رغم كونه لم يتجاوز الثانية والعشرين عامًا، فإن أحد أفلامه القصيرة، وهو فيلم «عُثمان»، قد عُرض في زاوية الفيلم القصير في مهرجان «كان» السينمائي عام 2023، خالد زيدان، المخرج السعودي الذي دفعه حبه للسينما لتعلم صناعة الأفلام ذاتيًا من غرفته في جيزان، ومنها انطلق إلى العالم.
ومن العجيب أن يقوده حبه لصناعة الألعاب السحرية إلى صناعة الأفلام، لكن أليست السينما هي لعبة سحرية أيضًا؟ يقول خالد: «في عمر الثامنة أراني أحد الأشخاص بعض الألعاب السحرية لكنه رفض تعليمي إياها، حينها وقعت في حب العروض السحرية وعزمت على تعلمها، بدأت بمشاهدة بعض العروض على اليوتيوب، وسرعان ما تعلمت كيفية القيام بها، ثم بدأت بعرضها أمام الآخرين، ووقعت في غرام شعور الدهشة أو التأثير على الآخر حين مشاهدة هذه العروض.
«بعد ذلك أنشأت قناة على اليوتيوب، وحينها كان عليّ أن أصور بعض الفيديوهات لنفسي أثناء قيامي بالعروض، ثم تعلمت المونتاج أيضًا ووجدتني أستمتع به، ثم اكتشفت التصوير السينمائي، وبسبب عدم انتشار دورات في التصوير السينمائي وقتها في السعودية، اضطُررت إلى البحث على الإنترنت وفي الكتب، ودفعني الفضول للاستمرار بالتعلم ذاتيًا، حتى صنعتُ أول فيلم في عمر الرابعة عشرة، صوّرته بالهاتف وكان من إخراجي وتمثيلي، كما استخدمت فيه بعض الخدع البصرية أيضًا».
أحب خالد الإخراج، ليس بوصفه طريقة للحكي فقط، بل صورةً أيضًا، وكان يميل إلى صناعة الأفلام التي تتسم بالواقعية، فهو يحاول أن يجعل المُشاهد يلاحظ كل تلك الأشياء العادية والرتيبة التي لا يلاحظها عادةً، وكأنه يشير إلى ما هو موجود ومشاع، لكننا نصدّ أبصارنا عنه. وعن كيفية اختياره لموضوعات أفلامه، يقول خالد: «أحاول أن أحكي حكايات الناس العاديين، الذين ليسوا أبطالاً، لأني أومن أن لكل شخص قصةً تستحق أن تُروى، مهما توفرت لديه أساليب الراحة والرفاهية في هذه الحياة؛ ما دام تورط بوجوده الشخصي فهو قد حظي بمعاناة ما، لأن الحياة لا تخلو منها».
نرى ذلك جليًا في فيلم «عثمان»، الذي يحكي حكاية «شخص عادي» أو واحد من الناس، لا يمكن أن تلاحظه عادةً، لأنه يشبه محيطه وينسجم معه، فهو ينتمي إلى الطبقة تحت المتوسطة، يعمل حارسَ أمن في مشفى، يعيش في شقة بسيطة بمشاركة أحد الأشخاص، لا يملك كثيرًا في هذه الحياة، وطموحه اليومي الوحيد أن يحافظ على هذا القليل الذي يملكه.. وقد حاول خالد أن يجعلنا نرى الأشياء بعين عثمان مثلما يقول، لأن «عثمان يلاحظ الأشياء العادية والرتيبة، يقدّس الروتين الممل ويراه شيئًا مهمًا للحفاظ عليه، وفلسفة عثمان جاءت من كونه شخصًا يعيش في عالم يسعى للتغيير. فكل شخص يستيقظ من النوم في محاولة للتغير، ولأنْ يصبح أفضل، وعلى العكس تمامًا فإن عثمان يسعى للثبات والحفاظ على ما لديه، حتى وإن لم يكن في أفضل مستوى في الحياة، لكنه في تحدٍ مستمر للحفاظ على روتينه».
ورغم محاولة عثمان المستميتة للمحافظة على ما حصل عليه في الحياة، فإنه يخسر تدريجيًا كل شيء! «صحيح، لأنه مهما حاولتَ أن تعيش ثابتًا في عالم متغير، فإنك تقاوم طبيعة الحياة المتمثلة في التغيير المستمر، فإما أن تحاول التغيير مع الحياة المتغيرة، أو ستجبرك الحياة على ذلك، وفي حالة عثمان فإن اللحظة التي ظن أنه انتصر فيها حين انصاع للتغيير أخيرًا، واستمع إلى صوت رفيقه في السكن فهد، فإنه كان في الحقيقة قد انهزم وفقًا لمبادئه الرافضة للتغيير والحركة».
شخصيات الفيلم متباينة للغاية، فرغم سعي عثمان المستميت للثبات فإن رفيقه في السكن كان على النقيض منه تمامًا. يتابع خالد: «صحيح، عثمان شخصية رتيبة وهادئة تحاول الحفاظ على الروتين، ويهتم بالتفاصيل كذلك، ففي عمله يراقب الشخصيات المختلفة، الأب الذي يُحضر ابنته معه إلى العمل كل يوم، والموظف العادي الذي ينسى بطاقته، والشخص الغني الذي يتعامل مع عثمان بفوقية، يلاحظ عثمان كل ذلك ومن خلال عينيه نرى اختلاف الأطياف في المجتمع الواحد.
«وعلى العكس من عثمان فإن رفيقه في السكن، فهد، شخصية اجتماعية، حيوية، طموح، يسعى للتغيير الدائم، ومن خلال هذا التباين بين الشخصيتين نعرف من هو عثمان.»
بالنسبة إلى الجانب الاجتماعي في الفيلم، اختار خالد تصوير الطبقة تحت المتوسطة وتسليط الضوء أيضًا على وضع المرأة فيها، لأنها «طبقة لا تظهر في السينما والصناعة السعودية والخليجية كثيرًا، لذلك [أحبّ] أن [يصور] حياتهم ويومياتهم [ليُظهر] التنوع في السعودية، لأن السعودية ليست فقط الطبقة المخملية التي تظهر في المسلسلات، حتى ترسخت هذه الصورة في أذهان الناس في الخارج، فتحولت السعودية في أذهانهم إلى مجرد صحراء وجمال وأناس يعيشون في ثراء فاحش.. ولا [يصوّر] هذه الطبقة بفوقية، [فهو يعيش بينهم ويخالطهم] كثيرًا.
«و[قد حرص] على إظهار التنوع بتصوير هذه الطبقة تحديدًا وأيضًا تصوير التنوع داخل هذه الطبقة، فرغم أنهم أبناء طبقة واحدة فإنهم مختلفون ومتنوعون ولكل فرادته، و[قد أحبّ] إظهار هذه الفرادة».
«عثمان» فيلم سعودي بامتياز، اهتم بتصوير الحياة في السعودية بعيون أصحابها، وإليهم.. غير أنه حقق نجاحًا كبيرًا في فرنسا، وتجول «عثمان» ليُعرض في «باريس» و«تولوز» و«مونبلييه» و«كان»، وعبّر خالد عن تفاجئه بذلك وتخوّفه قبل عرض الفيلم قائلًا: «عندما صنعت فيلم "عثمان" لم أتوقع أن ينجح من المنظور الأجنبي، لأني صنعته بطريقة محلية للغاية تشبه الواقع السعودي، وحاولت إتقان اللغة المحلية، لذلك لم أتوقع أن يفهمه الجمهور الغربي لأن حتى الكوميديا والنكات في الفيلم هي سعودية للغاية، لكن العكس قد حدث، لأن "عثمان" عُرض في فرنسا أكثر مما عُرض في السعودية، وكانت تجربته مختلفة ورائعة للغاية، وقد تفاعل معه الجمهور الفرنسي وأحَبّه وضحك حتى على النكات.
«ويعود ذلك برأيي إلى أن الجمهور الفرنسي يحب الأفلام القصيرة ولديه مخزون سينمائي يساهم في تفكيك رمزيات الأفلام القصيرة من أي مكان من العالم، ومحلية الفيلم أيضًا هي سبب نجاحه لأن الجمهور لم يعتد على رؤية هذا الجانب من السعودية، فمعظمهم كان متفاجئًا من وجود هذه الطبقة وهذه القصص والشخصيات لأن تصوراتهم عن السعودية مختلفة للغاية».
قبْل «عثمان» صنع خالد عدة أفلام منها «الطفل في خزانة ملابسه»، وقد صُنع لتحدي الـ48 ساعة الذي تقيمه القنصلية الفرنسية، والذي يهدف إلى صنع فيلم بالكامل خلال يومين فقط، ويناقش الفيلم رغبات الطفولة غير المحققة التي تكبر معنا، فهو يحكي عن شخص في عيد ميلاده العشرين لا يزال عالقًا عند رغبة لم تتحقق في عيد ميلاده العاشر.. فاز الفيلم بالتحدي، كما فاز قبله أيضًا فيلم آخر عن التنمر بمسابقة «قمرة» لأحمد الشقيري وعُرض وقتها، رغم أنه صوّره بالهاتف في مدرسته المتوسطة واستعان بزملائه ليمثّلوا في الفيلم.. غير أن إمكاناته البسيطة لم تمنعه من صناعة الأفلام والتطور شيئًا فشيئًا، من خلال الهاتف والإضاءة المنزلية ثم الاستعانة بكاميرا بسيطة لصناعة الأفلام القصيرة والإعلانات، ومن ثم تأسيس فريق في عام 2018 تحوّل عام 2020 إلى مؤسسة رسمية.
سبق فيلم «عثمان» أيضًا فيلم «حواس»، وهو فيلم وثائقي فاز بجائزة ثاني أفضل فيلم وثائقي في مهرجان أفلام السعودية. صور خالد فيلم «حواس» في مدينته جيزان، عن ثلاثة مكفوفين لدى كل شخص موهبة ما، أحدهم ممثل مسرحي وعازف بيانو، والآخر فنان تشكيلي والأخير ملاكم حر.. وكيفية تعامل كل شخص مع فقدان هذه الحاسة المهمة وتفاعلهم مع المواهب الأخرى.. وبسبب حب خالد للأفلام الروائية فقد صنع هذا الفيلم الوثائقي بحس روائي أيضًا.
إذن، ما الذي يمكن أن يقدمه خالد تاليًا؟ يجيب: «الفيلم القادم "ميرا ميرا ميرا" عن شخص ثلاثيني يعيش حياة باردة جنسيًا مع زوجته أمل، حتى يستيقظ ذات مرة من النوم ويجد أنه قد فقد القدرة على الكلام، غير أنه ينطق بكلمة واحدة هي كلمة: "ميرا" وهذا بالطبع يسبب له مزيدًا من المشكلات مع زوجته ومع المجتمع الذي يحيط به، لأن لا أحد يعرف ما المقصود بميرا».
فيلم «ميرا» هو التعاون الثالث، بعد «عثمان» و«الطفل في خزانة ملابسه»، بين المخرج خالد زيدان وبين الكاتب عبد العزيز العيسى، وهو كاتب قصصي صدرت له مجموعتان قصصيتان: «نحن غرباء ونريد التحدث» و«الطفل الذي مات في خياله».