«رولم» والعودة من خلال الحجة الجمالية

إذا كان هناك عدد قليل من المخرجين السعوديين الذين يمكن الرهان عليهم، سيكون المخرج المكافح والصبور عبدالإله القرشي حتمًا واحدًا منهم، فمن الواضح، من خلال فلميه الطويلين «رولم» و«الهامور ح.ع»، أننا أمام مشروع مخرج كبير، لا يكتفي بمجرد الحضور العابر، والرغبة في تسجيل اسم وموقف سينمائي في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ صناعة وإنتاج السينما السعودية، فالرجل لديه ذلك النوع من الإحساس الفني العالي، الذي سيلمحه أي متابع ومهتم بالفن السابع، فلقطاته ليست لقطات عادية، وحركة كاميراته تقول إن خلفها شخصًا مأزومًا بالفن. لا يُعَدّ ما قلته الآن من قبيل المديح المجاني، ولا من باب التخريص غير المنطقي. بالعكس، فالقرشي بحسب متابعتي لن يحتفل بهذا الكلام على أساس كونه مديحًا، فأنا من خلال هذا الكلام أحاول لفت انتباه الوسط الفني وجماهير السينما السعودية الجائعة للفن إلى طاقة فنية تعرف تمامًا ماذا تفعل، والأهم من المعرفة هو انعكاسها على الكادر الذي يطمئن إلى خروجه أمام الناس، وهذا الحس المسؤول هو جل ما يُطالِب به كل متذوق للجمال، كما أنه في إثبات هذا القول هنا نوع من إحقاق الحق، وفيه أيضًا نوع من التحدي للزمن من خلال استباق ما يمكن أن يفعله القرشي في قادم أيامه.

شخصيًا، أنا ضد التباكي على المراحل السابقة، أقصد تحديدًا واقع العقود الأربعة المنسية من التاريخ الرسمي للسينما المحلية، والجميع يعرف ظروف تلك المرحلة، لكن لن أكون صادقًا لو قلت إن هذا الموقف المُسبَق من موضوع الفيلم تغير لديَّ بعد مشاهدة الفيلم، الذي يروي قصة مخرج شاب اسمه عمر يود عمل فيلم عن مدينة جدة (قام بدوره الفنان خالد يسلم)، وهو مهووس بأفلام المخرج العملاق يوسف شاهين، وتحديدًا أفلامه عن مدينة الإسكندرية، يلتقي بمخرج مهزوم من جيل السبعينيات هو الخواجة فريد الذي عاش شتاته الشخصي، الموزع بين القاهرة وباريس وجدة (أدى دوره الفنان القدير شاهر قرشي). دعم المخرج عبدالإله القرشي والكاتب ياسر حماد القصة الرئيسة بقصص عاطفية واجتماعية جانبية، كان هدفها رسم شخصية الأبطال بوضوح تام، تنتهي بتحقيق الحلم على نحو درامي يميل إلى الشاعرية في نهايته.

وفضلًا عن الحكاية المكتوبة جيدًا، هناك دور محوري للرؤية الفنية. لا أقول إنها هائلة، لكنها كانت بليغة؛ أعطت للصورة تلك المساحة المطلوبة، دون زيادة أو مبالغة واستعراض في الإمكانات الفنية، ربما لأن الموضوع لا يحتمل إبراز الحد الأعلى من فنية الصورة السينمائية، التي شاهدناها بوضوح بعد ذلك في فيلم القرشي الثاني «الهامور ح.ع»، أو لعل ذلك عائد إلى المسائل الإنتاجية. المهم هو الإحساس الذي تركته الصورة لدى المتلقي بزعمي.

ذلك لأنني وأنا أحاول استنطاق الصورة، وجدت أنني رأيت كل ما يمكن للصورة أن تعبر عنه، من وجوه الشخصيات، وانفعالاتهم، والأماكن ومدى واقعيتها، والأهم من كل ذلك هو أنني رأيت جدة القديمة، موضوع الفيلم، المكان الجوهري في حكاية الفيلم، والأعظم من هذا وذاك أنني رأيت -من خلال حركة الكاميرا- السردية التي كانت تعتمل في فؤاد المخرج، ورأيت أيضًا الطريقة التي من خلالها بُنيت هذه السردية. رأيتها في العمارة التي مزج فيها بين صورة المدينة القديمة برواشينها، والمدينة في لحظة تصوير الفيلم ببلكوناتها وشرفاتها، والثنائية بين الشوارع في شكلها الحالي والأزقّة القديمة. إن أهم ما في الفيلم، في تصوري، هو تصوير الفضاء المفتوح الذي جاء في النصف الأخير من الفيلم، والذي جعلني أندمج وأنسى بداية الفيلم التي كانت معقولة ومنطقية لوضع المُشاهد في حالة اختناق، ليأتي الشق الثاني من الفيلم كتعبيرٍ صريحٍ عن الجمالية، من خلال حركة الكاميرا المحمولة باليد التي تتجول بنا وكأننا سياح داخل مدينة عتيقة. كل ذلك جاء في حالة تماهي مع النص الذي كان أمينًا لحركة الكاميرا، ولا يحاول التعالي عليها.

كل ما ذكرته آنفًا من مقدرة فنية، ونص يتميز بالانسيابية، انعكس على أداء الممثلين، حيث بدا عليهم الاسترخاء والحضور الذهني الجميل، فلم تكن حركة أجسادهم خارجة عن الرتم العام للفيلم، وأخص بهذه الميزة الممثلَين الجميلَين، خالد يسلم وشاهر القرشي، اللذين قدّما أداءً سينمائيًا فائقًا في جودته وجماليته، جعل هذا الأداء من القصة أو الحكاية حكايةً حقيقيةً لا متخيلة، ما جعل من قيمة التأثر بالحالة الإنسانية قيمة جمالية مضافة، وأعتقد أن هذا التجانس العظيم ما كان ليحصل لولا إيمان طاقم العمل بالنص وبالمخرج على حد سواء، ولعل هذا ما طفر على لسان العم شاهر القرشي عندما قال إن السينما عمل جماعي من خلال حواراته مع خالد يسلم في أحداث الفيلم، وإن كان في ذلك ما يشبه الخطاب المباشر والتوجيهي، إلا أنه جاء منسجمًا مع خطاب الفيلم المفاهيمي، ولأنه كذلك جاء بكامل عنفوانه على لسان الرجل الحكيم، الذي مر بكل تلك الهزائم.

لقد قدّمت السينما السعودية عديدًا من الأفلام التي تناقش قضية تأخر الاهتمام بالسينما المحلية، لكنها في مجملها سقطت في فخ المصادمة العنيفة، ولم تحاول تقديم القضية من خلال الحكاية العاطفية الهادئة، بمعنى أن صوتها العالي كان يجعل من المسألة تنحو نحو الاعتراض والرفض، والدوافع لهذا الفعل مفهومة، لأنها تأتي من مبدأ فكري يناقش الموضوع من جهة منطق العلة والمعلول، والسبب والمُسبب. المدهش في فيلم «رولم» أنه ذهب إلى الاستنجاد بالجمالية التي ينطوي عليها فن السينما نفسه، من خلال اختيار مكان له نفس المكونات الشبيهة بفن السينما، وهو مدينة جدة، المدينة التي تتميز بفضيلة القبول بطبعها، وقد عبّر المخرج عن هذا الخطاب من خلال الفيلم بصوته الشخصي، من خلال تقنية التعليق الصوتي voice over، التي لم تظهر في الفيلم إلا من خلال هذا المقطع بالتحديد، وكان في ذلك ما يشبه المصالحة أو التفاهم اللطيف بالصوت الهادئ، الذي يقول بأن المسألة ليست مسألة معاندة وتصارع، بل مسألة إمكانية رؤية الجمال، وقد ظهر ذلك الصوت في غاية الرهافة تعبيرًا عن إمكانية رؤية جمالية روح المكان، تعبيرًا عن إمكانية الإحساس بجمال الصورة السينمائية، التي يمكنها بكل جمال ومحبة أن تذيب الفوارق، وتصهر الاختلافات، وفي ظني أن الفيلم في عمومه، وككتلة فنية متكاملة، بحكايته، وصورته، وأداء أبطاله، استطاع اختراق هذا المعنى الذي ظل طيلة الفترة السابقة محتفظًا بسخونته ومشكلاته، ومن حسن الطالع أن يكون هذا الفيلم هو أول فيلم سعودي يُعرض في صالات السينما في السعودية، بعد فترة انقطاع هائلة طال أمدها غير المبرر، وكأن الفيلم جاء ليُصلح بين زمانين من خلال الحجة الجمالية لا من خلال الصراع الفكري الحاد.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى