يظهر التحيز للسينما الشعرية في فيلم «رقم هاتف قديم» للمخرج السعودي علي سعيد، منذ عنوان الفيلم المُستل من اسم قصيدة للشاعر العراقي مظفر النواب، وليس هذا التحيز الوحيد في الفيلم للشعر من حيث تصوره العام، فهناك تقاطع مع القصيدة نفسها، التي انحازت للماضي وأعلنت القطيعة مع الحاضر:
«عشقي ويرن الهاتفُ
لم يتوقف منذ ثلاثين يرن
لكن من كثرة ما استعمله العشق
محا الأرقام
وأدرتُ الأرقامَ الممسوحةَ مراتٍ
مراتٍ رد الصمت
لقد كانوا بالأمس هنا
ما تركوا شيئًا يُذكرُ
غير الصمت»
قد يظن البعض أن الفيلم تأويلٌ للقصيدة، لكن بعد الإمعان فيه أكثر، سنعرف أن هذا الظن ليس في محله، وأن المقصود تأويل الماضي نفسه، لا القصيدة، فما اسم القصيدة إلا الجزء الذي يحمل دلالة التناص، كنوع من الإشارة لهذا الماضي الضاغط، الذي أيقظ أشياء كثيرة: حكاية، ورسائل، ومكان، وأيقظ معه أيضًا صوت الهاتف الذي يرن، والذي اتضح أنه لم يتوقف قط رغم واقعية الحاضر.
المعضلة التي يواجهها معظم من يحاول الكتابة عن السينما الشعرية، أنه إذا ذهب يتلمس تأويل الفيلم من خلال أدوات نقد السينما، فإن احتمالية انزياحه عن القيمة الشعرية واردة، بل مُتوقعة جدًا، فتناولُ السينما التقليدي أو الطبيعي القائم على التفسيرات، والكشف عن الدال والمدلول، أو العلة والمعلول، يفسد بشكل كبير الهدف الأسمى للسينما الشعرية، أي هدفها الذي يجيب عن سؤال: «بماذا شعرت؟» لا عن سؤال: «ماذا فهمت؟» وفي الغالب أن الفيلم السينمائي المنتمي لقبس الشعر سيكون في داخله دفاعُه الخاص عن الشعرية، التي تمنع المتلقي من القبض على دلالات الفهم، وبدلًا من ذلك تُدخله في تهويمات الدلالات الشعرية. وهذا شأن في غاية الأهمية، تختلط فيه كثيرٌ من الرؤى، فالفيلم الشعري ليس ملزمًا أن يكون موجهًا إلى النخبة، التي تعرف ماهية السينما الشعرية، بل هو أجدر بالتوجه إلى العامة، شريطة أن يحمل في داخله مبرراته الشعرية، التي تمنع المتلقي -حتى لو كان غافلًا- من الوصول للمعنى -كما أسلفنا- وهذا سبب من أسباب ضرورة الغموض في السينما الشعرية، هذا الغموض الذي يعد مكونًا فنيًا من أهم مكوناتها، وليس المقصود هنا الغموض البوليسي الذي يستجيب لآليات إعمال العقل في حل الأحاجي، بل الغموض الذي يتمنع على التحليل الذهني.
كان فيلم «رقم هاتف قديم» محمّلا بهذا النوع من الدفاعات عن السينما الشعرية، رغم معقولية الحكاية، ووضوح مركزيتها، التي تقوم على فكرة تعلق البطل حامد (يعقوب الفرحان) بالماضي، ومحاولته الانسحاب من الحاضر، أو التخلي عنه، يظهر ذلك في تخليه عن عمله، وإنكاره لذاته، حينما يجيب المُتّصل نافيًا وجود شخص اسمه حامد، كما يظهر أيضًا في تخليه عن كلبه، في دلالة شعرية نحس بها حينما نسمع نباح الكلب عندما يذهب صاحبه مسرعًا بسيارته، وترددات أصابعه وهي تتنقل بين القنوات الإذاعية. كل ذلك يمثل أعراضًا جلية للانسحاب من الواقع، لكن من أجل ماذا؟
كل العلامات الشعرية والبنيوية في الفيلم تحيل إلى رغبة حامد في الذهاب باتجاه الماضي، ماضيه الذي يَبرز في عدة مَشاهد، نعرف من خلالها مكان هذا الماضي. إنه في رقم هاتف قديم، يُخرجه حامد من حافظة نقوده، ويجرب فكرة «مظفر النواب» في أن يرن عليه، لكن النتيجة حتمية، أو كما يقول الشاعر في قصيدته، لا يرد سوى الصمت، الصمت الذي لا يرضى به البطل حامد، فيجرب حيلة أخرى وهي الضرب على جرس البيت، الذي ينجح في إعادة حامد إلى هيا حبيبته (أم كلثوم سارة بارد). يدور بينهما حوار قصير حول هذا الماضي، حيث تظهر الصور والذكريات الصغيرة، نصل من خلالها إلى ذروة الفيلم الشعرية وجوهره، وهو سؤال: ماذا يريد حامد -أو ماذا نريد جميعًا- من هذا الماضي؟ وهل لنا الحق أصلًا في تأويله، أو محاولة تأويله على الأقل؟
ما يصلنا من خلال حكاية الفيلم، لا من خلال خطابه، هو مجموعة كبيرة من الدلالات الشعرية الصورية، فعطفًا على الجزء الروائي الصغير في الفيلم، والذي يغلب عليه الاختزال، نكون أمام الدلالات وحدها، دلالة اسم الفيلم، وإحالته الصارخة لرقم قابع في الماضي، الموصوف بالقِدم، ووجود سيارة من طراز ذلك الماضي نفسه، وكلب يعبر عن ثيمة الوفاء، وهيئة عامة للبطل من خلال الديكورات حوله، والأزياء التي يرتديها، والموسيقى التي يستمع إليها، وبيت الحبيبة الذي يحمل حكاية هذا الماضي على كتفيه.. كل ذلك يُعبّر عن دفقات لا يمكن تأويلها إلا شعريًا، وهذا التأويل لا يكون إلا من خلال الشعور بالحالة العامة التي صنعها المخرج، فهو تأويل شعوري لا ذهني، ولأن الغرض شعري بحت، يضعنا بالضرورة أمام أسئلة الحبيبة الموجهة للبطل، وعن الجانب الطفولي فيه، الذي يجعله متعلقًا بالماضي لا بها، ما يضعنا أمام حقيقة ضاغطة يقوم كل شيء في الفيلم عليها، هي: ماذا فعل بنا هذا الماضي؟ وماذا نحن صانعون حياله؟ ولأن الفيلم الشعري يُعلي من قيمة الأسئلة الكبيرة، وعلى رأسها سؤال تأويل الماضي، يتركنا المخرج أمام نهاية مفتوحة، أو نهاية عبثية، لشخص يجد نفسه أمام أحد أبواب هذا الماضي، في موقف مخجل أمام الجار الذي يُعَبِّر عن ترصد الحاضر، فلا ندري هل تجاوز البطل حامد هذا الحاضر الراصد، وعَبَر باب الماضي، برقمه القديم، وتبع نداءاته، أم تراجع وولّاه ظهره من جديد؟
«دع الأيام تنام»، يقول مظفر النواب في أحد أبيات القصيدة ذاتها، وإذا حاولنا أن نستمع برهافة إلى هذه النصيحة "المظفرية"، سنجد أننا مع تقهقر حامد، ومع استمرار حالة الحنين للماضي، فالماضي هو الماضي في نهاية الأمر، أما إذا كنَّا أقل شعرية وآثرنا الانحياز للفرح، الذي لا مبرر له في فيلمنا، فقد نتوهم عبور حامد لهذا الماضي، الذي سيصير ماضيًا في زمن لاحق، لتتكرر الحالة الدائرية نفسها مع الحنين، مع وجود هاتف يرن للأبد. عبقرية الفيلم الشعرية تكمن في وجود هذه الجدلية في نهايته، التي تبدو قصيدة في حد ذاتها، فقد عبَّرت أرق وأجمل تعبير عن السينما الشعرية.