ما مدى ضرورة النقد السينمائي اليوم؟ هل هناك من لا يزال يؤمن بضرورة النقد السينمائي بين أبناء الجيل الجديد من المشتغلين بالأفلام أو من المتابعين لها، على الأخص ووسائل التواصل الاجتماعي تعج بحسابات تصنيف وتقييم الأفلام وعرضها، وهي الحسابات التي يعدها عدد لا بأس به من رواد قنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعي هذه الحسابات، على أنها حسابات تقدم نقدًا للأفلام وربما كان نقدًا رصينًا؟
هذه التساؤلات وغيرها كثير راودتني طيلة تواجدي في مؤتمر النقد السينمائي الذي نظمته هيئة الأفلام السعودية في العاصمة الرياض في الفترة من 7 ولغاية 14 نوفمبر 2023. ولأكون أكثر دقة فإنني لم أكن على ثقة بما إذا كان لا يزال هناك معرفة حقيقية بماهية النقد السينمائي، أو بالفرق بين النقد السينمائي الحقيقي بكل أشكاله، أكاديمية أو سواها، وبالثورة، أو الفورة في الممارسات الحاصلة في وسائل التواصل الاجتماعي والتي تعتبر ما تقدمه نقدًا سينمائيًا، وتنعت أصحابها بالنقاد السينمائيين.
إذن هل لا يزال النقد السينمائي ضروريًا؟ وهل هناك ضرورة لعقد مؤتمر للنقد السينمائي؟
بنظرة سريعة أولى تبدو الإجابة عن كل تساؤلاتي محسومة، إذ إن إقامة مؤتمر للنقد السينمائي، وهو الأول عالميًا على ما يبدو على الأقل في العقود الأخيرة الماضية إن لم يكن على الإطلاق، وبمعايير دولية، وهو مؤتمر جاء ضمن مشروع متكامل إذ سبقته عدة ملتقيات متخصصة أقيمت في مدن متعددة في جميع أرجاء المملكة العربية والسعودية. المؤتمر والملتقيات جمعت المختصين وغيرهم في مجال النقد السينمائي وتم خلالها تعزيز الوعي بثقافة المشاهدة، وبالنقد ومفاهيمه وتطبيقاته. هذه النظرة الأولى والمسح السريع إذن للمشروع بأكمله يشير بشكل حتمي لأهمية وضرورة النقد السينمائي والاحتفاء به، والنقد المقصود به هنا سيكون قطعًا النقد الرصين المبني على فهم حقيقي لماهية السينما ولعملية صناعة الأفلام ووعي ثقافة المشاهدة.
الأسبقية وتفرد الشعار. مزيد من الإجابات على أسئلتي جاءت حال أن وقع كتيب المؤتمر في يدي. المؤتمر أولًا اختار لدورته الأولى شعارًا هو بذاته يستحق التوقف عنده «ما وراء الإطار»، ثم إنه زين غلافه بعبارة مستعارة من كتاب «النحت في الزمن» لشاعر السينما ومُنظّرها، المخرج السينمائي الروسي أندريه تاركوفسكي، لشرح ما يعنيه ذلك الشعار «ما يشاهَد داخل الإطار لا تحده الصورة المرئية إنما هو إشارة إلى شيء آخر يمتد خارج الإطار إلى اللانهائية، إشارة إلى الحياة». ربما بدت لي العبارة مبشرة بما سيتضمنه المؤتمر، فهذه العبارة تشرح بشكل قاطع ما تعنيه السينما التي لا تتوقف مضامينها ورسائلها عند حدود الإطار، لكنها فعليًا تبدأ بعد ما وراء الإطار. هكذا يقدم منظمو المؤتمر أول رسائله، ليس لنقاد الأفلام فحسب، بل للمخرجين وصناع الأفلام والمهتمين بحضور المؤتمر أو بالكتابة حول السينما وعوالمها.
بعد هذا الشعار المبشر الذي شكّل خير فاتحة لي لهذا المؤتمر، أدهشني ما وجدته خارج إطار هذا الشعار، احتفاء غير مسبوق بالنقد السينمائي وبالنقاد السينمائيين، بالمنظرين والمفكرين في هذا المجال وبأسماء غابت لعدم وجود وعي كافٍ بقيمة أصحابها وبتأثير رؤاهم حول السينما والحياة بشكل عام على ساحة النقد السينمائي وصناعة الأفلام. هيئة الأفلام جاءت لتعيد هؤلاء فجاءت صورهم مزينة الساحة الرئيسة المقابلة للمبنى الذي ضم فعاليات المؤتمر. ومن بين أبرز تلك الأسماء الناقد والمخرج المصري سامي السلاموني الذي رحل عن عالمنا عام 1991 بعد أن ترك إرثاً نقديًا مهمًا، ما جعل كثيرًا من معاصريه يعتبرونه واحدًا من أهم أعمدة الثقافة السينمائية في مصر والعالم العربي في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وبالمناسبة فقد انتقل السلاموني، كما فعل يسري نصر الله، من النقد والكتابة السينمائيَين إلى عالم الإخراج.
احتفاء بالنقد السينمائي. جاء حضوري لفعاليات المؤتمر ليقدم إجابة أكثر شمولية ودقة لاستفساراتي أعلاه، إذ إنه مكنني من القيام بنظرة فاحصة لهذا المشروع الفريد من نوعه، والذي يكشف عن وعي عميق لدى القائمين عليه في هيئة الأفلام السعودية بماهية السينما وبعملية صناعة السينما، وينم عن إدراك حقيقي لما تنطوي عليه هذه العملية وما تحتاجه من أسس وبنى تحتية. بدا واضحًا أن هيئة الأفلام في سعيها لتعزيز مكانة السعودية الثقافية والسينمائية عالميًا، تعي تمامًا ما يعنيه أن يكون للسعودية قَدَمٌ ثابتة في مجال صناعة السينما عالميًا، ولذا فإنها لا تغفل أي عنصر وجزء من أجزاء هذه البنية التحتية، بدءًا من تأسيس جيل متمكن من صناع الأفلام، وصولًا إلى توفير كل ما تحتاجه صناعة السينما من فنيين وكُتّاب وعاملين في مختلف أجزاء صناعة الفيلم، وانتهاءً بتعزيز دور النقد السينمائي وبنشر الوعي به وبأهميته عبر مؤتمر مخصص، وهي بهذه الخطوة تقدم مشروعًا رائدًا منحها شرف الأسبقية على كثيرين، وهو مشروع يبشر بمستقبل أكثر إشراقًا لصناعة السينما في المملكة العربية السعودية ولمستقبل السينمائيين فيها.
فعاليات المؤتمر وبرنامجه الحافل والثري شكّل قصة أخرى، بل صنع واجهة مختلفة، أشد ألقًا، للنقد السينمائي، وهو، أي البرنامج، الذي أُثري بمشاركات من قامات نقدية مهمة على مستوى الوطن العربي والعالم، من بينها المخرج المصري يسري نصر الله الذي تحدّث خلال كلمته التي جاءت في حفل افتتاح المؤتمر عن بداياته النقدية التي قادته للإخراج وعن مدى تأثير قراءاته وممارساته النقدية على فهمه لجماليات السينما، وتَمَثّل ذلك الفهم في أعماله السينمائية التي يُعدّ معظمها من أفضل ما أنتجته السينما المصرية طوال تاريخها. وبالمناسبة فقد عُرض خلال المؤتمر واحد من أفلام المخرج يسري نصر الله وهو فيلم «صبيان وبنات» الذي أُنتج عام 1996، وتلى الفيلم ندوة حوارية جاءت ضمن زاوية «بصحبة النقاد» وهي إحدى زوايا برنامج المؤتمر. وتمت الندوة بين مخرج الفيلم يسري نصر الله بصحبة رئيس الاتحاد الدولي لنقاد السينما «فابريسي» الأستاذ أحمد شوقي.
عبر الزاوية ذاتها، «بصحبة النقاد»، استضاف المؤتمر أفلامًا أخرى لها دلالات خاصة لدى النقاد السينمائيين، من بينها فيلم «ميكروفون»، للمخرج المصري أحمد عبدالله، وتلى عرضه ندوة حوارية ضمّت محادثة بين مخرج الفيلم أحمد عبدالله، والمخرج السعودي عبدالمحسن الضبعان. وجاءت أهمية هذا الفيلم كونه شكّل مسارًا جديدًا وجادًا للسينما المصرية والعربية، حيث قدّم فيلمًا من أفلام سينما المؤلف التي تعرف الفيلم بمخرجه. عرض المؤتمر عددًا من الأفلام العالمية، كما عرض أفلامًا قصيرة متنوعة، بعضها قدّمه صناع سينما سعوديون فيما ضمت الأخرى مخرجين وصناع أفلام من دول أخرى في العالم.
خارج الإطار.. وبعيدا عنه «جدًا». من أهم زوايا المؤتمر، زاوية الماستر كلاس التي استضافت في إحدى ندواتها أستاذ استطيقيا1 السينما بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، البروفيسور حمادي كيروم، وهو مُنظّر سينمائي وناقد وأستاذ في جماليات السينما. وقد جاء الماستر كلاس الذي قدّمه تحت عنوان «النقد بين المهنة والمعرفة»، وخلاله قدّم كيروم رؤيته الفلسفية للسينما المبنية على نظرة استطيقية، أي وعي حسي بالجمال وقدرة على استكشافه عبر السينما. كيروم استعرض أزمة النقد الكلاسيكي قبل أن يقدّم رؤيته الخاصة في النقد، ثم طبّق رؤيته النقدية الاستطيقية التي تناقش السينما وتستوعبها خارج إطار الصورة، وذلك من خلال فيلمين هما «سارقو الدراجة» الذي قدّمه الإيطالي فيتوريو دي سيكا عام 1948، وفيلم «القربان» الذي قدّمه أندريه تاركوفسكي عام 1986.
ضم المؤتمر عديدًا من الزوايا التي ناقشت المفهوم والحاجة إلى النقد السينمائي، بعيدًا عن النقد وخارج إطار الصورة، حيث تطرقت بعض تلك الزوايا إلى قضايا تتصل بالسينما وبنقدها السينمائي مباشرةً أو على نحو غير مباشر، مثل المحاضرة التي ألقاها المفكر وصانع الأفلام وأستاذ الدراسات السينمائية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة جلال توفيق حول «حديث الفنان المغلق جذريًا» والتي تناول من خلالها أعمال صناع الأفلام الذين يميلون لمناقشة قضايا الكيانات التي لا تمتّ للعالم أو للتاريخ بصلة، وهي موضوعات لا تخصص لها مهرجانات السينما أو ملتقيات صناعها أي مساحة، وربما لا تكترث لأهميتها بأي شكل من الأشكال، لكن مؤتمر النقد السينمائي الذي يعي صنّاعُه شمولية واتساع أفق السينما والتنوع اللانهائي لاهتماماتها ولأُطُر تركيزها، فرد لها مساحة خاصة.
رؤية نافذة وإجابات واضحة. لن تسعني -قطعًا- مساحة هذه الصفحات للحديث عن ذلك التنوع والثراء اللذين زخر بهما مؤتمر النقد السينمائي، والآفاق اللامحدودة التي سعى إلى اكتشافها أو إلى التنقيب فيها، مستعينًا بأساتذة ومفكري الدراسات السينمائية، وبالمثقفين وأصحاب الرؤى المنفردة من المخرجين وصناع الأفلام والكُتّاب والنقاد السينمائيين.
هذا البرنامج الحافل الذي احتفى بالنقد وبالسينما من زاوية طالما أهملتها ملتقيات السينما ومهرجاناتها، أجاب قطعًا عن سؤالي عما إذا كانت لا تزال هناك حاجة، بل ضرورة وحاجة ماسة، إلى النقد السينمائي الرصين المبني على الفهم والدراسة العميقين للسينما.
هي رؤية نافذة من قِبَل هيئة الأفلام السعودية، قائمة على وعي عميق، ولعله يمكنني القول إنه غير مسبوق في الأوساط السينمائية العربية على أقل تقدير، ولا أتحدث قطعًا عن الأوساط الأكاديمية، وليستميحني العذر كبار نقادنا السينمائيين، لكن مؤتمر النقد السينمائي سبق الجميع ببؤر تركيزه التي تجاوزت حدود كل ما كُتب عن النقد السينمائي، عربيًا على أقل تقدير.
نتمنى أن تستمر هذه المبادرة الواعية والمميزة على مستوى ثراء ما تقدمه لساحة النقد السينمائي أولًا، وللساحة الثقافية ثانيًا، وللسعودية التي أضحت وجهة ثقافية محترمة ورصينة لقاطبة المثقفين العرب إن لم يكن لسواهم.