من المؤكد أن الثناء والتهليل العامين اللذين كانا من نصيب فيلم مارتن سكورسيزي الأخير منذ عرضه خلال الدورة الفائتة لمهرجان (كان) الدولي، (قتلة زهرة القمر)، أتيا مستحقّين على أكثر من صعيد، وخصوصًا أن الإجماع أتى نقديًا وتشارك فيه نقاد عالميون كبار وجمهور غفير تدافع لمشاهدة الفيلم ليس في (كان) وحدها وإنما في العدد الأكبر من الصالات التي عرضته خلال بدايات هذا الخريف في شتى مدن العالم. غير أن معظم الذين تحدثوا عن هذا الفيلم رأوا أنه واحد من الأفلام السينمائية الأمريكية الأولى التي تنصف الهنود الحمر، سكان البلاد الأصليين، مركِّزة على كونهم قد عُوملوا على الدوام في التاريخ الأميركي الحديث بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، وكأنهم ليسوا هم أصحاب أمريكا الأصليين.
والحقيقة أن هذا -الجانب الأخير من الكلام- صحيح ولا يمكن دحضه، لكن فيلم سكورسيزي لم يكن بأية حال من الأحوال (أول فيلم تحققه هوليوود) حول هذا الموضوع. بل إن فيلم سكورسيزي إنما هو عمل إبداعي ينتمي فكريًا وأخلاقيًا إلى سلسلة طويلة تكاد تشكل في ذاتها تيارًا على حدة في تاريخ السينما الأمريكية. ولئن كان هذا التيار قد برز بقوة وصلابة، حاملًا لغة اتهامية تصل إلى حدود الفضح في أغلب الأحيان (منذ ظهور ما يسمى بـ(هوليوود) الجديدة، أي المسيّسة والغاضبة منذ بدايات سنوات السبعين من القرن العشرين بالتواكب مع ما نسميه (ثورة أصحاب اللحى) التي نعرف أنها ثوّرت هوليوود جماليًا ولكن سياسيًا وإيديولوجيًا كذلك، وكانت لإعادة السينما الاعتبار إلى الهنود الحمر في سياق الاحتجاج السينمائي الفكري على حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت وسواهما من موبقات طبعت التاريخ الأميركي الحديث والمعاصر، كانت لها حصة كبيرة من تلك (الثورة الهوليوودية)، فإن إنصاف الهنود يعود إلى أقدم من ذلك.
بل لعل في وسعنا هنا أن نذكر اسمًا واحدًا على سبيل المثال لتتضح الصورة من حيث لا نتوقّع: اسم جون فورد الذي بعد عقود طويلة من تحقيقه أفلام (رعاة البقر) و(الغرب الأمريكي) و(الهنود الحمر)، رأيناه في سينما سنواته الأخيرة يحقق عددًا من الأفلام المفاجئة والتي يمكن اعتبار كل واحد منها فعل إنصاف بل تعاطف حتى، في حق سكان البلاد الأصليين. ومن تلك الأفلام بالطبع (خريف الشايين) و(الباحثون).. ولكن لئن بقي فورد في أفلامه هذه عند حدود المسعى الأخلاقي بعيدًا بعض الشيء عن السياسة والغوص السوسيولوجي في تاريخ العلاقة بين تأسيس (إمبراطورية العالم الجديد) ومنسيّيها الذي جرى التوافق في أحسن الأحوال على خصّهم بمنغلقات جغرافية يعيشون فيها على سجيتهم وكأنهم نزلاء منتجعات صحية، فإن جيلًا بأسره من سينمائيي الأجيال التالية لفورد ومَن سار على دربه من هاوارد هاوكس وراؤول وولش ونيكولاس راي وباد بوتتشر وغيرهم، أتى في الستينيات والسبعينيات ليعوض وبعنف ومرارة على النقص الذي أحسوه في سينما أولئك الآباء مع احترامهم لهم.
ولعل في إمكاننا هنا أن نتوقف عند بضعة أسماء تُعتبر على أية حال إرهاصًا ببروز (أصحاب اللحى) وثورتهم التغييرية، كما لعل في إمكاننا أيضًا أن نشير على الأقل ولو إلى فيلم واحد من توقيع كل واحد من أولئك المخرجين دون أن يكون اهتمامنا هنا منحصرًا بهم إلا على سبيل النمذجة، بل حتى على اعتبار أن تلك الأفلام رسمت سقوفًا بالغة الارتفاع لقدرة السينما الهوليوودية -أي سينما الاستديوهات (غير المستقلة) وغير المعروفة بحسها النضالي المشاكس بالتأكيد- على تحمل والدفاع عن قضايا شائكة مثل قضية الهنود الحمر. كانت تلك السينما قادرة في أحسن الأحوال على التصفيق لتلك الصبية الهندية التي بعث بها مارلون براندو لتلقي من على منصة جوائز الأكاديمية في العام 1971 خطابًا تعلن فيه رفض (نجم النجوم) الجائزة التي مُنحت له، جائزة أوسكار لأفضل ممثل عن دوره في الجزء الأول من فيلم (العراب) وتحديدًا (احتجاجًا منه على سوء تعامل هوليوود مع الهنود الحمر وتاريخهم).
كُثّر نظروا حينها إلى خطوة براندو باعتبارها فعلًا ثوريًا، لكن هؤلاء كانوا في الحقيقة في إزاء مفاجأة من العيار الثقيل تنتظرهم. ولنقل إن تلك المفاجأة كانت تتعلق تحديدًا بالظلم، والظلم القاتل في معظم الأحيان، الذي يقع على الهنود الحمر منذ ما لا يقل عن نصف ألفية من السنين. وهي تقتصر على ثلاثة أفلام لثلاثة مخرجين تتالت أفلامهم لتشكل بدايات ذلك التيار الذي أشرنا إليه أعلاه والذي يحق لنا أن نعتبر (قتلة زهرة القمر) أحدث تجلياته، ومارتن سكورسيزي حامل عبء قضيته في فيلمه الذي لا يمكننا إلا أن نعتبره رغم كل شيء فيلمًا سكورسيزيًا بالكاد يخرج من عباءة الموضوعات الكبيرة المعتادة في سينما هذا الذي يُعتبر آخر الأحياء الكبار في السينما الأمريكية. ومع هذا ها نحن نراه يتطرق إلى موضوع بالكاد اقترب منه في أفلامه السابقة ليبدو الآن وكأنه لم يعالج سواه من موضوعات في مسيرته!
ولكن هنا، وقبل أن نعود في ختام حديثنا إلى هذا الفيلم السكورسيزي الكبير، لا بد من التوقف ولو عرضًا بعض الشيء عند الثلاثة الذين يمكننا أن نزعم أنهم كانوا مَن مهّد له الطريق: بوب رافلسون في (الجندي الأزرق) (1970)، وسيدني بولاك في (جيريميا جونسون) (1972)، وآرثر بن في (الرجل الصغير الكبير) (1970)، ففي كل واحد من هذه الأفلام، والتي تبدو أفلامُ فورد أو راي أو هاوكس بالمقارنة بها مجردَ فعل خير ينم عن نوايا طيبة، تعاملت السينما مع تاريخ أمريكا بوصفه تاريخ إجرام ومذابح وقتل. لم تعد المسألة هنا دعوة إلى المصالحة و(إعطاء كل ذي حق حقه) بل محاكمة حقيقية وواعية لتاريخ مسكوت عنه، ومسكوت عنه في هوليوود تحديدًا. والأدهى من هذا أن الأفلام الثلاثة والتي ستفتح الطريق عريضةً أمام عشرات الأفلام المشابهة تتلوها في النسغ نفسه على أية حال، أمام قول ما لم تكن السينما تجرؤ على قوله وتحديدًا باستخدام الأساليب الهوليوودية من الاستعانة بالنجوم والشاشة العريضة وشبكات التوزيع العالمية من دون أدنى تحايل على الرقابة.
في (الجندي الأزرق) لم يتردد رافلسون في اقتباسه رواية ثيودور ف. أولسن، عن إسناد البطولة إلى كانديس برغن وبيتر ستراوس في دوري امرأة هندية مشاكسة وجندي شاب يواجهان المجازر التي ترتكبها القوات العسكرية الأمريكية ارتكابًا مريعًا ضد الهنود الحمر الذين يقول لنا الفيلم إنهم فقط يدافعون عن وجودهم.. وفي (جيريميا جونسون) يصور سيدني بولاك جيريميا هذا (روبرت ردفورد في واحد من أقوى أدوار تاريخه السينمائي) وقد هرب من المدينة ليحاول العيش في توحد مع الطبيعة وروعة براءتها. وهو هناك يتعلم كيف يعيش وسط ناصبي الأفخاخ والهنود الحمر حيث يرتبط بفتاة منهم ليعيش حياتها في رفقة فتى يلتقطانه. لكن البيض والفاجعة يكونان له بالمرصاد فيتحول إيديولوجيًا إلى هندي يمارس انتقامه وقد تعلّم كما يقول لنا الفيلم، كيف أن الحرية متضافرة مع الجمال، لا يمكن الحصول عليها إلا بالمعاناة وبالعنف، نتلقاه ونمارسه في مواجهة من يبادرنا به. أما في (الرجل الصغير الكبير) فلدينا داستين هوفمان في دور (هندي) عجوز يكاد يبلغ المئة من العمر يروي الآن لصحافي يتحدث إليه حكاية حياته التي عاشها مندمجًا بالتدريج في حياة الهنود الحمر إلى درجة أنه يصبح واحدًا منهم.. لكنه ذات لحظة وإذ يجند بالقوة في صفوف الجيش الأميركي يشهد دون قدرة على التدخل بذلك الجيش وهو يجهز على قبيلته وعائلته..
هي ثلاث حالات نموذجية لتاريخ راحت السينما الهوليوودية تنكأ جراحه في زمن كانت جراح أمريكية كثيرة قد بدأت تُنكأ لتضع أمريكا أمام تاريخها. ومن هنا يمكننا أن نقول إن سكورسيزي الذي ما برح في معظم أفلامه الكبيرة ينكأ جراح بلاده التي أعلمنا منذ ملصق واحد من أفلامه الكبرى، (عصابات نيويورك)، أنها قد وُلدت في حثالة الشارع، كان في بداياته أكثر انشغالًا بالمافيا من أن ينظر إلى التاريخ من منظور معاناة الهنود الحمر. وهو لئن فعل ذلك في فيلمه الأخير، مقتربًا من حياة أولئك المغبونين، فما هذا إلا لأنه اكتشف من خلال الرواية التي اقتبسها في (قتلة زهرة القمر) تلك العلاقة بين المافيا وهنود الأوزانج ذوي الحكاية الخاصة، حكاية مكنته من أن يبقى عند (زعران) المافيا لينكأ جرحًا كبيرًا آخر في التاريخ الأميركي، جرحًا يتعلق بأولئك الهنود الذين طُردوا من مناطق يعيشون فيها إلى صحارى أوكلاهوما عند بدايات القرن العشرين. ثم حدث أن اكتشف النفط في تلك الأراضي الجدباء، وتحول الهنود إلى أثرياء على نحو استثنائي. فما العمل والقانون يحمي لهم ثرواتهم وقد باتوا يتعلمون الاستمتاع بها؟ الجواب بسيط: نفلت الطامعين ورجال العصابات ومَن شابههم للزواج ببنات الأوزانج ثم نتخلص منهن بالقتل البطيء لاستعادة ثروات (الأمة الأمريكية) الحقيقية البيضاء. وهذا تحديدًا ما يفعله ليوناردو دي كابريو بالتواطؤ مع عمه روبرت دي نيرو في أول لقاء بينهما في سينما سكورسيزي.
دي نيرو ودي كابريو؟ في فيلم له هذا البُعد المشاكس على سياسات التكتم الهوليوودية؟ حسنًا، لقد أخبرناكم أعلاه أن هذه السينما التي لا شك أنها الأكثر مشاكسة، حتى الآن، على التاريخ الأميركي لتفضح كل ما هو مسكوت عنه، إنما تُصنع بالتواطؤ بين سينمائيين كبار مفكرين وغاضبين، وبين نجوم كبار يضمنون لهذه الأفلام اجتذابًا مدهشًا للجمهور. ترى أوليست هذه السينما الثورية الهوليوودية الحقيقية أيضًا؟