يحدث أن تدخل إلى موقع اليوتيوب فتقودك عشوائية تصفُّحك فيه إلى مترو أنفاق نيويورك حيث اللااكتراثية الشبيهة بأحد طقوس يوم القيامة. تجد مقطعًا لرجلٍ يركل امرأة عجوز، كنسخةٍ مصغرة تعبّر عن الاضطهاد، دون حتى أن يتدخل أحدٌ ليمنعه، ومشهدًا آخر لرجل يسرق شنطة أو دراجة، أو يتعرى أمام العامة، أو حتى جائعٍ يتوسل لقمة، أو واعظ اقترب من أن يكون قاتلاً أخلاقيًا لعدم قدرته على تحصيل آذان صاغية ترخي سمعها إلى محاذيره الدانتية، تماما مثل شخصية القاتل -كيفن سبيسي- من فيلم «الخطايا السبع» الذي حين سأم تجاهلَ الناس له قال: «عندما تريد أن يستمع الناس إليك، لا يمكنك فقط النقر على أكتافهم. عليك أن تضربهم بمطرقة ثقيلة، وبعد ذلك ستلاحظ أنك قد حظيت باهتمامهم الصارم».
مرعبةٌ هذه المقولة، والأكثر رعبًا منها هي تلك المدينة الملأَى بالمُتجاهلين، التي تناسب من يعيش حياة الهروب، كما وصفها إدوارد سعيد: «مدينة ليست لأحد ولكل أحد، مدينة المنفيين»1، إذ تشعر بأن الأغلبية يخشون من إبداء رأيهم في العلن، بل ويستفيدون، مما يحصل من أحداث، كغطاء لهم!
ولا أعتقد أن الفيلسوف الأخلاقي الأسترالي بيتر سينغر كان يقصد سكانها عندما افترضَ وجوب مساعدةِ الطفل الغارق في البركة الضحلة وتضحية المرء بملابسه باعتبارها أقصى الأضرار الممكنة وغير المهمة إذا ما قورنت بحياة الطفل2، في محاولة منه لترسيخ وزرع المبدأ الإنساني ليكون جزءًا من تفكيرنا اليومي، بغرض إعادة تقديم الثقة الاجتماعية المختلة، من خلال التغاضي عن بعض الكماليات من أجل فائدة أولئك الذين يواجهون الكوارث.
ولعل نمط حياة بعض زوايا نيويورك المظلمة هو الذي ألهم صناع الكوميكس على استيحاء مدينة غوثام الديستوبية في عالم باتمان، واختيارها في الأفلام. ولعل بروس واين، ذلك الرجل الغني الذي يسعى لتصحيح هذا الفائض من المظلوميات الناتجة عن المنظومة، يعد هو الآخر، في عين بعض الناس، شريرًا راسبًا بين لزب المدينة ونتنها، بصفته رجلًا «تخريبيًا» حتى في نظر بعض أفراد الحكومة، ومساهمًا على نحو غير مباشر بالفوضى الأناركية التي قادها الجوكر، أو لِنَقُل باعتباره نِصْفَ شرير، كونه يرفض قتل الجوكر الذي كان سيحقق غيابُه فائدة مستقبلية تنبؤية: قتل واحد وإنقاذ كثيرين. ولكن القتل يجعله في طبقة واحدة مع المجرمين كما يعتقد، فلذلك يرفضه.
وهذا التجريم للبطل يظهر في قصة «صعود فارس الظلام» المصورة، التي أظهرت مدينة غوثام بصورة أقرب إلى واقعية نيويورك المتباهية بمجتمعها الأممي المتنوع الأعراق، كنموذج مصغر للعالم الأكبر، وهي تزدحم بالمنظمات الخيرية والنوادي العلاجية والمتخصصين الذين يدّعون بأنهم يتحدثون لأجل المجتمع المتضرر من العدالة العنيفة، إذ يطالب مجلس الأمهات في إحدى الأجزاء بإلقاء القبض على باتمان لأنه ذو تأثير سيئ على أبنائهم، أما المنظمة المعنية بحماية المجرمين من العنف المفرط، فقد طالبت بحماية الضحايا من عنف باتمان، بل وهناك عالِم نفس يتهمه بـ«الفاشية الاجتماعية» بسبب جهوده المبذولة في إعادة تنظيم المجتمع وفق رؤيته الخاصة!
وهذه النسخة التي يحتار حيالها الناس هي الأقرب في نظامها الأخلاقي الواقعي الحديث من نُسَخ المجرمين الذين ساد وجودهم في ثقافة البوب البائدة التي اعتمدت في صورتها على الشر المحض، المرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ«اللاأخلاقية» في السينما.
اعتمدت هوليوود في الآونة الأخيرة على إعادة تقديم الأشرار كنماذج متبدلة، تجمع بين صور الملائكة والشياطين في آن واحد، في صورة تتسم بالقطبية، وكما يقال: «الملاك الحامي الذي ينتصر على عدوِّك في المعركة، يراه عدوك شيطانًا مدمرًا». وأحيانًا لا يتوقف الأمر على قتال جسدي، بل قناعات يُقصد منها زرع الشك لدى المتلقي، حيث تُخلط الحقائق بالأكاذيب!
وهذا ما حصل في نيويورك، حتى في الحياة الواقعية، حين تحوّلت إلى مدينة يضربُ بها المثل من بين مجموع المدن التي تتصدر المشهد، كمسرح عالمي ومِنبر وعظي سواء على الواقع بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إذ أخذ الناس هذه الأيام يتداولون -بحماقة- الدوافع الأخلاقية لمهندس العملية في الرسالة المتداولة عبر التيك توك.
وعلى صعيد الأفلام التي لطالما أراد الأشرار الأخلاقيون فرض سيطرتهم عليها كما لو كان لها قيمة استراتيجية، نجد «ثانوس»، في أول جزء من سلسلة أفلام «المنتقمين»، يحضُر في صورة الحضور الإرهابي نفسه، عندما أرسل لوكي «إله الخداع» بالنيابة عنه ليسيطر عليها، كمسرح يمهد من خلاله إلى خطته التي سيقتل بسببها نصف الكون، ليعيد التوازن إلى الحياة، منهيًا شقاء الجوع والشتات والحروب، ومنقذًا الأكوان من المخاطر المحدقة بها، كالتلوث وغيره. وهذا الهدف الوحشي الذي يُدرج تحت مسمى «النفعية السلبية» يحمل بداخله شيئًا من النبالة التي تتعمد تشويه ما تشرّبناه وعظيًا منذ الصغر، كقصةِ "الخضر" حين خرق السفينة كي يتخلص من ظلم ملِك كان يأخذ كل سفينة صالحة، وحين قتل الغلام الذي أرهق والديه.
ثانوس كان يشبه باتمان، في اختلاف المدينة حوله، وفي تأثيره السيئ على أطفال غوثام التي تنعم بالمنظمات الحديثة نظرًا لأخلاقياته العالية. فحسب رؤيتنا له ندرك أنه شخص خطِر بسبب عطفه، كرجل لا يمتلك من وحشيته ما قد يضر قطة، مستحضرين الميم الشهير: «لقد أعطانا شوكولاتة، لا يمكن أن يكون شخصًا سيئًا».
ولعل عملية تقسيم الجماهير أصبحت أكثر جاذبية، لا سيما في ظل الوعي حيال ما يُسمى بالتضحيات والموت الرحيم وإعادة التوازن البيئي وغيره، فقد وجدنا من خلال السينما الجواب عن السؤال: هل يمكن ارتكاب الشر إن كان القصد نبيلًا؟
يرُدُّ عليَّ أحد الأصدقاء: «بوسعي توظيف شرّي الصغير لحماية الخير الذي أحمله بداخلي». وآخر يقول: «المناسب ليس هو الصحيح في بعض الأحيان، قد لا يكون تصرفنا صحيحًا ولكنه قد يكون الأنسب وقتها!».
واللاأخلاقية التي كانت ترصد دورنا من البداية بوصفنا مُعادين لها، كانت تتناسب مع القناعات المزروعة في اللاوعي، الرافضة للوحشية المحضة، وهذه هي سليقتنا، أو لنقُل الشنشنة التي تميل دائمًا للأخلاق وتنفر من اللاأخلاقي: «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك».
على الرغم من أن الأشرار الأخلاقيين في هذه الأفلام يُهزمون، مع استثناء فوز «أوزيماندياس» في فيلم «المراقبين»، الذي جعله إيمانه بالصالح الأكبر يقرّر -بنفعية- تفجير مدينة نيويورك بالنووي ليضع حدًا للحرب النووية الوشيكة التي كانت ستندلع شرارتها بين أمريكا وروسيا، مضحيًا بالملايين من أجل إنقاذ المليارات، ليوحّد العالم والقوّتين، إلا أن شعورنا بالرضا من هزيمتهم هو شعور زائف، كون الشر نفسه لم يذهب إلى أي مكان، بل أودع شيئًا منه بداخلنا، بذرة مستقبلية، بغرض إعادة اكتشاف خيره المضلل، ومغزاه النفعي مع كل معضلة حذّرونا من مغبتها واقعيًا وفيلميًا.. في المدينة ذات الاسمين نيويورك - غوثام.