مؤتمر النقد السينمائي: دعوة لرؤية ما وراء الإطار

«ما يشاهد داخل الإطار لا تحده الصورة المرئية إنما هو إشارة إلى شيء آخر يمتد خارج الإطار إلى اللانهائية، إشارة إلى الحياة». أندريه تاركوفسكي، «النحت في الزمن»

في الفترة ما بين 9-12 نوفمبر، استضاف قصر الثقافة بمدينة الرياض فعاليات ختام الدّورة الأولى من مؤتمر النّقد السينمائي الذي تقدّمه وتنظمه هيئة الأفلام لكل محبي السينما والمهتمين بها، والذي تنقّل في جولاته الست، بين مدن المملكة العربية السعودية المختلفة، بدأ في جدّة، مارس الماضي، ومن ثمّ عُقدت جلساته في الظهران، أبها، تبوك، بريدة، وأخيرًا جولة الرياض الختامية، والتي حملت عنوانًا نقديًا مهمًا هو «ما وراء الإطار»، وقد تم توظيف كل فعاليات وملتقيات وورش المؤتمر لخدمة الشعار البارز. ضيوف كُثر من أهم النقاد والسينمائيين في العالم العربي حضروا دورة المؤتمر، وكانت لهم كثيرٌ من المساهمات الفريدة التي سنلقي عليها الضوء في هذا المقال، الذي يمثّل ملخصًا بسيطًا عن اللحظات التي التقطتها «عين ميم»:

يسري نصر الله: بين فهم جماليات السينما والعمل لتحقيقها

في اليوم الأول من المؤتمر، كان الحضور على موعد مع كلمة قصيرة قدّمها المخرج السينمائي المصري يسري نصر الله، تمهيدًا لعرض أحد أهم أعماله: «صبيان وبنات» (1995). الكلمة عرض فيها -باقتضاب- تجربته مع القراءة السينمائية والاهتمام الجمالي بها في الستينيات، حينما تعرّف على فرونسوا تروفو، وجان لوك غودار، فلاسفة الموجة الفرنسية الجديدة، وكذلك اطلاعه على نتاج معاصريه من السينمائيين، مثل: رأفت الميهي، سمير فريد، وغيرهم، وكيف شكّل هذا اللقاء المبكر رؤيته للسينما واهتمامه بجماليتها.

وبعد عرض الفيلم، اشترك يسري نصر الله في ندوة مع الناقد أحمد شوقي رئيس الاتحاد الدولي لنقاد السينما، وتبادلا الأفكار حول الفيلم، برؤية جمالية، تحاول اختراق الصورة للنظر إلى ما وراء الإطار، وخلال اللقاء حاول شوقي أن يقف مع نصر الله على توظيفه لمعرفته النظرية عن الجمال السينمائي في صياغة عمله الفنّي، وكيف صاغ هذا الانتقال من النظري إلى العملي.

كليبر ميندونسا وريتشارد بينيا: ممارسة النقد السينمائي وأثره على العمل الإبداعي

استضاف المسرح الرئيس لمؤتمر النقد السينمائي في يومه الثالث لقاءً مهمًا جمع بين المخرج البرازيلي كليبر ميندونسا فيلهو والناقد الأمريكي ريتشارد بينيا، بعد عرض ثلاثة أفلام قصيرة من إخراج ميندونسا: «الفينيل الأخضر» (2004)، «ليلة الجمعة وصباح السبت» (2007)، «كأس العالم في ريسيفي» (2015).

لقد عُرف المخرج البرازيلي بأسلوبه السردي المبتكر، وبخاصة في أفلامه القصيرة، التي يكثّف فيها النّص، ليدفع المُشاهد كي يتأمل الفكرة خلف الإطار الذي يشاهده. خلال المناقشة الممتعة التي خاضها مع ريتشارد بينيا أستاذ دراسات السينما في جامعة كولومبيا، تمكّنا من الوقوف على سقف جديد للنقد السينمائي، يمنحنا إدراكًا أعمق للتجربة الفيلمية، عبر منظور مختلف وفريد.

حمادي كيروم والرحلة اللانهائية خلف الإطار:

لسنوات طويلة عمل الناقد والمنظّر السينمائي وأستاذ جماليات السينما الدكتور حمادي كيروم داعيًا إلى شكل سينمائي يعبّر عن الإنسان وآفاقه التي لا تعرف الحدود. وقد مثّلت المحاضرة التي ألقاها على المسرح الرئيس فرصة ليتعرف الحضور إلى رؤاه وأفكاره، التي هي بعيدة تمامًا عن كل الأشكال التقليدية التي نعرفها عن السينما. 

في محاضرته المهمة جدًا، قدّم الدكتور كيروم الأسس الفلسفية التي يبني عليها نظرته الإستطيقية للسينما، والتي تنطلق من المفاهيم الأولية للجمال التي سطرها إيمانويل كانط، ومن ثم ساهم فريدريك هيغل في تطويرها حتّى الوصول إلى الرؤية المهمة التي تربط بين الإستطيقا والسينما عبر جيل دولوز الفيلسوف الفرنسي.

