سعاد حسني: مرثية التعثر بين الخفة والثقل

June 12, 2026

تقف مديحة وراء الستار الذي يخفي نصف وجهها، ذلك الوجه الفتي الذي يخيم عليه الحزن، وتدمع عيناها أثناء القبض على والدها عزمي باشا، رئيس القلم السياسي في عهد الملكية، العهد الذي يمثل رمز الاستبداد بالنسبة إلى الشعب، وبالنسبة إلى مديحة أيضا التي تغرق في تيه حتمي لا ينذر إلا بالضياع. التقط المخرج كمال الشيخ ومدير التصوير كمال كريم ببراعة تلك النظرة التي ختمت مشاهد فيلم «غروب وشروق» الذي شكلّ مرحلة تحول جديدة في حياة سعاد حسني الفنية، حيث تحولت من فتاة شقية تجيد الحركة والرقص والاستعراض الخفيف إلى امرأة مثقلة  بهموم شخصياتها، فيما تزاحمها همومها الشخصية ونظرتها عن نفسها.

في الوقت الذي كانت تمثل فيه فتنة لكل من يراها، لم تحمل سعاد نفس النظرة الساحرة عن نفسها، ربما وجدت ضالتها في ثقل الشخصيات التي اختارتها. وبالنظر إلى مسيرتها الفنية، لاسيما مع نهاية عقد الستينيات وبداية السبعينيات وما تلاها، أي ما يسمى بفترة نضجها الفني، يبرز قاسم مشترك يفضي إلى التساؤل: هل اختارت سعاد حسني الشخصيات التي أدتها أم أن الشخصيات هي التي اختارتها؟

بنت السابعة والعشرين، آنذاك، قدمت بنظراتها الخوف الدفين في شخصية مديحة الممزقة بين التدليل والضياع الحتمي. كما تأرجحت بين تقلبات "ناهد" و"سلوى" في فيلم «بئر الحرمان»، وذهول "تهاني" في فيلم «على من نطلق الرصاص؟»، وجميعها أفلام بتوقيع المخرج كمال الشيخ. بدت سعاد وكأن الحقائق تتكشف أمامها تباعًا، حقائق تحاول الهروب منها دون جدوى وكأنها سيزيف المسجون في سرمدية جحيم لا تنتهي.

ربما كانت سعاد أخف من أن تثقلها تلك الشخصيات أو كانت تصارع نفسها واكتئابها الداخلي من خلال الغرق فيها أكثر، حتى تماهت معها وذاب الخط الوهمي الفاصل بينها وبين الشخصية، وبات السؤال من نشاهد، أهي سعاد حسني نفسها، الشقية التي عرفناها في فترة سابقة من حياتها، أم هي الشخصية التي تلاحقها وتقبض عليها ببراعة لتنقلها للمشاهد؟

لقد تجلت نظرة الألم والاكتئاب في عيني "سعاد"، أو بالأحرى في عيني "وفاء"، بصورة يستحيل إنكارها في البناء السردي الذي قدمه المخرج علي بدرخان في فيلمه «الراعي والنساء»، وهو آخر ما أطلت به على جمهورها من شاشة السينما. لم تدخر سعاد جهدًا لإبراز ألمها الداخلي وكأنها تودع الجمهور وهي تحمل وجهًا آخر غير وجهها الاعتيادي الذي كثيرًا ما عبر عن المرح والحيوية، قبل أن يصبح رمزًا للثقل والمعاناة. "وفاء" تلك الزوجة الثكلى بفقد زوجها تنتظر الخلاص دون جدوى، لتعكس روحَ سعاد المتألمة جسديًا والتائهة بين صورتها القديمة وواقعها الذي فرضه القدر واستقبلته هي دون حول أو قوة.

«وقف الشريط في وضع ثابت.. دلوقتي نقدر نفحص المنظر.. مفيش ولا تفصيلة غابت ولا شيء بيقول ولا بيعبر من غير كلام ولا صوت.. أول ما ضغط الموت على زر في الملكوت بخفة وبجبروت في يوم أخبر.. وقف الشريط في وضع ثابت.. دلوقت نقدر نفحص الصورة.. أنظر تلاقي الراية منشورة.. متمزعة لكن مازالت فوق.. بتصارع الريح اللي مسعورة.. انظر تلاقي البلاد أجيال ورا أجيال رافعها باستبسال ونزيف دمى سيال على الجبهة.. وفي عنفوان النضال وقف الشريط في وضع ثابت.. خلي المكنجي يرجع المشهد.. عايز أشوف نفسي زمان وأنا شاب.. داخل في رهط الثورة وأنا غضبان ومش عجبني جن ولا إنسان.. قالي المكنجي غور مفيش عيش طول ما فيك أنفاس تعيش.. بص شوف ركن الشباب فيه ألف مليون شاب ومش عجبهم لا وصي ولا أب.»

بهذه الكلمات، أرسلت سعاد رسالتها الأخيرة مع مطلع الألفية، بكلمات صلاح جاهين ونبرة صوت مغتربة عنها لم يعتدها الجمهور، حمل صوتها الألم المكشوف والشجن الذي بات صديقها الوحيد.

استمر سيزيف في مأساته السرمدية صعودًا وهبوطًا بصخرته التي يأرجحها القدر في حين التقت سعاد بالموت، سواء بإرادتها أو رغمًا عنها. الحقيقة المؤكدة أن المأساة سطرت سطرها الأخير، ومع هذا بقيت الصورة الذهنية لسعاد بوجهيها اللذين أحبهما الجمهور بالتوازي، الأول هو الوجه الشقي الحيوي والآخر المثقل بالهموم والمتألم.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى