كثيرة هي الأعمال الفنية التي تتحدث عن المكان، فالمكان أحجية، وارتباط المبدعين به أحد مفاتيح تكوين شخصياتهم الإبداعية. القرية، المدينة، البحر، الشارع والحي الشعبي.. يتضح ذلك جليًا في الشعر والرواية، في الأغنية والفيلم، تتفوق السينما بقدرتها على تصوير المكان ونقله بصريًا إلى المُشاهد، في مقابل مساحة التخييل التي يُتيحها العمل الأدبي للقارئ والمستمع. وبالرغم من ذلك، فإن لكل عمل فني قدرته على التقاط زاوية مختلفة للمكان، وتقديم الرؤية الشخصية لصانعه سواء عبر الكلمة أو الصورة.
المدن، تحديدًا، أكثر إغراء لصنّاع السينما، ذلك أن القرية، بكل ما تحمله من غواية الحنين إلى الأرض والارتباط بالطبيعة البكر والرغبة البشرية الدائمة في العودة إليها، لا تحمل من التعقيدات الإنسانية ما تحمله المدينة، سواء عبر تشابك العلاقات بين الأفراد، أو الأنظمة والقوانين وتداعياتها، قصص النجاح، التنوّع الديموغرافي، والتباين الاجتماعي الطبقي، وخلافه من الزوايا التي تقدّمها المدينة مادة دسمة للفيلم، والنماذج في ذلك كثيرة، نستحضر منها، عربيًا، فيلم «القاهرة 30» (1966) للمخرج الراحل صلاح أبو سيف، المأخوذ من رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة»، وأفلام ثلاثية الإسكندرية للمخرج الراحل يوسف شاهين التي تناول فيها جانبًا من سيرته الذاتية عبر علاقته بمدينته، و«دمشق مع حبي» (2010) للمخرج السوري محمد عبدالعزيز، وعشرات الأفلام التي ليس هذا موضع حصرها، لكننا ننتظر في السينما السعودية قصصًا شتّى حول المدينة، ولعلّ من أولها وأبرزها، فيلم «رولِم» (2019) وهي الكلمة التي يستخدمها صانع الفيلم قبل تدوير الكاميرا، للمخرج عبدالإله القرشي، وأبطاله أمام الشاشة: خالد يسلم، سارة طيبة، وشاهر القرشي.
يرصد الفيلم الذي كتبه المخرج نفسه بالاشتراك مع الكاتب ياسر حمّاد علاقة عمر نزار المخرج الشاب (خالد يسلم)، الذي يعمل في قطاع الإعلانات، مع مدينته الأثيرة جِدّة، ويتناول رغبته في الانعتاق من سطوة العمل التجاري وضغوط العملاء والشركة التي يعمل بها، وتحرير ذاته المبدعة من هذا الإطار، في محاولة منه لتقديم فيلم عن مدينته بالصورة التي يراها، وهذه ربما إشكالية أزلية في محاولات الفنان الخروج عن الحدود التجارية لأي عمل إبداعي، قبل أن يعود مرة أخرى للارتطام بها -وربما الانصياع لها- إذ لا مناص من الوصول بموهبته إلى العالم إلا عبر الأرقام، والإعلان، والنجاح التجاري! كما تتخلّل الحكايةَ الرئيسةَ قصّةُ حبّه مع لينا (سارة طيبة)، وصولًا إلى لقائه بالصدفة مع العم فريد، في دكّان صغير للتحف الفنية.
جِدّة مدينة عصيّة على الاحتواء والتلخيص. لعلّ هذه الفكرة الأولى التي خطرت ببالي بعد أن اتضح سياق الحكاية، عن أي جدة سيتحدث الفيلم؟ المدينة التاريخية بما تحمله من حكاياتها وامتدادها الجغرافي؟ أم مدينة البحر والاقتصاد وما ضجّت به شواطئها على مر السنين؟ أم مدينة الأعراق والتنوع البشري والفنون؟ أم جانبها البسيط والشعبي ذي الحارات والأزقة والهوامش، والعاديّ من الأيام والقصص؟ أي جانب من المدينة هو جدّة التي يسلط الضوء عدسته عليها وهي خليط من هذا كلّه؟ يبدو أنّ صناع الفيلم على قدر عالٍ من الوعي بماهية المكان وتقاطعاته، وهو ما دفعهم إلى الإجابة بحرص عن هذه الأسئلة، واستيعاب التمدّد الهائل في هذه المدينة الفسيفسائية، فلم يجهدوا أنفسهم بتقديم نظرية قاطعة أو زاوية واحدة لقولبة المدينة، ولم يقدم الفيلم كذلك صورة حاسمة يمكنك أن تقول من خلالها: هذه هي جدة!
يطرح الفيلم أيضًا أزمة سابقة، لا نزال حديثي عهد بها: منْعُ السينما في أزمنة مضت، وهي أزمة لا ينبغي التوقف عن الحديث عنها وعن تبعاتها حتى بعد إقرار صناعة السينما وفتح الأبواب أمامها، ذلك أن العجلة التي تأخرت في الدوران أربعين عامًا أثّرت، دون شك، في مسار الصناعة ككل، وعطّلت تقدمها لوقت طويل، والثمن الذي دفعته السينما -صناعةً وصنّاعًا وجمهورًا- انسحب بشكل كبير على عدد لا بأس به من القطاعات الإبداعية التجارية، وامتدّ أثر هذا التقييد أكثر ليصل إلى تأخير قطاع الفنون عن الإسهام في تأثير القوى الناعمة للسعودية، وانعكاس صورة الدولة ثقافيًا ودبلوماسيًا، وما يرتبط بذلك من تبعات، ولهذه الأسباب جميعها، كان من الذكاء هنا التطرق لأزمة المنع عبر الحكاية الكبيرة، صورة المدينة في عيون أبنائها، ولعلّنا نستحضر في هذا السياق الفيلمَ الجميل «بحب السيما» (2004) للمخرج أسامة فوزي، الذي رسم صورة مصغّرة للآثار التي يتركها التشدّد على منع الفن، وكيف يؤدّي ذلك إلى إرباك السياق الاجتماعي بأكمله، سواء عبر الأسرة الصغيرة التي يديرها أب متزمّت، أو ما تلقيه تبعات فكره الضيّق على أسرته.
تتعدّد الحكايات في قلب «رولِم»، المخرج العاشق، الفاشل عاطفيًا، الغاضب الذي يثور على صغائر الأمور، وحبيبته، التي تضيق ذرعًا بالخناق الذي يحاول إحكامه عليها، فتقرر اتخاذ مسار آخر. ارتباط المخرج بأسرته، وعلاقته بشركة الإنتاج التي يعمل فيها، صدامه الدائم مع مديره، وتقاعسه طوال سنين عن إيجاد وسيلة يصنع بها فيلمه المنشود، قبل أن تهديه الحياة إلى صدفته الكبرى، وعلاقته التي تطوّرت لاحقًا بالعم فريد، الفنان السابق الذي هجر السينما وطريقها، واختار أن يعيش حياته في الظل بين نفائس الفن ومقتنياته الثمينة والنادرة.
ولا يسعنا أن نفوّت الجرأة في طرح الأفكار، والصدام الطبيعي الذي ينتج عن اختلافٍ في الرؤى بين الفنّان الذي يرتكز عمله على كسر القيود والخروج عن الإطارات، فيما تسعى البيروقراطية إلى لجم محاولاته وفرض سيطرتها عليه، وهو ما يُحسب للمخرج عبدالإله القرشي الذي استطاع الاستفادة من المساحات الشاسعة في حداثة الصناعة، فلم يقيّد نفسه بمحظور ولم يضع لنفسه خطوطًا حمراء، بعيدًا عما يمكن أن يتبعها لاحقًا، لكن الخطوة محسوبة له، ولقدرته على اقتناصها.
إن كان ثمة مآخذ على الفيلم فهي كامنة في الحوار. لا نزال ننتظر فيلمًا قادرًا على خلق نص طبيعي، مستمدّ من الحياة اليومية وتلقائيتها، لا من رغبة المبدعين في قول ما يريدونه، ونقل حواراتهم المكتوبة على الورق إلى الشاشة، وهذه إحدى الرهانات المتروكة للوقت، وقدرات العاملين في حقل السينما على تجاوز هذه الهفوات بسرعة. كل شيء قابل للتصويب، وليس ثمَّة عمل مكتمل. الحكايات تتطور باستمرار، ومواصلة الجهد لا بد أن تنتج بالضرورة أعمالًا جميلة أقرب إلى الاكتمال.