«أتكلم عن ملايين الناس الذين جرى تعليمهم الخوف، وعقدة النقص والاضطراب والركوع واليأس والذل عن وعي»
- إيميه سيزير، خطاب في الاستعمار
بعد سنوات من العيش المستقر في أوغندا واعتبارها بلدهم ووطنهم، أصبحت أسرة من أصول هندية عرضة للتفكك والانهيار، فالأب جاي (روشان سيث) والأم كينو (شارميلا تاغور) والابنة مينا (ساريتا تشودري) تم طردهم بعدما وصل عيدي أمين لحكم أوغندا وأصدر قرارًا بطرد الآسيويين. اكتشف جاي أن المجتمع والدولة لا ينظران إليه بصفته مواطنًا أوغنديًا كاملًا. وهنا يطرح فيلم «ميسيسيبي ماسالا» (1991 ,Mississippi Masala) سؤالًا مهمًا: هل سنوات العيش والمشاركة في المجتمع هي المعيار لماهية الانتماء، أم الأصل العرقي؟
والإجابة جاءت عندما قال أوكيلو (كونجا مباندو) لجاي أن أفريقيا للأفارقة. فعلى الرغم من أن جاي حاول مساعدة أوغندا عندما سلّم مستندات تكشف فساد السلطة الجديدة، فإن أوكيلو يرفض هذه الحقيقة، وكأن الانتماء العرقي أصبح أهم من الحقيقة نفسها.
أما أنا فأسأل من الذي يملك سلطة تحديد معنى الانتماء ؟
إن مفاهيم مثل المواطن والأجنبي والوطني والمهاجر ليست حقائق طبيعية، بل فئات وتصنيفات تنتجها السلطة والمؤسسات والخطابات السياسية. وفي حالة جاي وأسرته، فإنهم عاشوا في أوغندا عشرات السنين وشاركوا في اقتصادها واعتبروها وطنهم، لكن عندما تغير الخطاب السياسي بعد صعود عيدي أمين أصبحت السلطة تعرفهم وتتعامل معهم فجأة باعتبارهم أجانب آسيويين. جاي وأسرته لم يتغيروا بل تغير النظام الذي يصنف الناس. فالانتماء ليس نتيجة تلقائية لسنوات العيش، ولا للأصل العرقي وحده، بل هو نتيجة الخطابات والمؤسسات والسلطات التي تقرر من يُعترف به عضوًا كاملاً في الجماعة ومن يصنف باعتباره غريبا عنها. يرى جاي نفسه أوغنديًا لكن السلطة تراه آسيويًا ليس له الحق في التمتع بحقوق المواطنة الأوغندية. وهنا لا تغدو الهوية ما يؤمن به الفرد ويقوله عن نفسه، بل أيضًا ما تسمح به البنية الاجتماعية والخطابات السياسية من اعتراف.
مينا وديمتريوس: خلطة هوية
يقول أمين معلوف في كتابه «الهويات القاتلة»: «لا تُعطى الهوية مرة وإلى الأبد فهي تتشكل وتتحول على طول الوجود، ورغم وجود العديد من الكتب التي سبق أن تحدثت عن الأمر وشرحته بإسهاب، فلا ضرر من الإشارة أيضًا إلى أن عناصر هويتنا التي توجد فينا عند الولادة ليست كثيرة، فهي بعض الخصائص الجسدية والجنس واللون، وحتى هنا ليس كل شيئ فطريًا، ورغم أنه من غير البديهي أن يحدد المحيط الاجتماعي الجنس إلا أنه يحدد معنى هذا الانتماء. أن تولد الفتاة في كابول أو أوسلو فإن ذلك لا يحمل المعنى ذاته، فهي لا تحيا أنوثتها بالطريقة ذاتها ولا أي عنصر آخر في هويتها». لذا، تعرف الهوية باختصار على أنها مجموع الخصائص والصفات والانتماءات التي يكتسبها الفرد على نحو إراديٍّ وغير إراديّ، والتي تتشكل وتتطور عبر تفاعله مع المجتمع ومؤسساته وخطاباته فتحدد نظرته إلى نفسه وموقعه بين الآخرين.
مينا التي ولدت في أوغندا وعاشت طفولتها هناك، ولم تعرف وطنًا آخر غيرها، اضطرتها الظروف الاجتماعية والخطابات السياسية إلى الانتقال الى ولاية مسيسيبي حيث أمريكا بلد الحريات والطموحات والأحلام، كما يروج لها الإعلام الأمريكي وكما يروج لها الخطاب السياسي الأمريكي. غير أنها تصطدم بالواقع الأمريكي. فرغم أصولها الهندية إلا أن أقرانها الهنود لا يرونها هندية أصيلة، والبيض الأمريكيين لا يرونها أمريكية، والزنوج يرونها لاتينية. إنها تعيش حالة من الخليط المعقد، تركيبة من الهويات المختلفة التي لا تجمعهم صلة ولا رابطة، إذ تقف عند تقاطع هويات متعددة: هندية الأصل، أوغندية الذاكرة، أمريكية الإقامة، ومحاطة بمجتمعات عرقية لا تعترف بها اعترافًا كاملًا.
ستشعر مينا طوال الوقت بالغرابة والبعد عن الانغلاق الذي ترسمه المجموعة الهندية، فحتى أسرتها كانت تمارس الرفض تجاه أي هوية أخرى. عندما تقابل ديمتريوس (دينزل واشنطن) تنجذب إليه، لأنها ترى فيه إمكانية الهروب من شعورها الدائم بالاقتلاع والاغتراب، أو لأنها كانت تريده ملاذًا من الصراعات والتفكك، وعلى الرغم من إدراكها أنه حاول في البداية استغلال العلاقة لإثارة غيرة حبيبته السابقة، إلا إنها تمسكت به أكثر لأنها لمست فيه الطريق للتحرر من براثن الهوية المفروضة عليها مسبقًا.
لا تجيب العلاقة بينهما عن الهويات المتقاتلة، فقد تكون قصة حب سرعان ما تنتهي بالفشل لو أن ديمتريوس كان أوغنديًا أو يحمل بداخله ذاكرة أفريقيا. قد تدل ملامحه على أفريقيته لكنه لم يعش هناك، فهو مولود في المسيسيبي وترعرع في أمريكا لذلك هو يحمل في داخله تاريخ الصراع من زمن تجارة العبيد مرورًا بالثورات حتى مجيء أبراهام لينكولن وتحرير الإنسان. وينتمي ديمتريوس إلى جماعة تشكل وعيها الجماعي تحت تأثير تاريخ طويل من العبودية والتمييز العنصري والنضال من أجل الحقوق المدنية. لذلك لا يمكن اختزاله في لون بشرته أو أصله العرقي، فهو بدوره يحمل هوية مركبة، تمامًا كما وصف أمين معلوف الإنسان الحديث؛ كائنًا تتقاطع داخله انتماءات متعددة لا هوية واحدة مغلقة.
خلطة هويات
في النهاية، لا يقدم فيلم «ميسيسيبي ماسالا» (1991 ,Mississippi Masala) شخصياته باعتبارهم أفرادًا يعيشون قصصًا منفصلة، وإنما باعتبارهم تجسيدًا لأشكال مختلفة من البحث عن الانتماء. فجاي يبحث عن وطنٍ فقده بعدما اكتشف أن الوطن ليس دائمًا المكان الذي عاش فيه أو أحبه، ولكنه المكان الذي يعترف به ويمنحه حق الانتماء إليه. لقد أمضى سنوات طويلة في أوغندا، شارك في حياتها واقتصادها واعتبر نفسه جزءًا منها، لكنه وجد نفسه فجأة خارج حدود الجماعة السياسية عندما تغير الخطاب الذي يحدد من هو المواطن ومن هو الغريب. أما مينا فتعيش شكلًا آخر من أشكال الاغتراب؛ فهي لا تبحث عن وطن ضائع بقدر ما تبحث عن ذات متماسكة وسط انتماءات متعددة ومتداخلة. إنها ابنة أوغندا في الذاكرة، وهندية في الأصل، وأمريكية في الحياة اليومية، لكنها لا تنتمي بصورة كاملة إلى أي من هذه العوالم. وبينما يحمل جاي جرح الإقصاء السياسي، تحمل مينا جرح التشتت الهوياتي الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه غريب في كل مكان.
أما ديمتريوس فيمثل تجربة مختلفة لكنها لا تقل تعقيدًا. فهو لا يعيش تجربة المنفى بالمعنى التقليدي، لكنه يعيش إرث تاريخ طويل من التهميش والتمييز. إنه مواطن في وطنه، ومع ذلك لا يزال مطالبًا بإثبات ذاته داخل مجتمع تشَكَّل جزء كبير من تاريخه على أساس الفصل والاستبعاد. ولذلك فإن العلاقة بينه وبين مينا ليست مجرد علاقة عاطفية عابرة، وإنما لقاء بين تجربتين مختلفتين من الاغتراب؛ اغتراب المهاجر الذي لا يجد وطنًا كاملًا، واغتراب المواطن الذي لا يحظى باعتراف كامل.
ومن خلال هذه الشخصيات الثلاث لا يسأل الفيلم من نحن فحسب، لكنه يسأل أيضًا: من يملك الحق في تعريفنا؟ هل الإنسان هو ما يختاره لنفسه أم ما تفرضه عليه الجماعة؟ وهل الانتماء حقيقة داخلية تنبع من التجربة والذاكرة، أم أنه امتياز تمنحه السلطة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء؟ هنا تتجاوز أحداث الفيلم حدود القصة الخاصة لتتحول إلى تأمل في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا: قضية الهوية.
فالهوية في الفيلم ليست جوهرًا ثابتًا يولد مع الإنسان ويبقى معه إلى الأبد، وليست بطاقة تعريف أو أصلًا عرقيًا يمكن اختزال الفرد فيه. إنها عملية مستمرة من التشكل وإعادة التشكل، تتداخل فيها الذاكرة مع التاريخ، والرغبات الفردية مع الضغوط الاجتماعية، والانتماءات الموروثة مع التجارب المكتسبة. فالإنسان لا يعيش داخل هوية واحدة مغلقة، بل يحمل داخله طبقات متعددة من الانتماءات والذكريات والعلاقات التي قد تتعايش أحيانًا وقد تتصارع أحيانًا أخرى.
ولهذا يبدو عنوان الفيلم أكثر من مجرد إشارة ثقافية؛ فالماسالا ليست مجرد خليط من التوابل، بل استعارة للإنسان نفسه. فكما لا يمكن فصل مكوناتها عن بعضها بعد امتزاجها، لا يمكن اختزال الإنسان في أصل واحد أو هوية واحدة أو انتماء واحد. جاي ليس أوغنديًا فقط ولا هنديًا فقط، ومينا ليست هندية أو أمريكية أو أوغندية فحسب، وديمتريوس ليس مجرد رجل أسود أمريكي. كل واحد منهم يحمل تاريخًا معقدًا من التجارب والانتماءات التي تتجاوز التصنيفات البسيطة.
ومن هنا تأتي المأساة التي يكشفها الفيلم؛ فالمشكلة تتخطى تعدد الهويات، وتمتد إلى إصرار المجتمعات والسلطات على إنكار هذا التعدد. فحين يُطلب من الإنسان أن يختار هوية واحدة فقط، أو حين يُختزل في لون بشرته أو أصله العرقي أو مكان ولادته، يصبح جزءٌ كبيرٌ من تجربته الإنسانية غير مرئي. لذلك لا يدافع الفيلم عن هوية معينة بقدر ما يدافع عن حق الإنسان في أن يكون أكثر من شيء واحد في الوقت نفسه.
وفي عالم تتزايد فيه الهجرات وتتشابك فيه الثقافات وتتداخل فيه الذكريات والحدود، تبدو رسالة الفيلم أكثر راهنية من أي وقت مضى: الإنسان ليس كائنًا ذا هوية نقية، بل هو خلطة من الهويات. وكل محاولة لفرض النقاء على هذه الخلطة لا تعدو كونها شكلًا آخر من أشكال الإقصاء الذي يحرم البشر من أكثر ما يميزهم؛ تعقيدَهم الإنساني.
الهوامش:
المصادر:
- أمين معلوف، الهويات القاتلة، ترجمة نبيل محسن (دار الفارابي).
- (Franz Fanon, Black Skin, White Masks (Grove Press.
- إيميه سيزير، خطاب في الاستعمار، ترجمة أحمد المديني (دار توبقال).
- ميشيل فوكو، المعرفة والسلطة، ترجمة عبد العزيز العيادي (دار المنتخب العربي).


.jpg)
