في فيلم «موعد على العشاء» (1981)؛ تدخل نوال "سعاد حسني" مزايدة قوية ضد شخص آخر لشراء لوحة زيتية ذكرتها بطفولتها المفقودة، وتنهار باكية حين لا تفلح في الحصول عليها. لا يعرف الكثيرون أن من رشحني لتمثيل دور هذا الشخص الآخر الذي توقف عليه مزاد اللوحة كان سعاد حسني نفسها، وليس مخرج الفيلم صديقي محمد خان.
أحبت سعاد وتزوجت صديقي علي بدرخان، رفيق سنوات دراسة السينما، حيث تخرجنا معًا في المعهد العالي للسينما عام 1967 (عام النكسة)، ثم تزوجت صديقي زكي فطين عبد الوهاب، الذي امتحنته حين تخرج من نفس المعهد عام 1983، ثم تزوجت من كاتب السيناريو الموهوب ماهر عواد الذي كتب أجمل أفلام شريف عرفة التي تمثّل البدايات.
هذه الزيجات أتاحت لي فرصة الاقتراب من سعاد حسني. وقد تكررت زيارتي لها بين عامي 1990 و1991 حيث توطدت صداقتنا، وكنت أحترمها وأراها سيدة ذكية ومتواضعة، وكثيرًا ما يُساء فهمها، لم يعرف الكثيرون أن المدخل البسيط إلى قلبها ليس سوى الفهم والحنان.
حين زارتني سعاد حسني مع زوجها ماهر عواد في البيت الذي أسكنه في شبرا، وهو البيت الذي عشت فيه منذ عام 1952 حتى الزلزال الشهير عام 1992، فاجأتني زوجتي البولندية حين طلبت من حارس العقار أن يغسل سلالم الأدوار الثلاثة ثم نثرت الورود عليها، فهي كانت تشاهد الأفلام والمسلسلات عبر شاشة التليفزيون وتعلم تمامًا من هي سعاد حسني، وأين تقف في السينما المصرية والعربية؛ وكانت تحبها وتقدرها. صعدت سعاد حسني وهي مأخوذة تمامًا فوق الورود التي زادتها سحرًا، حتى وصلت إلى الطابق الثالث حيث نسكن.
كان لدي سيناريو جاهز لفيلم موسيقي بعنوان «طعم الدنيا مكرونة بالصلصة» كتبته مع صديقي الدكتور يحيى عزمي، وتدور أحداثه حول رحلة في الصحراء إلى بئر يقال إنه مقدس وفيه التطهر والشفاء، يقوم بها زوجان يتمنيان إنجاب طفل، وصديق للزوج ابنه مريض بالصرع، والمفارقة أن الزوج وصديقه درسا الطب معًا في الجامعة، ومن سوء الحظ أنهم يدخلون في تيه يحرمهم من الوصول إلى البئر.
تمكنت رغم مدخراتي المتواضعة جدًا، أن أقوم مع صديقي عادل الميهي بإنتاج ألبوم الأغاني، الذي كتبت أشعاره كوثر مصطفي وقام بالغناء يسرا ومحمد منير وحسين الإمام، وكانت الألحان رائعة تألق فيها حسين الإمام. وللأسف توقف المشروع نتيجة انسحاب المنتج مدحت الشريف، وفشلت في تحقيق صيغة تعاونية لإنتاجه بيني كمخرج وبين عادل الميهي كمنتج فني إلى جانب الأبطال الثلاثة.
ثم تسربت الأغاني وتجاهل الأصدقاء المؤدون حقوقي رغم اعترافهم في الصحافة بأنها تخصني ومنها أغنية بعنوان «لسه الأغاني ممكنة» وهو تعبير من اختياري وقد استخدمه يوسف شاهين في فيلم «المصير» (1997) دون أن يعلم طبعًا أنه يخصني.
كانت سعاد حسني متحمسة للعمل معي، وخاصة أن زكي فطين عبد الوهاب كان مفتونًا بعملي الروائي الثاني «العوامة رقم 70» (1982) إلى درجة الهوس، وقد قرره على سعاد ضمن مقررات الزوجية.
أيقظت علاقتي الناشئة معها مشروع فيلم «طعم الدنيا» الذي أعشقه وسحبته من محبسه في الأدراج وقدمته لها لتلعب دور الزوجة العاقر.
من الطريف أنني عام 1991 كنت أصور فيلم «رغبة متوحشة» مع نادية الجندي ومحمود حميدة وسهير المرشدي وحنان ترك عن سيناريو وحيد حامد، بينما كان علي بدرخان يصور فيلم «الراعي والنساء» مع سعاد حسني ويسرا وأحمد زكي وميرنا وليد، وكان كلاهما اقتباسًا عن المسرحية الإيطالية «جريمة في جزيرة الماعز» (1950) للكاتب أوجو بيتي.
أرسلت لي سعاد حسني رسالة شفهية على سبيل المداعبة بأنها جاهزة لتلعب معي الدور بدلًا من نادية الجندي في نفس الوقت الذي تلعبه مع علي بدرخان.
كنت في ذلك الوقت أحاول إقناعها بسحر المرأة التي تجاوزت الأربعين، وهي كانت بالفعل ساحرة في هذا العمر، وشرحت لها كيف أن إنكار الممثلة لحقيقة عمرها ليس في صالحها.
وكنت أكرر أنني كمخرج لا أصنع الماسة، لأنها موجودة بالفعل، ودوري فقط يتلخص في إزالة الغبار عنها حتى نرى نورها وضيائها وتفردها وسحرها.
فوجئت ذات يوم برسالة طويلة من ثلاث صفحات تصلني من سعاد حسني، تعتذر فيها عن الفيلم لأسباب صحية، ثم ذيّلت الرسالة بتوقيع "سندريلا جيل الوسط" دون اسمها.
كانت الرسالة التي فقدتها أو سرقها مني أحدهم، تعبيرًا صريحًا عن الهروب من العمل في صناعة الأفلام، وانعكاسًا لمرحلة الإحباط والاكتئاب التي تمر بها، وكان توقيعها الأخير إنكارًا لواقع حالها.
لم أبنِ صداقتي مع سعاد حسني بحكم كوني مخرجًا وهي ممثلة، وإنما حاولت الاقتراب من الإنسانة، فسحرتني برقتها وعذوبتها وسحرها وذكائها الفطري الطبيعي.
حين رحلت في 21 يناير 2001 حزنت وبكيت، وحين جاء جثمانها من لندن وأقيمت شعائر الجنازة في القاهرة، كنت مهووسًا بعصر الديجيتال وامتلكت كاميرا صورت بها كل مراسم هذا الحدث، الذي هز شوارع القاهرة، وأظهر زحام الناس بحزنهم ودموعهم كم هي محبوبة و معشوقة.
ستظل سعاد حسني خالدة دائمًا وأبدًا في الذاكرة، صعدت روحها الطيبة إلى الأعالي، ولكنها ما تزال نابضة بالحياة عبر الأفلام.



