سِفر الحضور: بورتريه عن جولييت بينوش

March 9, 2026

يحاول صحفي في مقهى صغير في باريس، أن يشرحَ للنادل أنه جاء لمقابلة جولييت بينوش. بحث الرجل في دفتر الحجوزات، ثم توقف لحظة، ثم رفع رأسه وسأل ببساطة: «من؟». بالنسبة إليه، كان الاسم عاديًا ولا يعني شيئًا. أما خارج ذلك المقهى، فكان الوضع مختلفًا تمامًا. خلال أربعة عقود أصبحت بينوش واحدةً من أبرز وجوه السينما العالمية، من دورها في «المريض الإنكليزي» (The English Patient, 1996) إلى تعاونها مع مخرجين مثل مايكل هانيكي وكريستوف كيشلوفسكي. ومع ذلك، ما زالت تتحرك في العالم بطريقة تجعل حضورها يبدو عاديًا، كأن الشهرة حدثت حولها أكثر مما سعت هي إليها. فسيرة حياة جولييت بينوش هي دراسة في التفكيك المعماري المتعمد للشهرة.

ولدت بينوش في عام 1964 لوالدين كانا يمارسان الفنون المسرحية، فوالدها مخرج ونحات، ووالدتها ممثلة ومدرسة. ترعرعت في بيئة كان فيها التمثيل المسرحي جزءًا من حياتها اليومية، وليس مجرد مهنة يمكن اختيارها. منحتها هذه النشأة وجهًا يحمل آثار التجارب التي مرت بها في حياتها ونقلتها إلى أدوارها. لذلك يبدو حضورها على الشاشة وكأنه يجمع بين مراحل مختلفة من حياتها. فعندما تؤدي دورَ الأم الحزينة في فيلم «ثلاثة ألوان؛ أزرق» (Three colors, Blue, 1993)، أو كممثلة في منتصف العمر في فيلم «غيوم سيلس ماريا» (Clouds of Sils Maria, 2014)، يستطيع المشاهد أن يرى أيضًا الشابةَ التي ظهرت في بداياتها، في فيلم «السلام عليك يا مريم» (Hail Mary, 1985) مع جان-لوك غودار.

تميزت السنوات الأولى من حياة بينوش برفضها الجذري للهياكل المؤسسية، فقد تركت المدرسة في سن الخامسة عشرة، مدفوعة بإحباط عميق من نظام شعرت أنه يحاول تثبيتها في حالة من "الجمود". كان أول ظهور سينمائي لها مع جان-لوك غودار تجربةً صعبة ومباشرة. علّمها غودار، المعروف باستخدامه للصمت كجزء أساسي من لغة أفلامه، أن الممثلة القوية لا تعتمد فقط على ما يظهر في الصورة، وإنما على ما يبقى خارجها أيضًا. تجربتها المبكّرة مع السينما التجريبية جعلتها تسلك طريقًا مختلفًا عن كثير من ممثلات جيلها. ففي الوقت الذي كانت فيه ممثلات أخريات في هوليوود يقدَّمن للجمهور من خلال صقل صورتهن النجمية، اختارت بينوش أدوارًا لا تقوم على إبراز جمالها التقليدي. فقد ظهرت كفتاة مشردة تعيش على هامش المجتمع في فيلم «عشاق على الجسر» (The lovers on the bridge, 1991)، ثم جسدت امرأة تعيش في عزلة وتكابد حزنًا عميقًا في فيلم «ثلاثة ألوان؛ أزرق».

لم يكن ابتعادها عن صورة النجمة التقليدية مجرد أسلوب مختلف، ولكنها كانت طريقةً لحماية نفسها من النهج الذي تتعامل به صناعة السينما مع الزمن. حيث تُقيَّم الممثلات في كثير من الحالات وفقَ معيار الشباب، ومع تقدّم العمر بهن تبدأ الأدوار المعروضة عليهن في التراجع. تعاملت جولييت بينوش مع الأمر بطريقة مختلفة. لم تحاول إخفاءَ الزمن، وإنما جعلته جزءًا من حضورها على الشاشة، بحيث يضيفُ مرور السنوات عمقًا إلى أدائها بدلاً من أن ينتقص منه.

يظهر هذا الشعور من خلال وقوفها الدائم خارج التصنيفات الواضحة في الأدوار التي تختارها. بدت في أدائها لشخصية أنتيجون كشخصية تقف بين عالمين ولا تنتمي بالكامل إلى أي منهما. ومع مرور الوقت أصبح هذا الإحساس بعدم الانتماء سمةً أساسية في صورتها الفنية؛ نجمة سينمائية، لكنها في الوقت نفسه تحاول الاختفاءَ داخل الشخصية التي تؤديها عندما تبدأ الكاميرا بالتصوير.

وبوصفها نجمة غير معروفة، وُضعت تحت الاختبار في وقت مبكر، عندما تم الاستغناء عنها من فيلم مستوحى من بطلة المقاومة الفرنسية، بعد ستة أسابيع من التصوير. كان الخلاف مع المخرج كلود بيري يتركز على مصداقية السيناريو. رفضت بينوش أداء نسخة من التاريخ شعرت أنها غير صادقة. وصفت الحدث بأنه "زلزال"، لكنه كان زلزالًا مهّد الطريقَ لمسيرةٍ مهنية مبنية على "فن المقاومة". حافظت على استقلالها الشخصي والمهني، رغم محاولات عديدة لفرض مسارٍ تقليديٍّ على حياتها، سواء في العلاقات أو في العمل. اختارت بدلاً من ذلك بناء مسيرتها حول البحث المستمر عما تسميه "الجديد"، أي الدخول في تجارب مختلفة مع كل دور، حتى لو تطلّب ذلك المخاطرةَ وتغييرَ ما اعتادت عليه في أدائها.

قد يكون أكثر ما يميزها هو ما يمكن تسميته "الوجه الذي يحمل طبقات من التجارب"، إذ تؤدي في فيلم «غيوم سيلس ماريا» دورَ الممثلة ماريا إندرز، التي تجد نفسها مضطرة لمواجهة نسخة أصغر سنًا منها من خلال ممثلة شابة تلعب الدور الذي اشتهرت ماريا به في بداياتها. يبدو وجهها، في هذا الفيلم، كأنه يحمل تاريخًا طويلاً من الأدوار. حيث يمكن للمشاهد أن يتذكّر شخصياتها السابقة؛ الممرضة في «المريض الإنكليزي»، والمرأة المترددة في فيلم «نسخة موثقة» (Certified copy, 2010).

لا تحاول بينوش تقديمَ صورة مثالية لوجهها على الشاشة، لكنها تسمح للزمن أن يظهر عليه. هذا ما يمنح أداءها إحساسًا بالصدق والضعف الإنساني في الوقت نفسه. وهذا النوع من الحضور يقترب مما وصفه الفيلسوف كيركيغارد بالبطل المأساوي الحديث: شخصٌ يدرك هشاشته وفناءه، لكنه يواجه ذلك بوعي كامل.

ترتكز طريقة جولييت بينوش في التمثيل على فكرة بسيطة مؤداها أن التمثيل ليس عملية ذهنية فقط، وإنما حالة يعيشها الممثل جسديًا أثناء الأداء. فهي ترى أن الممثل لا يستطيع نقل التجربة إلى الجمهور إذا لم يشعر بها في جسده بالكامل.

اختُبرت هذه الفكرة بوضوح عندما عملت عام 2000 مع المخرج مايكل هانيكي في فيلم «رمز غير معروف» (Code Unknown). يعتمد الفيلم على لقطات طويلة مصوَّرة دون قطع، وهو أسلوب يتطلب تركيزًا شديدًا من الممثلين، لأن أي خطأ يعني إعادة المشهد من البداية.

يستمر أحد أشهر مشاهد الفيلم، المكون من لقطة واحدة في الشارع، لمدة تسع دقائق. تدخل شخصية بينوش في هذا المشهد في جدال مع عدة أشخاص؛ شقيق صديقها، ومدرس موسيقى أفريقي، ومتسول روماني. صُوّر المشهد في شارع حقيقي في باريس، وسطَ حركة المرور والمارة، وكان على بينوش أن تتحرك بدقة داخل هذا المشهد المعقد من دون أي توقف للتصوير. فشلت اللقطتان الأولتان بسبب خطأ تقني، لكن المشهدَ نجح في المحاولة الثالثة، ليصبح لاحقًا واحدًا من أكثر المشاهد التي ناقشها النقاد في الفيلم، لأنه يكشف عن التوترات الاجتماعية والعرقية وصعوبة التواصل بين الناس. بالنسبة لبينوش، لم يكن نجاح المشهد نتيجةَ تخطيط ذهني فقط، وإنما نتيجةَ تحويل الحوار إلى إحساس جسدي أثناء الأداء.

اتخذ هذا الميل إلى الاعتماد على الحدس شكلًا أكثر وضوحًا عام 2015 عندما شاركت جولييت بينوش في تقديم مسرحية «أنتيجون» (Antigone) على مسرح لوكسمبورغ الكبير. أخرج العمل إيفو فان هوف، بينما كتبت الترجمة الجديدة الشاعرة الكندية آن كارسون.

شهدت البروفات نقاشات حادة بين الثلاثة. طلب فان هوف من كارسون أن تقدم ترجمةً أقرب إلى النص الأصلي وأكثر تفصيلًا، لأن بينوش كانت تبحث عن طبقات أعمق في الشخصية. من جهتها شعرت بينوش أن النص لا يمنحها حضورًا كافيًا في الجزء الأخير من المسرحية، حيث تغيب الشخصية لفترة طويلة. لذلك اقترحت إضافة مشهد جديد يمنح أنتيجون مساحة أكبر. رفضت كارسون الفكرة تمامًا، معتبرة أن تغيير نص سوفوكليس بهذا الشكل هو أمر غير مقبول.

خلق هذا الاختلاف بين رؤية بينوش التمثيلية ونص كارسون الصارم توترًا واضحًا أثناء العمل. ومع ذلك خرجَ العرض بشكل مميز. فقد قدّمت بينوش شخصية أنتيجون بطريقة مختلفة عن الصورة المعتادة؛ لم تظهرها كبطلة سياسية تواجه السلطة، وإنما كشابة متمردة ترفض أوامر الملك كريون.

استخدم العرض ملابسَ معاصرة وشاشات مراقبة، ما جعل القصة القديمة تبدو قريبة من واقع اليوم. وكانت بينوش تغيّر أداءها قليلاً من ليلة إلى أخرى؛ فأحيانًا هي هادئة ومركزة، وأحيانًا غاضبة وأكثر حدة. بالنسبة لها، كان ذلك جزءًا من طريقتها في العمل، يجب أن يبقى الممثل مستعدًا للمخاطرة والتجربة حتى يظل الأداء حيًا.

تتعلّق إحدى أكثر الحكايات التي لا تُنسى من بروفات لوكسمبورغ بتصوير فيديو لخاتمة المسرحية، حيث تظهر شخصية بينوش كجثة في المشرحة. لتحقيق هذا المشهد، أخذها فريق الإنتاج إلى مشرحة حقيقية، والتي اتضح أنها مليئة بجثث حقيقية. طُلب من بينوش الدخول إلى ثلاجة تبريد أخلوها من الجثة التي كانت بداخلها قبل وقت التصوير. طلبت من مدير المسرح ثم من فان هوف أن ينضما إليها في الثلاجة حتى لا تكون وحدها، لكنهما رفضا، فصعد معها مساعد المخرج وتبادلا "حوارًا بيكيتيًا" في الظلام البارد، حيث كان صوت أزيز الآلات بمثابة موسيقى تصويرية للحظة "الحياة بعد الموت" بالمعنى الحرفي والمجازي. أدانت بينوش نفسها لاحقًا على خوفها، وشعرت أنه بصفتها المرأة التي تلعب دور أنتيجون، كان يجب أن تكون قادرة على مواجهة الثلاجة وحدها.

عملت جولييت بينوش مع عدد من المخرجين المهمين في السينما المعاصرة، وقدمت معهم أدوارًا معقدة تقوم على التناقضات النفسية. فقد تعاونت مع المخرج الإيراني عباس كيارستمي في فيلم «نسخة موثقة»، ومع المخرجة الفرنسية كلير دينيس في فيلمي «دع الشمس تشرق» (Let the sunshine In, 2017) و«جانبي النصل» (Both sides of the blade, 2022)، كما عملت مع المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس في فيلم «غيوم سيلس ماريا».

تظهر في هذه الأعمال شخصيات تعيش حالات من التردد والبحث عن معنى للعلاقات الإنسانية. مثال واضح على ذلك فيلم «نسخة موثقة»، حيث تؤدي بينوش دور امرأة تعمل في بيع التحف الفنية في توسكانا. خلال الفيلم تدخل في علاقة غامضة مع كاتب يزور المنطقة، وتتغير طبيعة العلاقة بينهما تدريجيًا؛ ففي البداية يبدوان كأنهما شخصان التقيا صدفة، ثم يبدأ الحوار بينهما يوحي بأنهما ربما زوجان عاشا معًا سنوات طويلة. يبقى هذا الغموض مقصودًا طوال الفيلم، ويجعل أداءَ بينوش يقوم على مزيج من القرب العاطفي والتوتر في الوقت نفسه.

تناولت من خلال تعاونها مع المخرجة كلير دينيس، شخصيات لنساء يواجهن تعقيدات الحياة العاطفية في منتصف العمر. قدّمت في هذه الأدوار نساء عاديات يعشن حالات من الشك والوحدة والبحث عن علاقة مستقرة.

يقوم أسلوبها في كل عمل من هذه الأعمال على قدر كبير من الصراحة والواقعية. فهي لا تحاول تلطيف التجربة الإنسانية أو تجميلها، لكنها تقترب منها كما هي، بما فيها من قلق أو ألم. لذلك تبدو شخصياتها غالبًا قريبةً من الواقع، سواء كانت تتعامل مع صراع كبير مثل مأساة قديمة في قصة مثل أنتيجون، أو مع أزمة شخصية أكثر هدوءًا مثل تدهور علاقة زوجية كما في فيلم «نسخة موثقة».

اتجهت جولييت بينوش في السنوات الأخيرة من مسيرتها إلى الابتعاد جزئيًا عن المسار التقليدي في صناعة السينما، وبدأت تبحث عن تجارب فنية مختلفة خارج إطار التمثيل السينمائي المعتاد.

في عام 2007، توقفت لفترة عن العمل في الأفلام لتشارك في عرضٍ مسرحيٍّ راقص بعنوان «في-آي» (IN-I) بالتعاون مع مصمم الرقص البريطاني أكرم خان. كان المشروع تجربة غير مألوفة؛ جمع بين ممثلة لا تملك خبرة كبيرة في الرقص وراقص محترف لا يأتي من خلفية تمثيلية.

عمل الاثنان على مدى نحو ستة أشهر من البروفات على تطوير عرض يجمع بين الحركة والتمثيل. وصفت بينوش تلك الفترة بأنها تجربة قاسية ومكثفة، لكنها كانت فرصة لاكتشاف إمكانيات جديدة في الأداء. ركّز العرض على العلاقة بين الجسد والمشاعر، وعلى التعبير المباشر على خشبة المسرح بعيدًا عن أدوات السينما التقليدية.

كانت الحركات في هذا العرض جسديةً ومكثفة، وتتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا. وقد أظهرت جولييت بينوش قدرةً واضحة على التحمل، رغم أنها لم تكن راقصة محترفة. لم تكتف بتنفيذ تصميمات الرقص التي وضعها أكرم خان، لكنها حاولت أن تطور حركة خاصة بها داخل العرض. وفي المقابل، كان على خان أن يخرج من منطق الرقص الصامت وأن يؤدي مقاطع كلامية على المسرح.

تطورت هذه العلاقة خلال البروفات إلى نوع من التعاون المتبادل؛ اقترحت بينوش بعض الحركات التي تبناها خان ضمن تصميم العرض. واستمر العمل بعد ذلك في جولات عالمية قُدم خلالها العرض أكثر من مئة مرة. وبعد سنوات عادت بينوش إلى هذه التجربة في فيلم وثائقي بعنوان «في ـ آي: في الحركة» (In-I: In Motion) استخدمت فيه مواد تصوير لم تُعرض من قبل للتأمل في ما تعنيه المخاطرة الفنية والتغير الشخصي الذي رافق تلك التجربة.

قادها هذا الاهتمام بتجارب فنية مختلفة أيضًا إلى الغناء. ففي عام 2018، قدمت عرضًا موسيقيًا في مسرح شنغهاي الكبير بعنوان «إنه لا شيء تقريبًا»، وهو تحية للمغنية الفرنسية باربرا. أدت خلاله أغنية كانتاتا صغيرة بمرافقة عازف البيانو فينسنت ليتيرم.

بالنسبة لبينوش، لم تكن هذه المشاريع مجرد تجارب جانبية، وإنما كانت جزءًا من طريقتها في العمل؛ فهي ترى أن خوضَ مجالات فنية مختلفة يساعد الممثل على الحفاظ على حسه الجسدي والعاطفي حيًا.

يبلغ هذا المسار ذروته في فيلم «طعم الأشياء» (2023 - The Taste of Things) (المعروف أيضًا بعنوان شغف دودان بوفان) من إخراج تران آن هانغ. تدور أحداث الفيلم في فرنسا عام 1885، وتؤدي فيه جولييت بينوش دور الطاهية أوجيني، التي تعمل منذ سنوات مع الذوّاق الشهير دودان بوفان، الذي يجسده بينوا ماجيميل. تربط بين الشخصيتين علاقة عاطفية هادئة، لكنها تقوم أساسًا على العمل المشترك في المطبخ.

يبدأ الفيلم بمشهد تعمل فيه أوجيني في الحديقة، تجمع الخضار التي ستستخدمها في الطهي. منذ البداية يركز الفيلم على تفاصيل العمل في المطبخ؛ تحضير الطعام، تقطيع المكونات، وطهي الأطباق بهدوء ودقة. هذه التفاصيل تجعل الحرفة نفسها محور القصة، وليس مجرد خلفية لها.

تقدّم بينوش شخصية امرأة واثقة بمهارتها ومستقلة في قراراتها. ورغم أن دودان يطلب الزواج منها أكثر من مرة، فإنها تفضّل الاستمرار في حياتها كما هي، من دون أن تغيّر طبيعة العلاقة بينهما. يربط الفيلم بين النضج في الحياة والنضج في الذوق، ويشير إلى أن الخبرة الطويلة هي ما يمنح الإنسانَ قدرته على التقدير الحقيقي للأشياء.

كما تضيف العلاقة الواقعية السابقة بين بينوش وماجيميل بعدًا إضافيًا إلى الأداء، إذ يظهر بينهما على الشاشة نوع من الألفة الهادئة التي تناسب طبيعة العلاقة بين الشخصيتين في الفيلم.

لماذا لا تشبه جولييت بينوش أحدًا؟

تقف أوجيني في المشهد الأخير من فيلم «طعم الأشياء»، أمام النافذة وتنظر إلى الحديقة. لا تقول شيئًا، ولا تفعل شيئًا بالمعنى الدرامي الكلاسيكي؛ هي فقط تنظر. لكن في تلك النظرة شيء يشبه الاكتمال، لا اكتمالَ من وصلَ إلى نهاية الطريق، وإنما من قرّر أن يسير دون أن يكترث بالنهايات.

هذا المشهد يختزل المفتاحَ الأعمق في تجربة جولييت بينوش الفنية؛ أنها لم تسعَ يومًا إلى الوضوح الكامل أو حماية "علامة تجارية" لجمهورها. وبدلاً من ذلك، بقيت في حالة من الانفتاح المقلق، الذي يجعل كل دور جديد احتمالًا حقيقيًا لا تكرارًا لما سبق. في عالم تتحول فيه الشهرة إلى قفص مريح، اختارت بينوش شيئًا أصعب: أن تظلَّ غريبة بعض الشيء عن نفسها، وهذه الغرابة هي تحديدًا ما يجعل حضورها لا يشبه حضور أحد آخر.

ليست القضية هنا هي "الموهبة"، فالمواهب كثيرة، لكنها نوع الشجاعة التي تتطلب من الإنسان أن يدخل ثلاجة مشرحة، أن يرقص وهو لا يعرف الرقص، أو أن يقف أمام الكاميرا بوجه يسمح للزمن بأن يترك أثره عليه بدلاً من إخفائه. إنها شجاعة أن تكون مرئيًا بالكامل، بكل هشاشتك الإنسانية، محولًا التمثيل من استعراض للمهارة إلى "فعل مقاومة" ضد التنميط والجمود.

لذلك، لا تبدو مسيرة بينوش محاولة للسيطرة على الزمن، وإنما طريقة للعيش معه. فالأدوار تتغير، والوجوه تتبدل، لكن ما يبقى هو تلك القدرة النادرة على جعل الحضور الإنساني البسيط؛ الوقوف، الصمت، أو حتى تقطيع الخضار في مطبخ ريفي، لحظةً تستحق التأمل. هي "النسخة الأصلية" التي لا تقبل التقليد، ترحل من دور إلى آخر تاركةً خلفها أثرًا لامرأة قررت أن تعيش فنها بصدق جارح.

لم يكن النادل في ذلك المقهى الصغير في باريس يعرف من هي. وربما في هذا النسيان الصغير نوع من الاحترام غير المقصود؛ لأن بينوش، في نهاية المطاف، لم تسعَ يومًا إلى أن تُعرَف، وإنما إلى أن تُرى. وبعد أربعة عقود، ما زالت تبدو، بكل دهشتها، وكأنها تقف في بداية الطريق.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى