ما قبل المندوب
بدايةً، أسأل سؤالًا واحدًا بسيطًا وبلا إجابة: ماذا لو كانت الحظوظ، أو توزيعات شركات الإنتاج، مختلفة عما كانت عليه، بحيث لو حدث وعُرض «مندوب الليل» قبل فيلم «ناقة»؟ أي مشهد سيكون للوسط السينمائي هنا من متابعين وصناع؟ ما ردود الفعل التي سيتلقاها الفيلمان كل على حدة بتأثير تبادل الترتيب الزمني؟ هل كانت ردود الفعل الهجومية على «الجاسر» وفيلمه ستصير أقل حدةً؟ إنها أسئلة تفرعت من سؤال واحد وكلها لا تبتغي الإجابات، إنما التفكيرَ حيالها بين المرء ونفسه، أو شركات الإنتاج ونفسها في محاولة لفهم السوق بشكل أفضل. لا يمكنني فصل حالة «مندوب الليل» عن حالة «ناقة» والتلقي بينهما، ولو قيل إن جانبًا إيجابًا قد حدث من وراء حالة الفوران الحاصلة من ناحية انتشار مفهوم السينما على نطاق أوسع بين عموم الناس، أو أن الدعاية السيئة تظل دعايةً كما يعلمنا نصّابو «الماركيتينغ» أو التسويق، فالمؤسف أن ضحية جانبية قد أصيبت من وراء هذه المعمعة: «الجاسر». نعم، جانبية حتى وإن كان هو مخرج العمل. إن الموضوع في جوهره لا يتعلق بـ«مشعل» أو «ناقة» بل بحالة السينما السعودية بعمومها وعلاقتها الشكوكية مع جمهورها. إن الحديث ذو شجون -بالمعنيينِ- في هذا الموضوع وليس هنا المجال لتناوله، فهذه مجرّد عتبة صغيرة إيمانًا بأن كل عمل فني متصل بزمنه على المدى البعيد والقريب. وهي أيضًا إشارة عابرة.. لعل وعسى!
مندوب: الشخص الموكّل من طرفٍ آخر لتوصيل طرد أو بضاعة
توصيل اجتماعي: «فهد القضعاني» يعمل مندوب توصيل طلبات، بعدما عمِلَ مُقدّمَ خدمة في إحدى شركات مراكز الاتصال (كول-سنتر)، أي في عملين يُنظر إليهما بازدراء مهما قيل إن «الشغل مو عيب» أو «لقمة العيش ولا العطالة»، بل إن عبارات كهاتين العبارتين تحمل في مضامينها من التبخيس والاحتقار أكثر مما تعطي من الدعم والافتخار، برغم أن هاتين الوظيفتين، من الناحية العملية، على درجة بالغة من الأهمية والحيوية. وعلى سيرة الحيوية وعلم الأحياء فبوسعنا تشبيه هذين العملين بعمل النواقل العصبية في نقل الإشارات ما بين المخ وبقية أعضاء الجسد.
لقد قُدّر عمل المناديب في خضم جائحة كورونا أيما تقدير، فمن بين ما أدركه البشر في تلك الأيام أنهم قليلو الحيلة من دون المناديب ومتقطعو السبل -حرفيًّا- وإن كانوا في بيوتهم. ثمة خلايا تتحرك في جسد المدينة الهامد، آنذاك، تروح وتغدو. والأمر يتجاوز مجرد توصيل المأكل والمشرب، بل قد يكون توصيلاً لأدوية يحتاجها مريض ما أو غرض لأم عجوز حُجر على أبنائها بعيدًا عنها في ظل الجائحة. وبعد كورونا اعتاد الجميع المشهد وما عاد يُنتبه للمناديب إلا بوصفهم «ملوا البلد!» أو «زحموا المطاعم»، وإن كنا أيامَ الاحتياطات الاحترازية نطلب منهم وضع الطلب عند الباب والانصراف، فلقد صرنا في أيامنا الحالية نطلب منهم ذات الأمر لأسباب تختلف ما بين الكسل أو عدم الرغبة في رؤيتهم، خصوصًا أن الدفع أصبح إلكترونيًّا. لقد صار المناديب خلايا بالفعل: صاروا لا مرئيين.
