في الثلث الأخير من ليلة شتوية صاخبة بهواء الرياض البارد، والذي لا يغادر جسد المرء إلا ليعهده للأوبئة والأمراض، اتجهتُ للسينما القريبة من بيتي في موعد غرامي مع مَن انقطعت عني لسنوات، وكان عهدي بها وعودًا قد قطعتها هي عن المستقبل، وبيني وبينها تحت تلك الشجرة في قريتنا قسم شهير، نحتته على اللحاء ولا يزال موجودًا لمن أراد تلاوته، نص واضح للجميع: «أنا الموهبة الواعدة، سترى من شبابي حِكمة شيخ، وسترى من شيخوختي صبا شاعرة، والأيام ستثبت لك أني من أحببت، لا أتغير إلا بهاءً» وحينما أطلت عليّ في تلك الليلة، علمت أن الوعد حق، وأنها أوفت عهدها، ولا يزال في العمر بقية.
رافقت موهبة «علي الكلثمي» وحِدة المراهق لدي بترفيهها على اليوتيوب، وكانت أيامُ الضحكِ بيننا طويلةً وعامرة، وكنت أرى أن الشاشة بيننا لا بد أن تتسع، فلم تعد تكفيها شاشة ذاك الكمبيوتر المكتبي، ولا حتى الشاشة التلفزيونية. الموهبة واعدة وآفاقها أوسع مما يمكن أن أقدمه لها، حتى حان اليوم الذي توفى به العهود، وانطلقت موهبته تسبح في الفضاء الحر، وأطلقتها أنا وتوقفت عن كتابة الرسائل التي لطالما تضمنت عبارات العاشق الأحمق مثل «رجعوا خمبلة»، بل على العكس، قلت إن مثلها لا يخلف الوعود، وإن غدًا لناظره لقريب.
هي اليوم وبعد خمس سنوات من افتتاح السينما في السعودية، تطل علينا أخيرًا من الشاشة الكبيرة، وأرى التقدير يحُفّها، والاحتفاء يغشاها وختم مهرجان تورنتو يقدمها لنا. اتخذتُ من الصفوف آخرها، وقلت إنها لحظة يجب أن أرى جميع الكادرات فيها باتساعها المناسب، وأرى ملامحها تشكل المستقبل، وتبني الإرث الذي نحتاج، وتنطلق من الواقع الذي نعيش، وتعبّر عن الهواجس التي بها نشعر.
1- رياض علي ليست كرياض بدر، وليست غوثام ولله الحمد.
وما إن انتهت الإعلانات، حتى بدأت عيناي بالاتساع وبدأ ظلي يطيف معهم في كل كادر، ها هي الرياض بالليل بلا أي نوستالجيا، أشخاصها الذين يسكنونها بلا أي قناع، زحامها المعتاد ومطرها الذي تتجمع مياهه في أطراف أزقته، أبراجها المضيئة وسط الليل العتيم على طالع رملي يلوح منها وجه الرياض الذي لطالما تغنى به البدر في أشعاره عن رقتها وسط عذا نجد، لكن «علي» لا يتغنى بها كما نظن، بل يُرينا من التفاوت فيها ما يجعلنا نشعر معها بالوحشة، حالتان من التناقض بين مركز الملك عبد الله المالي والبيوت الشعبية، بين مَن يعيشون في الظل، آلات تحركها الآلة الأكبر، وبين مَن يتراقصون في النور على أنغام الكؤوس المقروعة.
لن ترى الرياض التي تحب أن تتغنى بها تحت المطر على أشعار «فهد المساعد»، إنما سترى الرياض التي لطالما وارينا وجوهنا عنها، ولا يصور هنا «علي» هذه الحالة من التناقض باستسهال المفارقات المأساوي، إنما بطبيعتها الحية والمعقدة، لن ترى طبقية سالي، بل سترى طبقية الرياض الجديدة، مدينة لا يرى فيها الموظفون إلا المهنة حياة لهم، لا شيء مشترك يجمعهم في مائدة طعام للحديث عنه إلا مديرهم الغربي بطلباته المنغصة لحياتهم، وأناس الهم يثقلهم من كل جانب، يبحثون وسط جميع هذه الجوانب عن متنفس يتنفسون منه.
ويَخرج هنا «علي» عن إصرار غيره من المخرجين السعوديين على تصوير الرياض كـ«غوثام سيتي»، أو في إطار ديستوبي غير واقعي عن المدينة، أو على نحو نوستالجي ضيّق عن الصحوة، إنما يوثقها بشكلها الطبيعي بوصفها مدينة خاصة ومميزة تتجاوز المعالم الحضرية إلى معالم نفوس البشر.
2- فهد القضعاني: مسيرة انهيار إنسان
وبالخروج من إطار المدينة إلى إطار سكانها، يُرينا الفيلم حياة القضعاني، ابن العقد الرابع، من نقطة بداية مهمة وقد خنقته السيارات في وضع وظيفي صعب، الغضب يعج بالمشهد الافتتاحي، بدءًا من مديرة، مرورًا بفهد نفسه، انتهاء بصاحب السيارة التي أمامه. تعريف مثالي لحالة الغضب التي تساهم المدينة في إضفائها على شخصية بطلنا، وحينما يخف الاختناق المروري، يعود بطلنا للاختناق في دوامة العملاء الذين لا يتعاملون معه بوصفه إنسان، وإنما كذكاء اصطناعي تمسخ الوظيفة ذاتيته، وما إن ينتهي من حصار العملاء حتى يداهمه ثلاثي الشر في العمل (مديره المباشر ومساعدته والموارد البشرية)، والذين يحاولون دفعه للاستقالة لتقليل حقوقه، بدلاً من فصله فصلاً غير مشروع يقاضيهم عليه، الأمر الذي يدفع فهد إلى أن يستذكر أيامًا كان فيها مديره الضبعة التي أحسن إليها وعضّت يده، فهو مَن رشّحه للوظيفة في بادئ الأمر، وهو مَن تنازل له ليتولى الإدارة، وما كان من «القرعاوي» إلا النكران، حصار ضاعت فيه خيارات القضعاني، حتى زجه الغضب لارتكاب الخطيئة الأولى.
3- ثلاث عُقَد عاطفية: عقدة رجل العائلة - عقدة الحب - عقدة الأنا
بعد أن يُفصل فهد بموجب المادة 80 من نظام العمل، يُجرَّد من جميع حقوقه، ويُساق إلى السجن حتى يُخرجه ابن عمته بكفالة، ومن بعدها نطل على ما هو أعقد من زحام المدينة، و جحيمية بيئة العمل، نغوص في عُقَد القضعاني الثلاث، نكتشف أن للرجل أبًا مقعد، عمل معلمًا للتاريخ حتى لانت كلاه وآلت للفشل، وما عادت ديونه التي أثقلها على نفسه من أجل الأرض الملك والبيت الذي يؤمّن فيه مستقبل أبنائه ويخرج بهم من دوامة الإيجار، تكفيه لعلاجه وتسيير حياته اليومية، كما أن للقضعاني أختًا عانت هي الأخرى من الفشل، فقد انفصلت قريبًا عن زوجها، ولها ابنة وحيدة وتحلم بالنجاح الريادي الذي تستعيض به عن الحياة العاطفية الفاشلة التي عاشتها، وبينهما تنشأ عقدة رجل العائلة لفهد، فالرجل يعمل الليل والنهار وهو بين دوامة الوظيفة ومسارات الطرق في سد العجز الذي يحيط بحياتهم من كل جانب، والحظ العاثر الذي يرافقه في كل لحظة يحرص جيدًا ألّا يعيش فهد بخير، وهذا واضح حينما نرى أن الرجل فَقَد وظيفته في وسط كل هذه المعمعة، ولن يستطيع أن يشارك والده وأخته ما يحيك بصدره من هموم رعاية أخته، والعناية بوالده، وتوفير ما قد تطلبه المحكمة تعويضًا عن الأضرار التي سببها لمديره، فهو «الرجل» الذي يستند إليه جميع أفراد العائلة، وهو الراعي لهذه العائلة، فنجده يساند أخته في مشروعاتها في ظل ما بينهما من جفوة جراء اختلافهما حول الطلاق الذي وقع مؤخرًا بينها وبين والد ابنتها، وكذلك نجده يعيش حياةً قد لا يعرف والده عنها كثيرًا، من أجل توفير ما يساعدهم على العيش، ويبذل كل ما من شأنه أن يهدد زهوه بنفسه من أجل علاج والده، كأن يذهب بمعروض لأحد رجال الأعمال من أجل أن ينظر في مسألة علاج والده في الخارج، عقدة محكمة ستجدها ماثلة في كل صور الحياة حولنا وفي مجتمعنا، رجال شجعان اجتاحت السُّمية حياتهم، وبلغوا المشيب وهم شباب.
وبالرغم مما تعانيه شخصيتنا من هرم نتيجة ظروفها، فإن ذلك لا يعيقها عن أن تشعر بالشباب يجتاحها. حينما ترى مَن تحب، فقد زامل فهد بفضل ما تضيفه اليوم الرياض من حياة مغايرة لما قد يعيشه الإنسان طيلة حياته، فتاة كانت تعمل معه وعانت من شيء من ظروفه التي قاساها في العمل من سوء في البيئة الوظيفية، تتصل به في ليلة باردة، لتضيف شيئًا من الدفء إلى حياته، ينجذب إليها بكل ما لديه من مشاعر، لكنه يكتشف أنها لا توافيه تلك المشاعر، بل إن ما يقع بينهما هو محاولة لإشباع فراغ بداخلها، وحيازة قبول تحتاجه شخصيتها، وبين تلك الرغبات يجد فهد نفسه في مواجهة طبقية مع زملائها تُشعره بالنقص، ويدرك معه أن ما به من هموم لا يستحمل تجربة كهذه، وأن ما تتسم به شخصيته من أنفة لا يسعها التعامل مع هكذا ملف، فيعلن الانفصال عنها على نحو هجائي بلا أي دمعة.
ومن هنا نتعرف إلى «أنا» متضخمة تعيشها الشخصية، فبالرغم من كل ما يكسرها ويحرص على إتعاسها، فإن فهد يرى نفسه في مقام هو فيه أحسن من الباقين، وإن كان ذلك الشعور يتضخم من دونية تحوكه حول حياته، فالرجل حينما يرى مديره السابق في المطعم الذي خرج فيه للعشاء مع خيبته الأولى «مها»، يتفاخر بها هي وزملائها بوصفهم فريق عمل يديره نحو الريادة التي تجعل مديره لا شيء أمامه، الأمر الذي يحاول المدير معه أن يصر على أن فهد لا شيء سوى مسكين يعيش في الأوهام، وأنه قد تنازل عنه لوجه الله، ولا يريد منه المبلغ الذي قد تقرره المحكمة تعويضًا، إلا أن فهد يصر على أن هذا لن يحدث لأن مبلغه الذي يريده سيأتيه بوصفه جزءًا من إحسانه، في صراع كبير تتحدى فيه كرامة فهد ظروفه.
4- ظروف تؤول لما لا يُحمد عقباه
ومن هذه الظروف، يتجه فهد إلى دروب قد تهلكه، إذ يكتشف عالمًا في شمال المدينة لا يستوعبه، حياة صاخبة تُنفَق فيها المبالغ الطائلة على الشراب في شبكات سفلية معقدة، يرى فيها فهد طوق نجاته، وبعد تردد فائق ومراقبة كثيفة، يقرر فهد الاستيلاء على المصدر، مما يدفع تلك الشبكات لمطاردته والترصد له في سبيل الإطاحة به واستعادة ما قد سطا عليه، وبين هذا الترصد وحيرة فهد بين ما هو رجس وبين ما يكاد أن يكون كفرًا -فقد كاد الفقر أن يكون كفرًا كما هو في الأثر- يغوص فهد في مغامرة مختلفة، يحاول فيها تصريف ما لديه بسرعة قبل أن يفيق ضميره كليًا، ويرهق الرزق الحرام.
هذه المغامرة تقود فهد إلى عوالم لم يكن يومًا ليتخيلها، مجتمعات كاملة تتراقص على البلاط بصوت خافت وإضاءة خافتة في غرف معزولة، تقوقع نفسها بمعزل عن بقية المدينة، إلا أن هذه المجتمعات لا يجد معها طوق نجاته الذي سيرى ما إن كان سيرد بها كرامته، أم سيفيض بها على عائلته واحتياجاتها الملحة، وبين هذا وذاك يترنح فهد، حتى تداهمه مركبة مَن كانوا يعدون له الرصد، ويخطفونه على حين غرة، ويُذيقونه الخوف أضعافًا مما كانت تذيقه الحياة، يرى بين أذرعهم الموت، حتى ينعطف برجله بهم إلى حتفهم، وهنا يقفل فهد عقدة، إلى عقدة تتجاوز أفقه.
5- المعذبون في الأرض
نهاية مأساوية لرجل عادي، جبن أن يواجه نفسه فلا يصح أن ندعوه شجاعًا، وتشجع أن يواجه مصيره، فلا يصح أن نناديه جبانًا، فهو ما بين البين مثلنا جميعًا، رجل عادي لا أقل ولا أكثر، أمام مدينة تخيف مَن يواجهها، يجد نفسه في نهاية عظيمة مأسورًا وسط الكادحين من العمالة الآسيوية في حافلة تُقلّ المتعبين والجرحى إلى بيوتهم بعد أن ثارت بهم خنادقهم حتى خارت قواهم، فهد مندوب من الدنيا، وفي الدنيا مناديب كُثر، لا أعظم من هذه الخاتمة قد يختم بها مُخرج العمل.
فيلم رأينا فيه -كما ذكرتُ سالفًا- مفارقة ليست بالسهلة لفقير مقتدر، يعمل رغم الظروف ولديه عقبات تتجاوز الحديث السهل عن الماديات لترتقي إلى مكنونات النفس البشرية، ليعيد تشكيل معالم الفقر الحقيقية في أذهاننا، أفراد متعبون تطحنهم الرأسمالية من كل جانب، ليسوا مَن تراهم على الأرصفة يتسولون فقط، بل جميع مَن يترنحون على خط الفقر ولا يجدون في الفرص سبيلاً يستوعبهم.
6- محمد الدوخي في نطاق درامي
والحقيقة أن محمد الدوخي ساهم بشكل كبير في إيصال رسالة الصناع بأوضح طريقة ممكنة، موهبة فارقة لم أكن أستوعب بأي شكل من الأشكال -حين كانت ترافقني أعماله في مراهقتي- أن تخرج بمثل هذه الإمكانات، وهذا كله في أول تجربة فنية، تقمص تجاوز فيه محمد أبعاد شخصيته الحقيقية وتقمص فيها القضعاني بكل تفاصيله، بمستوى محدود من السخرية، وبقسمات وجه لا تبتسم كثيرًا، على عكس ما أظهرته لي «خمبلة»، ليعلن من «مندوب الليل» أن هناك نجمًا قادمًا لاجتياح الساحة.
7- تقنية المخرج
واستمرارًا في تحليل التقنية الموجودة في الفيلم، فإن «علي الكلثمي» وبنضج غير معقول، قاد فيلمًا لا يمر مثله علينا كثيرًا، رأيت فيه هوية خاصة وفريدة تتأثر بالتجارب الأخرى ولا تقلد، أنواع اللقطات فيه تنوعت بتقنيات مختلفة أجاد فيها كلها، وبين جميع المَشاهد، سيبقى مشهد التناظر بين الدوخي والقرعاوي في دورة المياه، ومشهد حادث السيارة، مشهدين ثابتين في ذاكرتي للأبد.
8- خلل سردي
وعلى الرغم من أن الفيلم في رأيي الشخصي أفضل ما رأيت في السينما السعودية الوليدة، فإن هناك عوارض ضعف ألمت بالعمل لا أشعر أن صناعه قد وُفّقوا بها، لعل أهمها ما عانته طريقة السرد من ضعف على حساب التقنية المرئية، فقد سارت القصة بمسار تصاعدي طويل غير متناسب في الكميات، تم فيه التمطيط في بعض المسارات على نحو غير موفق للوصول إلى الوقت المطلوب، كما أن علاقة الأخ بأخته شابها شيء من اللامنطقية في الحل والمشكلة، فرأيت أختًا لا تراعي لأخيها أي مبادرة، ثم أُفاجأ بأخت هي أحن على أخيها وأكثر عرفانًا له من الجميع، بلا أي نقطة تحوُّل ملموسة تتناسب مع الصعود بالجفوة لتبرر هذا النزول الذي أزالها.