبيًا سابقًا هو «هوراشيو»، إلا أن اسم الممثل نفسه حقيقي، فيُستعار بشكلٍ هزليٍّ ما بعد حداثي بوصفه إشارةً لوعاء أدبي داخل إحالةٍ ذاتية الجوهر.
وبهذا يتخطى التلصص في الفيلمين كونه فعلًا بصريًا أو رغبة في الوصول، ليغدو المبدأ الذي ينظم العالم من الداخل: يعيد لينش به توزيع العلاقات بين الشخصيات كنماذج أولية بالمشهدية القوطية والسريالية المسرحية، حتى يصبح النظر نفسه فعلًا له ثمن وتبعات، بينما يحوّله كوفمان إلى وسيلة لتفكيك حدود الذات وإعادة توزيع الرغبة بين أجساد متعددة. وحتى في اختيار الأسماء، يبدو الفيلمان وكأنهما يلعبان اللعبة نفسها بقواعد مختلفة: أحدهما يستدعي وعاءه من الأدب الكلاسيكي، والآخر يستعيره من الواقع ما بعد الحداثي.
الخاتمة
ختامًا، يكمن التقاطع بين «المخمل الأزرق» و«أن تكون جون مالكوفيتش» في انطلاقهما من الآلية السردية ذاتها، لا في تشابه الموضوعات. وبذلك يجعلان من التلصصِ القوةَ التي تدفع السرد إلى الأمام، ومن العتبةِ الوسيطَ الذي ينقل الشخصية من العالم الظاهر إلى عالم آخر؛ إلا أن هذا العالم الآخر يتخذ طبيعتين متباينتين تمام التباين. فضاءُ لينش سرياليٌّ تحكمه أدوارٌ رمزيةٌ تتداور بفعل التلصص، فيصبح المتلصص جزءًا منها ويدفع ثمن نظرته. أما فضاء كوفمان فيفتح الباب أمام تفكك الهوية وسيولة الرغبة، بحيث يغدو الآخر مكانًا يُسكن فيه أكثر من كونه شخصًا يُنظر إليه.
ولهذا فإن قيمة هذه المقاربة تكمن في إظهار كيف يمكن لآلية سردية واحدة أن تفضي، حين تمر عبر رؤيتين سينمائيتين متباينتين تمامًا للعالم، إلى نتيجتين مختلفتين تمام الاختلاف: إحداهما تُسائل المُشاهد أخلاقيًا عبر إدخاله في العالم الذي يراقبه، والأخرى تسائله وجوديًا عبر زعزعة يقينه بحدود ذاته.
وربما لهذا لا يخرج المشاهد من الفيلمين حاملًا إجابة عن التلصص، لكن بتجربةٍ تجعله يُعيد التفكير في موقعه هو داخل الصورة.