ليست هذه وصلة في مديح المناديب ومن جاورهم، لكنها نظرة تحاول التبصّر في أهمية الأعمال الدنيا -كما تُسمى- لعلنا نفهم أن ما نظنه من قبيل الصغائر لا يتحرك الكبير إلا به، وأن الهوامش هي التي تسند المراكز دائمًا. «فهد القضعاني» بطل من وجهة النظر هذه، إلا أنه سيظل مهما كُتب وقيل في الهامش -حيث مكان الكتابة الأصيل- إلى أن يقرر مخرج بذكاء ومهارة «علي الكلثمي» في جعله بطل قصته.
توصيل سينمائي: «علي الكلثمي» بدوره هو مندوب توصيل أيضًا؛ لقد قام بتوصيل شخصية تمثّل عديدًا من أبناء الطبقتين المتوسطة-الدنيا والمتدنية ممن نَخَبَتْهُم وظائف متردية -من ناحية الأجور والمكانة الاجتماعية- وأقول «نَخَبَتْهُم» على وجه الدقة؛ يقال نخبَه الرصاص أي خرّقه وخرّمه، وفي المعجم «نَخَبَ الشيءَ: أخذَ أحسنَه وأفضله». إنها وظائف تأخذ أحسن ما في موظفيها مثل «فهد» وغيره، وتتركهم منخوبين منخورين نفسيًّا وعاطفيًّا. مثل هذه الشخصيات المعطوبة لا تكون مغرية لمخرج يريد عملًا تجاريًّا سهلًا، فتلك من الأسهل لها أن «تسطّر» قصة بطل يعاني من فرط في الوزن ويرغب في أن يكون مصارعًا حرًا، على سبيل المثال. إن المخرج -بل والفنان بالعموم- في المقام الأول هو اختياراته: أي قصة ستختار؟ أي الأولويات الفنية ستكون أعلى من سواها؟ من بين كل الطرق المتاحة لسرد قصتك أي طريقة تختار؟ أم أنك سوف تختار ابتكار طريقة جديدة؟ أي الجماهير هم اختيارك؟ كل هذه أسئلة أساسية في وجه الفنان -المخرج في حالتنا- ولقد قام «علي الكلثمي» باختياراته التي من الواضح أنها اختيارات صعبة، إلا أنها -بسبب صعوبتها وحسن التصرف معها- تنمّ عن فنان حقيقي. وبالمناسبة.. إن السؤال الأخير -أيُّ الجماهير هم اختيارك؟- أجاب عنه المخرج بنفسه بطريقة مواربة ولمّاحة.
في أحد الفيديوهات التسويقية للفيلم، عبر سينما «موفي»، نشاهد مخرج العمل مع مندوب توصيل وأمامه عدة «دبابات توصيل» في حين نسمع صوته، في الخلفية، قائلاً: «ساعة وخمسين دقيقة تقدر تمسك فيها خط من صلبوخ للغاط. ساعة وخمسين دقيقة تعلق بزحمة الملك فهد وانت ما عندك وجهة محددة. ساعة وخمسين دقيقة تقدر تسمع فيها بودكاست [كيف أصبحت مليونير] من واحد وارث كل الملايين.. أو ساعة وخمسين دقيقة تشوف فيها فيلم [مندوب الليل] في السينما.. حياكم الله.. السلام عليكم!» إن اختيار منطقة زراعية مثل «صلبوخ» ومحافظة صغيرة كـ«الغاط» ليس مجرد اختيار بقعتين تبعدان مسافة ساعة وخمسين دقيقة، بل إن لهما معنى طبقيًّا واضحًا، وللقوم المتنقّلين بينهما يتوجه الفيلم، كما يتوجه إلى العالقين في الزحام، وبالتحديد، الذين يشعرون بالضياع في خضمه، والأهم أنه يتوجه إلى من لم يرثوا «كل الملايين»، أولئك المعرضين إلى أن يكونوا «فهد القضعاني» هذا إذا لم يكونوه أصلًا ولو في فترة من حيواتهم. لقد اختار المخرج جمهوره من أشباهه، من البسطاء والمضغوطين في خضم اقتصاد طاحن، وهو الذي صرح في أحد لقاءاته بأنه عمل لفترة من حياته في وظيفة كاشير ويعرف جيدًا شعور هؤلاء الناس بوصفهم لامرئيين. إن «الطرد» الذي قام الكلثمي بتوصيله إنسانيٌّ بالدرجة الأولى، ثم سينمائي. وفي هذا اختيارٌ للأولويات بالغ الأهمية للفنان، وهو ذاته ما فات على كثير من المخرجين السعوديين حيث آثروا السينمائي على الإنساني فوقعوا في فخ صورة جميلة إلا أنها خاوية.. وعليكم السلام!
مندوب: الشخص الذي يُحزن عليه كالمتوفّى أو تعيس الحظ
المدينة والإنسان: من باب المعلوم أن أدب الحداثة قد قام على أساس المدينة وإنسانها -بجانبه الروائي بدايةً1- في محاولة لتأطير صورة الفرد في خضم معصرة المدينة بتطورها التكنولوجي والاقتصادي، وأبرز مثال -من ثقافتنا القريبة- كان عبر الرواية المصرية والأعمال المتعددة التي حاولت تناول انتقال الفرد من الريف إلى المدينة في سبيل فهم المدينة من جهة والتغيرات النفسية للفرد فيها بوصفه نفسيةً ريفيةً بِكرًا على التعقيدات المدينية من جهة أخرى. في هذا السياق، كان ثمة متسع للمحاورة ومحاولة الأخذ والرد ما بين الإنسان والمدينة، والأهم من ذلك وجود مساحة للمقاومة أو في أسوأ الأحوال الهروب والعودة إلى الريف. ثم أتت ما بعد-الحداثة لتنطلق، من حيث توقفت الحداثة، في حكم صارم بسقوط كل السرديات وتورط الإنسان في شرَكٍ لانهائي من المتشابهات السيئة بالضرورة، حيث تتوقف المحاولة عند حدود السخرية والتلاعب وتبديل هذا مكانَ ذاك، للدرجة التي يبدو معها إنسان ما بعد-الحداثة كالمستجير من الرمضاء بالنار لا أكثر. أما الآن فقد صرنا في زمن -بصرف النظر عن الاصطلاح المناسب له2- ليس من المؤكد فيه غير «النقرة» و«اللايك»، زمن نستطيع تسميته بزمن «الداتا» بمعناها الحاسوبي.
«فهد» مندوب توصيل يعتمد اعتمادًا كاملًا على «النقرة» فمتى ما جاءه الطلب نقر وانطلق، هذا أولًا. ثانيًّا، فهد يعيش في مدينة الرياض، ما يعني أنه في شرك مدينة تبدو لانهائية لفرط سرعتها في التوسع والتطور اللذين يُجبران القاطن فيها على اللهاث خلفها وإلا ضاع تمامًا. وكأننا بـ«فهد» يقع جغرافيًّا في نوع من الحدود بين مدينة ما بعد-الحداثة ومدينة «الداتا»3، وهي، إن أردنا الحق، حالة غالبية العواصم العربية المتطورة. ما يزيد الطين بلةً أن السواد الأغلب من سكان هذه المدن باقون على أخلاقيات ما قبل-الحداثة من موروثات دينية وأدبية (بمعنى التأدب أو الأخلاقيات الصغرى كما يسميها أدورنو) و«فهد» واحد منهم، حيث نراه برغم كل هذا التفكك الذي حل به من قِبَل المدينة والوظيفة والفشل تلو الفشل، لا يزال متمسكًا بمساعدة أبيه وأخته والبقاء على أخلاقيات الاستنجاد بالأعلى مقامًا (إذ يقدم معروض والده إلى أحد رجالات الأعمال، في صورة من أخلاقيات القبيلة). إن «فهد» نهبٌ لسرديات أكبر منه وهو بسيط جدًا لدرجة أنه مجرد مندوب توصيل، ومن هنا يصير المندوب مندوبًا بالفعل.
مدينة الرياض: إن الحديث السابق عن الرواية يرمي لمحةً عن تأثيراتها في السينما، وبالتحديد في السينما الواقعية، وما حدث هنا في الرواية حدث هناك في السينما باختلاف الأدوات والطرائق بطبيعة الحال. وليس المجال هنا مجال تتبع تأثير هذا على ذاك، بل هو مجال تتبع «مندوب الليل» في تلك المدينة: الرياض، والتي، بالنسبة لي على الأقل، مثلت تسميتها بهذا الاسم مثار سؤال: من يسمي هذه البقعة الصحراوية الحارّة بالرياض؟ نعرف، طبعًا، أن التسمية تعود إلى تجمع عدد من الروضات المتجاورة والتي بضمها إلى بعضها أصبحت «الرياض» الحديثة، إلا أن تاريخ المدينة يرجع إلى تواريخ أقدم من ذلك، فبينما ينسبها «الحموي»4 إلى «بني حنيفة» فإن «الهمداني»5 يُرجعها إلى قبيلتي «طسم وجديس»6. واللافت للنظر عندي، في موضوع التسمية، أن مدينة الرياض كانت تسمى قبل ذلك بـ«حَجْر» أو «حجر اليمامة» نسبة لإقليم اليمامة القديم. يقول «الحموي» في معنى التسمية وسببِها: حَجْرٌ؛ بالفتح، يقال: حجَرْت عليه حجْرًا إذا منعته فهو محجور، والحِجر، بالكسر، بمعنى واحد. ثم يُعلل ذلك بأن «عبيد بن ثعلبة الحنفي» لما نزل إقليم اليمامة وجد قصورها وحدائقها مهجورة فأخذ منها لنفسه ثلاثين قصرًا وحديقةً «حَجْرًا» فصارت حجيرتَه، أي حكرًا عليه7. إلا أن «عبد الله بن خميس»8 يذكر سببًا مختلفًا للتسمية حيث ينسبها إلى طبيعة «حجر» الجغرافية بفعل «احتجارها» بالجبال من كافة الجهات.
المهم لدينا، بعد كل هذا المشوار الطويل وكأننا مناديب تاريخيون لعيون الرياض، أن الكلثمي قد جمع المعنَيين في عمله، فـ«حجر» تحجر وتضيق الخناق على القضعاني طوال رحلته سواء كان في الأحياء الفقيرة التي ينتمي إليها اجتماعيًّا، بضيق شوارعها، أو -وياللمفارقة- في الأحياء الأرقى حيث البنايات والعمائر الضخمة تحجره من جهةٍ بوضعه في مكانة «بيّاع» لا أكثر، أو من جهة بعلوها وفخامتها التي يبدو «فهد» متصاغرًا بإزائها. أما «الرياض» فهي الأخضر المميِّز لهوية الفيلم اللونية بدايةً بملصق العمل وليس انتهاء بكثير من المَشاهد؛ إن انتشار اللون الأخضر يوحي للمتفرج وكأن الرياض قد انقلبت إلى غابة متمدنة يحاول فيها «فهد» الفريسة إلى أن يصير «فهد» الصياد. وإن كان الأخضر يرمز، في رمزيات الألوان، إلى الحياة والنعيم، فإنه كذلك رمز للموت والطحالب والفساد والفطريات، ولعل ما ساهم في حضور المعاني السلبية للأخضر أكثر من الإيجابية هو حالة التعاطف مع بطل القصة. لقد قدم المخرج أغنية بصرية طويلة للرياض يتناوب فيها النبر الجنائزي والعاطفي؛ إنها مدينة قاسية على أبنائها البسطاء، إلا أنهم يحبونها ويغنون لها مثلما فعل الكلثمي.
مندوب: المصاب بجرح أو علّة ظاهرة بعد حادث أو إصابة
من بين المثالب أو النقودات أو المؤاخذات -فثمة من طرح الفيلم تمامًا وهناك من نقده ويوجد من آخَذَه بلطف- التي تكررت عن العمل ما تمحور حول علاقة البطل بأخته. الرأي المتداول في هذا يرى بأن العلاقة غير منطقية بينهما، فبالرغم من أن الأخت تتجاهل كل محاولات أخيها لمساعدتها والوقوف بجانبها، فإنها في آخر الفيلم تعطف عليه وتساعده هي بدورها. إن نظرة من الجانب النفساني إلى هذه الجزئية قد تساعد في فهم هذه العلاقة التي تبدو غريبةً لأول وهلة، أو تساعد في النظر إليها من زاوية أخرى على الأقل. لست هنا محامي الشيطان، طبعًا، أولًا لأنه دور يسبب الصداع، وثانيًّا لأنه ما من شياطين في الموضوع أصلاً.
إذا ما وُصم القرن العشرون بالشيزوفرينيا (الفُصام) فإن قرننا الراهن يُوصم بالقلق والسُّميّة. إن القرن العشرين هو قرن ما بعد الحربين العالميتين الكبيرتين، والمتنازعين الضخمين (أميركا والسوفييت)، والانشقاقات السريعة بين أسلوبي الحياة القديم والحديث، والجيلين القديم المتفاخر أو المتآسي بماضي الحرب والمجازر وجيل التمرد الحاد والعنيف أحيانًا، وسوى ذلك من ثنائيات حادة تنازعت الفرد بحيث يكون من الطبيعي أن يوصم زمانه كاملًا بالشيزوفرينيا التي أرخت بظلالها عليه. وإن كان الحديث هنا عن العالم الأوروبي في غالبه مما قد لا ينطبق على الفرد العربي، فإن ما سيكون بخصوص القرن الواحد والعشرين على الضد من ذلك، إذ لم يسلم منه العربي بفضل السيدة عولمة وما فعلته.
في الحادي والعشرين، ليس ثمة من حروب كبرى بل حروب صغرى (وهو وصف حقير بصراحة! كل حرب هي كبيرة على ضحاياها) هنا وهناك تُمزق العالم مِزقًا صغيرة، يظل فيها كل فرد قلِقًا من الحرب الصغيرة القادمة والتي قد تكون على رأسه. في الحادي والعشرين ليس ثمة من متنازعينَ كبار بثِقَل السوفييت والأمريكان نفسه، بل ثمة تنازعات صغيرة على مستوى الفرد في المقارنة بين حالته المعيشية وحالة الآخرين على السوشال ميديا. في الحادي والعشرين، الجيلان منزويان عن بعضهما وبينهما فجوة ضخمة، ما بين جيل الطيبين البسيط وجيل الشاشات الصغيرة المتطلّب. في الحادي والعشرين، يبدو العالم أكثر هدوءًا برغم المجازر المتكررة والجائحة والانهيارات الاقتصادية، إلا أنه يمور من داخله وهذا الموران ينعكس على حياة الأفراد. لقد عُزل الأفراد عن بعضهم، وإذا ما كان الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا بطبيعته فثمة حديقة حيوانات سيبرانية كبيرة له أن ينضوي على متنها إلى الجماعة التي يحب. إنما الواقع، فهو جاف وفردي بالتمام. بهذا تتنامى حالات القلق الفردية والسمية التي تتخلل العلاقات الإنسانية -الوظيفية في أغلبها- بحيث صرنا نرى الأفراد، ضمن المشهد الكبير، قلقينَ وأشبه بالضباع في تلفُّتها الدائم.
«فهد» ليس محصنًّا ضد كل هذا، ونحن كذلك، وإن كنا نتفاوت بالدرجة -نسأل الله السلامةَ- فإن الدرجة التي بلغتها حالة بطلنا درجة مَرَضية بكل وضوح. ليس أدل على ذلك، وفي أول الفيلم مباشرةً، من ردة فعل فهد على قرار التخلي عنه من الوظيفة بمهاجمة مديره بمطفأة حريق. بالرغم من أن الموقف يبدو كوميديًّا، وكأن المدير حريق أو حرقة أو «غَبنة» يريد أن يطفئها، فإن درجة العنف لا تُبرَّر إلا من قِبل شخص مريض نفسيًّا. اختيار المطفأة، أصلاً، دالٌّ؛ فيما بعد يُسأل فهد من «حبيبته المؤقتة» عن السبب في اختياره للمطفأة تحديدًا، ولا يحير جوابًا إلا بالقول إنه لا يدري ما السبب، وببساطة، لأن لونها أحمر. في حدّة الغضب، بالنسبة إلى شخص قلِق بالمعنى المرَضي، فإن هذا اللون يمثل الانتقام الأقرب.
من هذه الزاوية نستطيع التخمين، لا القطع بيقين، بأن المحيطين ببطل فيلمنا يدركون حالته المَرَضية ويتصرفون معه وفقًا لها من باب الشفقة وتطنيش «المخبول» وليس من باب التفهم أو محاولة علاجه. نحن نخمن هنا، وعليه فمن الأفضل صياغة هذا على شاكلة سؤال: هل كانت أخت فهد على علم بحالته المرَضية؟ إن سلمنا بهذا فيترتب عليه فهمٌ أشمل للعلاقة بينهما، خصوصًا إن تنبّهنا لردة فعل مدير البطل في مشهد دورات مياه المطعم، وبالتحديد ما ختم به كلامه مع فهد: «الله يشفيك!». من الممكن فهم هذه العبارة كما نقولها لبعضنا من باب الازدراء والتحقير، إلا أن المعنى يختلف كليًّا لو نظرنا إليها من زواية نفسانية. من هنا نتفهم حالة «هياط» البطل بوصفها أداة دفاعية، سواء هياطه بين أسرته أو أمام مديره. إن هياط فهد هو ضمادة لإخفاء «ندبته» العميقة عن الآخرين حتى وإن كانوا من أهله.
ما بعد المندوب:
فيلم كهذا هو بلا شك مغامرة، وأن تتوجه للسينما بوصفها فنًا بالدرجة الأولى أمر مخيف، وخصوصًا في هكذا فترة مرحلية من تاريخها. سيكون من المفهوم أن يفشل الفيلم على الشبابيك، إلا أن ما حدث هو العكس تمامًا، في نجاح يطيّب الخاطر ويحيي الأمل من جديد. لقد كسب علي الكلثمي الرهان، والأهم من ذلك هو أنه قد كسب قصب السبق في تاريخ السينما السعودية على مداه البعيد بوصفه رائدًا من رواده القلائل. إن «مندوب الليل» سيؤرخ لما قبله وما بعده من الأعمال، وليس هذا من باب المبالغة أو النشوة بصناعة فيلم سعودي حقيقي بعد طول انتظار، بل لأنه وببساطة فيلم حقيقي، وأي فن حقيقي يتجاوز اختبار الزمن. لا يعني هذا أن الأفلام الأخرى، حتى حينه، أقل حقيقيةً أو ما شابه -هذا في حال سلمنا بمفهوم متفق عليه لـ«حقيقي»- غير أن «مندوب الليل» استطاع تحقيق ملامسة الصعيدين النقدي والشعبي. لقد كنا أمام أفلام إما تحقق ملامستها الفنية على الصعيد النقدي وحسب، أو أعمالاً أخرى تخلو من كل ملمس فني فعّال وتحقق شعبيتها المؤقتة، في غفلة عن أن السينما فن شعبي لعموم الناس، في المقام الأول، لكنها في طبقاتها الباطنية فن مهموم بقضايا كبيرة وأسئلة، وهذان هما المستويان اللذان استطاع عمل الكلثمي الموازنة بينهما بطريقة فذة.
للعمل جوانب عديدة أرى أنه من المهم تناولها نقديًّا، فالموسيقى على سبيل المثال تحمل الفيلم حملًا في أثير مشاعر المتفرج، والأداءات التمثيلية كذلك تحتاج تناولًا متفحصًا وليس فقط أداء «الدوخي» الذي كان أهم مفاجأة من بين مفاجآت الفيلم. هذا عدا الجانب التصويري الذي أرجو لو يتم تناوله من أحد المتخصصين ولا أظنهم قلائل، وكُلّي ثقة أن تناول الفيلم سيتنامى مع مرور الأيام. إن الأعمال الفنية الحقيقة دائمًا ما كانت أذكى من صناعها ومن زمانها، وهذا هو سر عبقريتها، أنها تهب لنا في بضعة من الرموز والصور ما لا تهبه لنا الكتب والمحاضرات. لعل السينما، في نهاية المطاف، ليست إلا مجرد سطح متحرك، مثل صفحة ماء، كلٌّ يحاول الغور فيها ما استطاع. ومحاولتي هذه تصب في جهة بعيدة، قليلًا، كمحاولة لربط صورة الفيلم بالإطار الأكبر من تاريخ وواقع ومحيط، فلا أبدو أكثر من عامل في متحف ضخم أدقُّ مساميرَ كثيرة لتعليق جدارية خضراء اسمها «مندوب الليل».