أما قبل، سأُدرج احترازاتٍ صغيرة تفاديًا لهدر وقت القارئ العزيز. لم أكتب مقالًا منذ سنوات عدة، حتى لأزعُم أني نسيت كيف تُكتب المقالات. لهذا، سيكون هذا المقال مقالًا نوستالجيًا خالصًا أبكي فيه على ما جرى لسينما كانت خفيفة لطيفة مخلصةً للمتعة قبل الفن، وصارت تطبيعًا لحريات مندلقة. فأعتذر مقدمًا لمن سيبحث فيه عن عمق2. وبلا شك، سيكون مقالًا شديد الذاتية، أمزج فيه ذائقتي وذكرياتي مع قصص الأفلام التي سأستَرجِعها.
لم أسمع بكلمة «جانرا» (Genre) إلا من سنتين أو أقل، لكني أذكر بوعيٍ حاد أول تصنيف قمت به للأفلام. كان ذلك في صيف 1987 -إن لم أكن مخطئة- وكنت على وشك اتخاذ قرار مصيري. في تلك الصائفة، وبتكتُّم شديد، بعيدا عن رقابة والدي، جمعت رفقة أشقائي مبلغًا يكفي (بعد مساومة مريرة مع بائع يَمَني شاب في محل الفيديو في البلدة) لشراء جهاز فيديو واستئجار شريط واحد. قبل تسليم ثروتنا، ناقشنا نوع الفيلم الذي سنراه. اتفقنا بسرعة على أن نحصل على فيلم رعب.. «أرعب شيء»، هكذا شددنا على الطلب. ذهب شقيقي الصغير تحت جنح الظلام إلى الخط العام ورجع بالغنيمة: أرعب فيلم في حينه، «عودة الموتى الأحياء» إنتاج سنة 1985.
القصة ليست هنا؛ فمع الشريط الأسود المرعب، سلّمني شقيقي الذي لم يكمل عامه الحادي عشر شريطَ فيديو آخر قال إن العامل منحه إياه بلا مقابل. لم تنطلِ علينا نحن الاثنين نفحة الكرم المفاجئة من رجل غريب علينا، لكنّنا لم نفهم القصد المريب، قال أخي: «اليمني يقول الفيلم بيعجبك.. فيلم فيه حنان!»
في سنوات صباي الغض، تساءلت ماذا يعني الحنان؟! لا علاقة له بالرعب كما يبدو، وعنوان الفيلم مكتوب بخط رديء وبمفرداتٍ إنجليزية لم ندرسها. لن يكون فيلمًا عن قصة بطولة تاريخية يواجه فيها العرب آلة الحرب الإيطالية كما في «عمر المختار»، ولا مغامرات يناطح فيها البطل الفقير الوسيم الظلم الطبقي متمثلًا في هندي بكرش كبير ليهزمه ويتزوج ابنته بعد أن ترقص معهما بوليوود كلها. نعم، كنت في ضوء حصيلتي الشحيحة من الأفلام أبحث عن موضع للحنان تصنيفًا للعمل. بصرامة، قررت أنا -ابنة الرقابات المتعددة- أننا سنشاهد الرعب، وعلى الحنان أن ينتظر حتى أفحصه قبل أن أسمح للأشقاء الأصغر برؤيته. كانت ليلة كابوسية، وحين لم نعد نقوى على مواجهة الرعب، قررنا إكماله بعد ظهر اليوم التالي. العجيب أن النهار لم يقلل عدد شهقاتنا المتفاجئة وصرخاتنا المكتومة كلما ظهر هيكل عظمي يبحث عن أدمغة الأحياء ليقضمها.
لا أذكر كم فيلمًا أرانا جهازُنا الأول، لكني أذكر أنه أُحيل على التقاعد في الفترة ما بين ثلاثية الماغوط وسلسلة «أكاديمية الشرطة»3، أي بعد إخراج صدام من الكويت، حين بدأت السماء تمطر أطباقًا وقنوات فضائية، واختفى محل اليمني دون أن ينتبه أحد. تلك سنوات منحتنا وفرة بصرية عجيبة، زحام من النِعم الهوليوودية غيّرت أساليب مشاهدتنا، واجترأت حتى على تنويع فصول السنة في منطقة نجد! وبدل موسم البراد القصير، والقيظ المتمطي ثمانية أشهر، أعطتنا الشاشات فصولًا متمايزة، حتى لقد عشنا بها الخريف الشاعري والشتاءات الثلجية المترعة بالكنزات الحمراء وأكواب الشوكولاتة الحارة.
في التسعينيات، وفي كل سنة من بداية الصفري وحتى بذرة الست4، تؤثِث الأفلام الأمريكية المعروضة على الشاشات أرواحَنا ومقاعدَ السنترال بارك وأرصفةَ شوارع بروكلين بأوراق الأشجار الملونة، وتزخرف واجهات بيوت الضواحي والمحلات بحبات القرع البرتقالية المستديرة. تأخذنا بأيدينا لنقطع أمريكا من الساحل الشرقي للغربي للغرب الأوسط، مُلبين مناسبات عائلية عديدة، من عشاء الشكر إلى عيد الحب، مرورًا بعيد الميلاد ورأس السنة. نعيش تفاصيل الميلاد، ثم نتابع كُرة «تايمز سكوير» تهوي بقلوبنا وأماني العشاق، ونَعُدّ مع المغامرين حتى العشرة؛ حتى لو لم تأت القُبلة. نسمع الأجراس ونحفظ الموسيقى، ونقفز بين القنوات بحثًا عن دفء لا مبرر للتلهف عليه.
على رأس الألفية الثانية، سنصحو فجأة على فكرة أن الرومانسية بات لها وجه مختلف. سيكبر أبطال قصص الحب في السينما، وبدل الحبّيبة الشباب، سيقفز مؤشر عمر الأبطال رجالًا ونساء، وسيطاردون حبًا بمعايير مختلفة، مجرجرين وراءهم أطفالًا وخيبات، وسيرتطمون بالحب وسط بحثهم عن ذواتهم وعن أوضاع معيشية أفضل، في خضم صراعات سياسية وأيديولوجية، وسنلهث لنرى تحقُّقَ الحب في لحظة ما بنهاية Act 1، ويستمر الأبطال بالجري بعدها.
تسارُع الألفية الجديدة يُحيي ويُميت، تنطفئ فيه بضع قنوات فضائية كلما تبرعمت منصة مشاهدة حديثة، يتغير المزاج العام للمُشاهد وعادات المشاهدة، وتُعاد صياغة مفهوم الحب: مَن نحب؟ ولماذا؟ وكيف؟ حتى إن مشاهدة فيلمين رومانسيين من التسعينيات وما بعد الألفين تتابعًا سيُظهر الهوة الشاسعة بينهما في العقلية التي أنتجت العملين. وسأزعم هنا أن هوليوود في العصر الحالي -مع شقيقاتها الأوروبيات- قد أصبحت منصات تبشيرية بتوجهاتها بإلحاح سمج.
لنعد إلى التسعينيات، ولننتقِ نجمةً كانت سفيرةً للرومانسية وقتها، وسأسمح لنفسي بأن أضرب صفحًا عن ميشيل فايفر، ديمي مور، ساندرا بولاك، جوليا روبرتس، شارليز ثيرون، بل حتى عن كيت وينسلت بطلة «التايتنك»، لأتحدث عن ميغ رايان، وهو اختيار واعٍ، أستطيع أن أنافح عنه: ميغ نجمة الرومانسية الكوميدية التي جمعت النجاح التجاري بالتأثير الثقافي، وهي النجمة التي لم تشذ عن مسارها إلا في أعمال نادرة، ولم تبتعد فيها كثيرًا عن الحب5. أتحدث عن ميغ رايان لأني أعتبرها ظاهرة فعلًا، فهي لم تحتج إلى أنوثةً طاغية لأداء أدوارها6، بل لم تحتج حتى إلى براعة في التمثيل لتكون نجمة شباك لا ريب فيها. ولولا خشيتي من أن أزيّن عيبها لقلت إن أداءها المفتعل غير الواقعي كان في أحيان كثيرة مقصودًا، وكأنها تنتمي إلى موجات سينما أقدَم لم تكن واقعيةُ أداء الممثل لمشاعره فيها غايةً.
وقلة البراعة في الأداء يوازيها قلة براعة متعمَّدة أيضًا في كتابة سيناريوهات أعمالها، فهي أعمال بسيطة لا يتوقع المُشاهد نهايتها فحسب، بل يستطيع أن يخمّن7 موضعَ كل تطور درامي بسيط فيها. ميغ تؤدي قصة واحدة في معظم أفلامها: شابة قليلة التجربة، حادة الطبع، سريعة الأحكام، طفولية التعبير، تقع كل مرة في حبِ وسيم، بل إنها تأتي في كل عمل سينمائي جاهزة للوقوع في الحب بأفكار بسيطة ورنانة عن الشغف وحب النظرة الأولى والعشق غير المبرر لشخص يدرك بمجرد ظهوره حصون اشتراطاته، لينتهي الفيلم بارتباط طويل سعيد، عبر سلسلة محسوبة من مواقف الاقتراب والابتعاد وانتصارات لذيذة في شكل جوائز حب غير غارقة في الحسية، وهزائم أصغر بسبب تلظّيها بشكوكها، لا في الحبيب، بل في إمكانية نجاح هذا الحب وصموده وفي استحقاقها له، ولن ينتهي الفيلم حتى تلتحم روح المحبين المشطورة في جسدين.8
ومع أن ميغ تجسد في أعمالها دائمًا ابنة المنزلة العليا في الطبقة الوسطى، وهي طبقة غنية بالقضايا التي يمكن أن تضفي الكثير على قصة الحب: هموم اقتصادية تخلقها الأنماط الاستهلاكية للطبقة ودوافعها، انشغالات سياسية، واختلافات عقدية.. فإن الجميلة الشقراء التي تمزج البراءة مع العفوية مع التدفق العاطفي -حبًا أو انزعاجًا أو مشاكسة- تُنحّي كل ذلك في أعمالها، ليكون الحب جوهر الحياة وهدفها ونهايتها السرمدية، وهو حب تشكله أمام أنظارنا -نحن المشاهدون- بين أكثر فصلين مناسبين للحب؛ الخريف والشتاء، على خلفية من المناظر الطبيعية الساحرة.
وبالتالي، فإن النموذج الذي تُرسخه بمثابرة، عملًا بعد آخر، كما لا تفعل زميلاتها الأبرع منها أداءً، مختلفٌ عما سواه، وهو أشد اختلافًا عن الحب المقدم في الأفلام الأوروبية لعدة أسباب: أولها أن الحب السينمائي الأوروبي غير معني بإبراز جماليات البيئة9، بل إنه يجعل البيئة فاعلًا مؤثرًا في أحداث العمل وشخصياته، ولا يمكن بتاتًا مقارنة تعقيدات شخصيات بطلات الرومانسية الأوروبية، بعيوبهن المركبة، مع بساطة البطلة الأمريكية.
لماذا أحنّ لأعمال ميغ رايان اليوم؟ ربما لأن أفلامها ببساطتها -المحبطة لمن يبحث عن قيمة فنية أو منظور وجودي أوسع- تُمثِّل كل ما أفتقده في عصر الحميميات الباردة على أرض الواقع وعلى الشاشات: مكابدات الحب من آلام شك في الذات وخوف على البذرة الوليدة وصمودها، أخلاقيات الحب الذي يرفض استغلال هشاشة المحبوب، الذي يُعلي مصلحة الحبيب الشخصية على تحقق الحب إن بدا بينهما أي تعارض، الحب الساعي للزواج وتكوين أسرة، الحب الموحي بحسية محتشمة لا يتجاوزها، الحب الذي هو كيمياء لا تُقهر، الحب ذو التعبير المكثف عن المشاعر والذي يَستعذب الحديث عنها.
اليوم، حين يُصنَّف فيلم جديد بأنه رومانسي، فهذا يضعه في قلب "جانرا" الحنان الذي حضّ على مشاهدته يَمَني الفيديو، أما تصنيفه العُمري فسيجعله صالحًا للأطفال تحت إشراف الوالدين.