كل فيلم سعودي يُنتجُ في هذه المرحلة -التي تُعد مرحلة مبكرة نسبيًا في مسيرة السينما المحلية- سيأخذ حظه كاملًا من الحضور والمتابعة، ما يجعل من أي حراك سينمائي اليوم حراكًا مسؤولًا، وصُنَّاع الأفلام السعودية وجمهورها الافتراضي العريض على وعي بهذه النعمة الكبرى، التي ينضوي تحت ردائها نقمة كبرى أيضًا، لأن المساحة الحرة التي تحتمل التجريب الفني، الذي يمارس فيه -بالعادة- المخرجون مغامراتهم غير المحسوبة قد انتهت، وانتهت لسببين، الأول له علاقة بالإنتاج، الذي لم يعد يقبل مساحات التعثر، والثاني من جهة الجمهور، الذي رفع سقف توقعه من الفيلم السعودي.
في تصوري، اقترب المخرج محمد الهليل في فيلمه الروائي الطويل «أربعون عامًا وليلة» (2021) كثيرًا من تحقيق المعادلة المطلوبة من الفيلم السعودي، فالحكاية واقعية، يمكن لأي مُتَلَقٍّ مهما كان عمره أو مستوى ثقافته أن يتفاعل معه، لأمور لها علاقة بنوع الحكاية (دراما) وفضاء الفيلم العائلي، الذي يعكس واقع شريحة كبيرة من أطياف المجتمع السعودي، بالنسبة إلى حجم العائلة وتاريخها المنطقي، وقياسًا بالصورة العامة للعائلة السعودية في هذه اللحظة الزمانية.
قلت إنه اقترب من تحقيق المعادلة اعتمادًا على منطقية الحكاية، وكونها قد توافرت فيها اشتراطات الجذب الأولية، ولكن ما الذي جعل الفيلم لا يحقق المعادلة بشكل كامل ويقع في قلبها النابض؟ (وأنا أقصد بالمعادلة هنا تقديم تجربة مربكة في أسئلتها، متماسكة من ناحية عناصرها الفنية). هذا السؤال طرحته على نفسي، وحاولت الإجابة عنه، وسأحاول من خلال هذا المقال تفصيل إجابتي التي يتضح من عنوانها المختار وسياقها العام عدم إعجابها الكامل بالتجربة.
في البداية، لا يمكن أن نجادل في ظروف الحكاية، واختيار بُعدها الزمني (ليلة العيد)، والجمال في اختزال عمر العائلة في عنوان الفيلم (أربعون عامًا)، لأن اختيار هذا البُعد الزمني ينتمي إلى فكرة واقعية ضاغطة داخل المجتمع السعودي، كما أن الإيحاء بالرقم (أربعون) فيه إشارة إلى خطورة الأخطاء، مع إمكانية ومنطقية وجودها. كل هذا يُحسب للفيلم من حيث التكوين العام للحكاية، كما يُحسب له أيضًا لحظة الدخول للفيلم، ففيها عناصر جذب رائعة، قادرة على اقتناص لحظة القبض على المتلقي، وشد انتباهه.
كل ما سبق ينتمي إلى العناصر الفنية سينمائيًا، وهي السبب في اعتباره فيلمًا سينمائيًا، والتي شكلت وجهة نظري، التي اعتبرتُ فيها أن الفيلم اقترب من المعادلة السينمائية المنشودة، لكن الذي حصل بعد ذلك هو دخول الحس الاجتماعي إلى الحكاية الدرامية، ما جعلها، كتكوين، تبدو متأثرة بالطرح الفكري الموضوعي، الذي يوحي للمتلقي بوجود البعد الدرامي الخاص بالمسلسلات الخليجية الباهتة التي تُرضي وتستهوي ربات البيوت أثناء فراغهن، ومن هنا بدأت المشكلات تتتالى، وبدأت التضحية بالمعادلة السينمائية من أجل المنطق الدرامي، بموضوعاته وحواراته.
لطالما تساءلنا فنيًا حول التفكير السينمائي الصرف، القائم على المعطيات التي تقدمها لنا الصورة، من خلال حركة الكاميرا، وحجم اللقطة، وزوايا التصوير. كل تلك الأسئلة ذهبت في فيلم «أربعون عامًا وليلة» بسبب انحراف الحكاية باتجاه المنطق الاجتماعي، حتى تحول الفيلم من هدفه البصري الذي يحتم أهمية الحضور الفني السينمائي، إلى هدفه الموضوعي، الذي يجيب عن أسئلة العلاقات ومصير العائلة، وعند هذه النقطة تحديدًا يمكن لنا أن نلاحظ التبدل في نوع وطريقة الحوارات، التي تحولت إلى إجابات عن الأسئلة المحتملة في ذهن المتلقي، وهذه الأسئلة في اعتقادي هي التي جعلت الكاميرا تخرج من موقع التصوير الوحيد (بيت العائلة) وتُظهر الوجود الفعلي للأب. تخيل معي لو أن الفيلم لم يُظهر الأب، وأن الفيلم يبدأ وينتهي في البيت، كان ليكون أقرب إلى النظرية السينمائية، وكانت ملامح وصور وجوه الأبناء ستأخذ بُعدها السينمائي الحقيقي. هذا ما أعتقده على الأقل.
أعتقد أيضًا أن النص قد أحرج الممثلين، وجعل من مهمتهم السينمائية أصعب وأعقد، فالمطلوب سينمائيًا هو ظهور واستحواذ وجه الممثل، وحركة جسده، وطريقة كلامه، فهذه الأمور الفنية هي التي تبرز إمكاناته السينمائية، لكن النص خذل الممثلين، وجعل مهمة المخرج أقل أهمية وفاعلية، مجرد لقطات متتالية، أيُّ زاوية تصوير ستؤدي الغرض داخل الحكاية، فالأمر ذهب في اتجاه إرضاء المتلقي، من خلال تقديم إجابات عن أسئلته، فالأخ الأكبر يكبت انفعالاته أمام الأخت الصغرى، والأخ الأوسط يتدخل على نحو باهت، والأخ الأصغر مشغول بخطيبته عبر الهاتف، والبنت الكبرى تحاول تبرير وجودها في بيت أهلها في يوم كهذا، وانتهت بتدخلات الخادمة التي جعلتني أتأكد أن النص قد أفسد العمل تمامًا.
مقارنةً بوجود الحوارات السابقة التي تميل إلى تبرير الحكاية الاجتماعية، أود لفت الانتباه إلى الصراع بين البنت الصغرى والأخ الأكبر، هذا الصراع الذي رفع من مستوى العمل، وجعله يقترب من الحد السينمائي المقبول فنيًا، ولو لاحظنا أن إمكانات الممثلين من خلال هذا الصراع قد برزت بوضوح، لأن صراعهما بدا فيه البُعد التشكيكي القائم على الذهاب بالموضوع إلى ناحية إظهار الأبعاد الفنية لدى الممثلين، هذا لأن النص في هذا الجزء تحديدًا أعطاهما المساحة التي تجعلهما يُعبّران من خلال النظرات، وحركات الوجه. النص كان محتاجًا إلى هذا النوع من الصراع بين الإخوة والأخوات لإبراز البعد السينمائي، وكذلك بين الأطفال، الذين بدا حضورهم هامشيًا داخل الكادر، حتى إنني وبعد مشاهدة الفيلم مرتين لا أتذكر وجوههم.
لقد تم التساهل -في تصوري- بمدى أهمية النص السينمائي، مما جعل كل الجماليات السينمائية في العمل تبدو باهتة ومن دون جدوى، كما أنه ساهم في إبطاء الرتم، وقلل من فرص حركة الممثلين داخل مكان التصوير، وبالتالي إمكانات أن تقول الصورة السينمائية وجهة نظرها، التي تتكون من خلالها وجهة نظر المخرج السينمائية.
ما أود أن أختم به، ولعلي قد ذكرته غير مرة في مقالات أخرى تخص السينما السعودية، هو أهمية الاعتناء بالبُعد السينمائي الفني، الذي يقابله دائمًا مشكلة الاعتناء الأكبر بالموضوع القصصي والحكائي، ومحاولة تضخيمه، فالحكايات الجيدة لا تقدم سينما جيدة؛ الذي يقدم السينما ويرفع من قيمتها الجمالية هو التصور السينمائي الواضح. المزعج بالنسبة لي أن معظم صانعي السينما السعودية لديهم الثقافة السينمائية الكافية، لكنها في أغلبها -ومع الأسف- معرفة لا تذهب معهم إلى موقع التصوير، وقبل ذلك داخل ورش الكتابة، وكأنها معرفة زائدة أو مُضحى بها عن عمد.