وبعد الرؤية النظرية، أخذ الدكتور كيروم الحضور في رحلة تطبيقية عملية، استخدم فيها مثالين: «سارق الدراجة» (1948) – فيتوريو دي سيكا، «القربان» (1968) – أندريه تاركوفسكي. الشرح التطبيقي كان تمثيلًا عمليًا للشعار الذي قامت على أساسه الجولة الختامية من مؤتمر النقد السينمائي، حيث تمكّن الدكتور كيروم من أخذ الحضور في رحلة ماتعة وراء الإطار، تاركًا الباب مواربًا للمزيد من الأفكار والرؤى التي يمكن أن تنشأ في مخيلة المُشاهد.

تجاوز الوهم: سعد البازعي وخروج الشخصيات عن السياق

في واحدة من أهم الندوات التي قُدّمت خلال أيام مؤتمر النّقد السينمائي، قام أستاذ آداب اللغة الإنجليزية والأدب المقارن، الدكتور سعد البازعي، بتناول مفهوم «الميتافكشن-الميتاسينما» أو «تجاوز حاجز الوهم»، وبحضور الناقدة والمهندسة المعمارية رانية حداد بوصفها محاورة، تمّ استعراض المفهوم وتشكّلاته الأدبية والسينمائية، من خلال تناول أعمال الروائي الكويتي طالب الرفاعي والسعودي إبراهيم بادي، وكذلك مع الاستدلال بسينما التونسي النوري بوزيد، أما عالميًا فتمّ استحضار ألفريد هيتشكوك وودي آلان كأمثلة.

قدّم الدكتور سعد البازعي رؤية تاريخية نقديّة لهذا الأسلوب، بداية بالرواية الخالدة «دون كيخوتي دي لا مانتشا» لسرفانتيس، واستمراره إلى اليوم في الظهور أدبيًا وسينمائيًا بشكل متقطّع، بالإضافة إلى عرض تصوراته عن هذا الأسلوب السردي وفهمه له.

بين الضيوف ومحاوريهم - آفاق سينمائية جديدة تتشكل:

لقد قدّم مؤتمر النّقد السينمائي فرصة رائعة للقاء المهتمين بالقيمة الفنّية والجمالية للسينما من المحيط إلى الخليج، مع حضور جيّد لأسماء لها سيط عالمي. وعلى مدى خمسة أيام عاش حضور المؤتمر في موجة كثيفة من الأفكار والرؤى السينمائية، مع مشاهدة عددٍ لا بأس به من الأفلام، والدخول إلى تجارب جديدة وفريدة قُدّمت إليهم من خلال زاوية الأعمال الفنّية التي لها الشّكل السينمائي، والتي قدمها فنّانون من كل أنحاء العالم.

وبالعودة إلى الحلقات الفكرية، يجب أن نذكر الحوار الماتع الذي أداره الناقد فراس الماضي مع أستاذ دراسات الشرق الأوسط بكلية دارتموث طارق العريس، حول رؤية العرب والمسلمين للفنون البصرية، تحت عنوان: «من النظرة الأولى: تاريخ الرؤية العربية والإسلامية»، ومنه ننتقل إلى حوار آخر كانت له قيمة فنّية عالية، حينما استضاف الصحفي السينمائي أحمد العيّاد، الأستاذ الفخري بالجامعة التونسية، دكتور الهادي خليل، ليناقشا مفهوم الأثر الفوتوغرافي في الفنّ السينمائي، وجاء الفوتوغرافي السعودي الراحل (صالح العزاز) على رأس قائمة السعوديين والعرب بوصفه مثالًا على الأثر الفنّي، وكيف مثّلت أعماله إلهامًا لمن ساروا بعده على الطريق الفنّي من مصورين وسينمائيين.

ضمن قائمة الضيوف المتحدثين، كانت أستاذة اللغات وثقافات الشرق الأوسط وجنوب آسيا بجامعة فيرجينيا، الدكتورة سامهيتا سونيا، التي تناولت في ندوتها الحالة الفريدة لأول فيلم هندي من الخليج والذي حمل اسم «سوراج بهي تاماشاي». عرضت سونيا بحثها عن الفيلم المنسي إلى حد كبير، حيث أُنتج في العام 1980، ومن خلال هذا البحث أثارت كثيرًا من التساؤلات المهمة حول الهجرة من شبه القارة الهندية إلى الخليج إبان الطفرة النفطية، وعن العلاقة المثيرة للاهتمام بين الشعوب العربية والهندية، وكيف أثر بين بحر العرب والمحيط الهندي في الثقافة في المنطقة.

وفي إطار البحث عن الأبعاد الحيوية للسينما، قدّم أستاذ السينما والوسائط الرقمية في جامعة بايلور، جوزيف كيكاسولا، ندوة تأملية تدور في أفق سؤال تأسيسي: «كيف تكون الأفلام ذات مغزى بالنسبة إلينا؟»، خلالها أبحر للنظر خلف القصة والشخصيات والموضوعات والرموز، التي تلعب جميعها أدوارًا مهمة في القيمة الفنية للفيلم، غير أنها وحدها ليست كافية لصناعة المغزى، وللتدليل على أفكاره استخدم فيلم المخرج البولندي كريستوف كيسلوفسكي: «أزرق» (1993)، محاولًا الكشف عن المعنى الذي يمثله الخط والشكل واللون في الفيلم، وكيف ساهمت مجتمعة في صناعة عمل فنّي بأبعاد أوسع وتجربة أعمق عاشها المُشاهد، ومن خلالها مجتمعة صنع المغزى القيّم للفيلم ليعيش بوصفه عملًا خالدًا في الأذهان.

من الشرق الأدنى، حضر إلى المؤتمر، كونغ ريثي، نائب مدير هيئة أرشفة الأفلام التايلندية، ليأخذنا في رحلة في السينما التايلندية والقرارات الفريدة التي أخذتها الهيئة للمساهمة في حفظ التراث البصري لتايلند، حتّى يتسنى للأجيال القادمة أن تجد تراث السينما محفوظًا للاستفادة منها في فهم ماضيهم، وهو مشروع حمل اسمًا مميزًا يتلاعب بالزمان بطريقة رائعة: «استذكار المستقبل».

قدّم المستشار الثقافي للبرامج في «إثراء»، الأستاذ طارق الخواجي، ورقة بعنوان: «خارج حدود المقعد: تصوّر عن مستقبل السرد في السينما»، من خلالها عرض رؤيته لمستقبل السينما الذي يرى أنه سيختلف عن كل ما نعرفه عنها اليوم، متنبئًا بأن المُشاهد ستتوسع مساحةُ مشاركته في العمل، حيث لن يبقى «شخصًا ثالثًا»، وإنما قد يصبح «الشخص الثاني» أو حتى «الشخص الأول»، لأن العملية السردية في طور تحوّل لتصبح عملية تفاعلية، مستشهدًا بأفكار برغسون، وجيل دولوز، التي يرى فيها رؤية استباقية للمستقبل.

وقد عُرض في المؤتمر عدّة أفلام، كان من بينها، الفيلم المهم (2023) EO، لمخرجه جيرزي سكوليموفسكي، وقد تلى العرض تقديم لرؤى نقدية تحلل الفيلم، وتحاول قراءته فنّيًا. المتحدّثون كانوا الناقد العماني الشاب ثابت خميس، والصحفي والناقد العراقي قيس قاسم، وخلال ساعة من الحديث الماتع والثري بالأفكار المهمة، ذهبنا في رحلة، رافقنا فيها المتحدثين، إلى جوهر الفيلم. ثابت خميس كانت مقاربته النقدية تنطلق من الأثر الذي يتركه الفيلم في جمهوره، والذي هو في الأساس ينتج عن طبيعة الوسيط السينمائي الذي يحمل طيفًا واسعًا من المشاهد، الأصوات والمواقع، تندمج معًا لتخلق لنا تجربة شعورية متكاملة ضمن النطاق الإدراكي والشعوري. لقد تعامل مع الفيلم بصفته ظاهرة سينمائية شعورية، وعلى ضوء هذا استخدم دراسة الظواهر في الفيلم، ليكشف عن العمليات الإدراكية التي تؤجج لهيب التأملات عند المُشاهد. أما قيس قاسم، فقد ذهب في اتجاه مختلف لقراءة العمل، بادئًا بخلق مقارنة افتراضية بينه وبين فيلم روبيرت بيرسون «أقدار بالتازار» (1966)، ففي كِلا الفيلمين يأخذ الحيوان دورًا رئيسًا في العمل، ومن ثم يذهب ليقرأ الفيلم على ضوء الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي البولندي الذي يرى بأن مخرجه استمد أفكاره منه، شارحًا رمزية «الحمار» في هذه الصورة الكبيرة.

مؤتمر النقد السينمائي - تجربة فريدة:

عرف محبو السينما المهرجانات السينمائية التي تعرض الأفلام وتستضيف صانعيها منذ فجر السينما تقريبًا، غير أن هذه المهرجانات لا تضع المُشاهد في صورة الحدث، بل يكون متابعًا من بعيد، مجرد مُشاهد، وجوده الفعلي يقتصر على الدور السلبي. هذه التجربة تغيّرت تمامًا مع ما قُدّم في مؤتمر النقد السينمائي، والذي هو في أصله تجربة تفاعلية، يعيش فيها محب السينما بوصفه جزءًا أصيلًا من العملية الكاملة، حيث إن النقاشات والأفكار التي دارت تستشعر الدور الحاسم للمُشاهد، وتنتظر مساهمته لإثراء النقاش، وتبادل الآراء، فتجربة المشاهدة السينمائية -وإن كانت فردية في الأساس- تزدهر بالتشارك مع الآخرين، وكما قيل: «لا يُعبَر النهر نفسه مرتين»، وكذلك الأمر ينطبق على الأفلام، فهي نفسها لا تُشاهَد مرّتين، وفي كلّ مشاهدة، يدخل الفيلم حيزًا جديدًا من الفهم الذاتي لمشاهده، وتشارك هذه الأفهام في إثراء السينما وكل العناصر المساهمة فيها.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى