سعاد حسني: الشمس السوداء

«كنت عايزه أبقى جديدة. يبقى فيه توهج داخلي، يدفعني للتجدد من تلقاء نفسي». كانت هذه  الكلمات هي إجابة سعاد حسني عن سؤال غيابها عن الشاشة في حوار مُصور قبيل سفرها إلى لندن نهاية التسعينيات. كلنا بتنا نعرف النهاية الآن، لم تولد سعاد من جديد و لم تعد أبدًا.

في القراءات النفسية الحديثة لأوديسا هوميروس، لم يكن  أوديسيوس ضحية قدره أو غضب الآلهة، كانت رحلته انعكاسًا لرغبة عميقةٍ لا واعية في تجنب العودة. كان بطل هوميروس الأسطوري خائفًا من العودة.

شئ من هذا أشعر به تجاه سعاد حسنى وغيابها في لندن.  كلما أمعنت في الغياب، صارت "العودة" فكرة مرعبة، لأنها تعني مواجهة الجمهور مجددًا. في داخلها تحول الجمهور الى أحد وحوش الأوديسا المخيفة.

يحكي أحد زملائها، أنها كانت تخبره عقب الفشل التجاري لأفلامها الأخيرة  أن الجمهور لم يعد يحبها، وكان عليه أن يقنعها أن الجمهور لم يحب هذه الأفلام ولكنه بالتأكيد يحب سعاد حسني.

في غيابها الممتد لم تكن سعاد تبحث عن ميلادٍ جديد بل عن استعادة إعجازية لنسختها القديمة.

طفولة كطفولتها تخلق في القلب فمًا جائعًا للأمان والحب. بعيدًا عن علاقاتها الشخصية التي بدت دائمًا عاجزة عن إشباع جوعها، كان الجمهور هو مرآتها التي طالما منحتها الأمان والحب، وكان غياب النجاح الجماهيرى عن أفلامها الأخيرة بمثابة انكسار لهذه المرآة، التي تحولت إلى شظايا، وما أطل على سعاد من تلك الشظايا لم يكن حبًا بل ظلالها القديمة المخيفة.

سعاد لديها  تاريخ طويل مع الاكتئاب، يعود حتى لفترات كانت فيها بكامل وهجها وتألقها ومع ذلك تبدو كلمة الاكتئاب باردة، محايدة وعاجزة عن الإحاطة بكل ظلالها ومعاني معاناتها. إن أفضل فهم لحالة سعاد من خلال مصطلح "الشمس السوداء" (Black Sun) الذي صاغته المحللة النفسية والكاتبة جوليا كريستيفا. شمس كريستيفا السوداء هي استعارة للاكتئاب الذي لا يمكن التعبير عنه، حينما يفقد الشخص "المعنى" ويصبح الحزن هويته الوحيدة.

استعارت كريستيفا المصطلح من قصيدة لنرفال؛ وهي تصف حالة يكون فيها لدى المكتئب "شمس" (مركز لوجوده)، لكن هذه الشمس لم تعد تضيء. تحولت الشمس إلى (ثقب أسود) يمتص حاضرها. لم تعد النجومية تمنحها السعادة، بل أصبحت تعذبها لأنها تذكرها بما فقدته لذلك قررت الغياب.

ترى كريستيفا أن المكتئب يرفض "الحداد" على ما فقده. وبدلًا من أن يتقبل ضياع شخصه القديم، فإنه يقوم بـ "ابتلاع" هذا الشخص المفقود وحبسه داخله. هنا تبدأ الذات القديمة في التهام الحالية؛ فكل لحظةٍ في الحاضر تُقاس بمدى قربها أو بعدها من الذات القديمة. لأن الحاضر لا يمكن أن يهزم الماضي في صراع الجمال، فإن الماضي يلتهم الحاضر تمامًا.

في عام 1972 صدر لسعاد فيلمين هما على طرفي النقيض في كل شئ. الأول هو أكبر نجاحاتها الجماهيرية؛ الدورُ الذي صاغ طيفها الباقي في الخيال الجمعي لجمهورها، والثاني لم يحقق أي نجاح جماهيري ومر سريعًا نحو النسيان. شخصيتها في الفيلم الأول كانت مثل شمس منتصرة، وفي الآخر شمسًا غاربة. أقصد بالفيلم الأول «خلى بالك من زوزو» للمخرج حسن الإمام، والثاني «الخوف» للمخرج سعيد مرزوق.

في فيلمها الأول برزت سعاد التي نعرفها؛ فراشة الخفة وخيال الأنوثة الواثقة والمبتهجة. سعاد التي تتجاوز مأزقها الاجتماعي وجرح ماضيها. أما في الفيلم الآخر فكانت سعاد أخرى منكسرة وضائعة. ربما رأينا لمحات منها من قبل في «الزوجة الثانية» و«غروب وشروق» لكن ليس بهذا التماهي مع الحزن والضياع.

تؤدي سعاد في فيلم مرزوق دور فتاة مُهجرّة من السويس بعد خسارة بيتها وعائلتها بالكامل. كل شئ فيها هنا يعكس عمق هذه الخسارة، مشيتها المُثقلة بالهم وإيماءاتها الشاردة. نادرًا ما نراها تضحك أو تبتسم وإذا فعلت فسرعان ما تتلاشى، كأنما بأعماقها ظلمة تكسف شمسها.

ستتقن سعاد خلال النصف الثاني من مسيرتها تجسيد هذه الشخصيات التي منحتها كثيرًا من أحزانها وأوجاعها الخاصة. فهي لا تستعير أبدًا وجه الحزن، لكنها تكشف عن داخلها الجريح في كل دور من أدوارها.  في مسيرة الحياة تنتصر سعاد الأخرى على سعاد التي نعرفها.

لم يكن سرًا تعلقها بشخصية زوزو بطلة «خلي بالك من زوزو» الذي ظل يعرض لمدة عام في دور العرض. كانت تحب أن يناديها الجميع زوزو. لم يكن هذا انحيازًا بريئًا لشخصية مفضلة بل نوعا من التثبيت النفسي (Fixation). فتلك الشخصية تجاوزت الدور، لتغدو اللحظة التي شعرت فيها بأنها محبوبة كليًا وبدون شروط.

إذا كان هناك دورٌ في مسيرة سعاد يمكن أن يقترب من مفهوم الشمس السوداء فهو "وفاء" في فيلم «الراعي والنساء» لعلي بدرخان والذي كان وداعها السينمائي الأخير. كان جسدها في هذا الفيلم جسدًا ميلانكوليًا ثقيلًا، جسد غارب بجمالٍ هو أثر من جمالٍ قديم. سعاد التي كانت تملأ الكادر حركةً، أصبحت ساكنة، مطفأة، ومنطوية. تعيش "وفاء" في مكان معزول، على أطلال ماضيها وهو ما يُعبِّر مجازًا عن الذات المُكتئبة.

كان هاجس سعاد في لندن هو استعادة رشاقتها وملامحها القديمة لتعود إلى السينما. كانت تريد استعادة "الزمن الضائع". وفقًا لكريستيفا، يعيش المكتئب في زمن "دائري" لا يتقدم؛ لذا ظلت سعاد سجينة لحظة "زوزو"، معتبرةً أن أي ظهور بغير تلك الصورة بمثابة إعلان بهزيمتها.

تذكرني سعاد حسني بنجمة السينما غريتا جاربو التي اختارت الغياب في أوج تألقها لتعيش أسطورتها بمنأى عن الزمن، لكن ظلال سعاد العنيفة جعلت من غيابها عذابًا ممتدًا. تأتي النهاية حينما تتغلب "الشمس السوداء" على الذات، فيصبح الموت هو الوسيلة الأخيرة للاندماج مع ذلك الحزن المُطلق.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى