من لاكان وصولًا إلى رولان بارت: السينما كمرآة لنا

February 23, 2026

كنتُ أشاهد فيلمًا ذاتَ مساءٍ، لا أذكر تمامًا أيَّ مشهدٍ كان، لكنّي أذكر ذلك الشعور الغريب الذي تسلَّل إليَّ ببطء. لم يكن الفيلم يحكي قصّة آلفُها، ولم تكن الشخصيّات تُشبهني في شيء، لكن كان هناك شيءٌ ما في الطريقة التي تحدّثوا بها، في سيرهم وصمتهم الطويل، في نظراتهم أو اللحظات الشاردة المحدقة نحو نافذةٍ ما أو شارعٍ خالٍ؛ شيءٌ جعلني أشعر بأنّي أعرف هذه التجربة تمامًا. كأنّي رأيتُ نفسي هناك، لكن بوجهٍ آخر، أحمل اسمًا آخر، في مدينةٍ لم أزرها قط. وحين انتهى الفيلم، بقي ذلك الارتباك معي؛ ليس ارتباكًا مزعجًا، بل ذلك النوع من الارتباك الذي يجعلك تتساءل: هل رأيتُ نفسي للتو؟ أم رأيتُ شخصًا آخر يعيش ما أعيشه؟ 

إن هذا الشعور، وما يُرافقه من ارتباكٍ ناعم، هو ما تمنحنا إيّاه بعضُ الأفلام. أفلامٌ لا تحاول أن تكون مرايا صادقة تعكس واقعنا كما هو، بل مرايا غريبة تعكس شيئًا أعمق من الواقع المرئي. تعكس ما نشعر به بعمق، ما نعيشه في لحظاتنا الخاصّة، حين لا يراقبنا أحد، وحين نكون بمفردنا مع أفكارنا وقلقنا وأسئلتنا التي لا تنتهي. هذه الأفلام تُقدِّم لنا تجسيدًا غائبًا لأنفسنا؛ نسخةً منّا، لكنها ليست نحن تمامًا، عوالم تشبه عوالمنا لكن بتفاصيل مختلفة، بأصواتٍ أخرى، بوجوهٍ غريبة. ومع ذلك، حين نشاهدها، نشعر بأنّنا هناك، مُعلَّقين في مساحةٍ غريبة بين أنفسنا والشاشة. 

وهذا ما يقودنا إلى طرح السؤال: لماذا هذا الارتباك؟ لماذا حين نرى أنفسنا في وجوهٍ غريبة، في قصصٍ ليست قصصنا، نشعر بهذا التآلف المُربك؟ تكمن الإجابة في طبيعة المرآة نفسها. السينما، في أفضل حالاتها، لا تعكس ما نبدو عليه، بل ما نشعر به. لا تُقدِّم صورةً فوتوغرافيةً لحياتنا، بل تلتقط جوهر التجربة الإنسانيّة في شكلها المُجرَّد. 

لقد تحدّث الفيلسوف الفرنسي جاك لاكان «Jacques Lacan» عن «مرحلة المرآة» في تكوين الذات؛ أي تلك اللحظة التي يرى فيها الطفل انعكاسه ويدرك أنّه كيانٌ منفصل. غير أن هذا الإدراك يأتي مُحمَّلًا بالارتباك، لأنّ الصورة في المرآة ليست «أنا» بالضبط، بل تمثيلٌ لي. تقدم السينما شيئًا مشابهًا؛ تمنحنا انعكاسًا لوجودنا الداخلي، لكن بواسطة الآخر، ومن خلال شخصيّةٍ ليست نحن، وفي عالمٍ ليس عالمنا. ومن خلال هذه الوساطة، وفي هذا البُعد، نستطيع أن نرى أنفسنا بوضوحٍ أكبر، لأنّنا لم نعد مُحاصَرين داخل ذواتنا.  

الزمن كما نعيشه، لا كما يمرّ 

لنأخذ ثلاثيّة «قبل» (Before) لريتشارد لينكلاتر «Richard Linklater» مثالًا. هي رحلةٌ امتدّت لسنواتٍ عديدة من حياة سيلين وجيسي، بلا حبكةٍ دراميّةٍ كبرى، بلا صراعاتٍ مُفتعلة. وإنما مجرد حواراتٍ طويلة عن الحبّ والزمن والخيارات. لكن حين نشاهدها، نشعر بأنّنا عشنا بالفعل هذه اللحظات. ليس لأنّ قصّتهم هي قصّتنا، بل لأنّ الشعورَ الذي يتخلّل حواراتهم، والتردّد في كلماتهم، والنظرات الصامتة، كلّ هذا يلمس شيئًا نعرفه. 

ما يفعله لينكلاتر هو تجريد التجربة من سياقها الخاصّ وتقديمها في شكلها الخام. الحبّ ليس قصّةً رومانسيّةً بنهايةٍ سعيدة، بل هو تلك اللحظات المتقطّعة من الفهم والتردّد والخوف من الفقدان. ونحن، حين نشاهد جيسي وسيلين، لا نرى قصّةَ حبّهما فحسب، بل نرى كلّ قصص الحبّ التي عشناها أو تمنّينا أن نعيشها أو خفنا من عيشها. هذا هو التجسيد الغائب؛ حضورٌ غير مباشر لتجربتنا في تجربة الآخر. 

لكن المرآة السينمائيّة لا تعكس اللحظة الحاضرة فقط، بل تعكس علاقتنا بالزمن نفسه. نحن لا نعيش في نقطةٍ واحدةٍ من الزمن، بل في طبقاتٍ متراكبةٍ منه؛ ذكرياتٌ تغزو الحاضر، وتوقّعاتٌ تُشوِّه اللحظة، وماضٍ يُعيد تشكيل نفسه كلّما تذكّرناه. هذا ليس الزمن الذي تقيسه الساعة، بل الزمن النفسي، الزمن كما نشعر به داخليًّا. والسينما، حين تريد أن تكون مرآةً صادقة، تحاول أن تلتقط هذا الزمن، لا الزمن الموضوعيّ الخارجيّ. 

وقد فهم المخرج الفرنسي آلان رينيه «Alain Resnais» هذا جيّدًا. ففي فيلم «هيروشيما محبوبتي» (Hiroshima mon amour، 1959) و«العام الماضي في مارينباد» (Last Year at Marienbad، 1961)، لم يعد الزمن يسلك منحى خطّيًّا. وإنما تظهر الذكريات متداخلة مع الحاضر؛ إذ أن الماضي ليس شيئًا انتهى، بل هو هنا، الآن، يمضي في تشكيل كلّ لحظة. لا يروي رينيه قصصًا بقدر ما يصنع تجارب زمنيّة؛ يجعل الزمن السينمائي يُطابق الزمن النفسي. وحين نشاهد أفلامه، نشعر بأنّنا نرى بنية وعينا نفسها، لا مجرّد قصّةٍ تُروى. الماضي ليس خلفنا، بل داخلنا، يُعيد صياغة الحاضر باستمرار. 

وإذا ذهبنا إلى مثالٍ أوسع لفهم هذه الفكرة بشكلٍ أدقّ، فلدينا سينما القدير ثيو أنجيلوبولوس «Thodōros Angelopoulos»، حيث نجد أنفسنا في عالمٍ آخر تمامًا، لكن الشعور يبقى قريبًا. تمتاز أفلام أنجيلوبولوس بالطول، والبطء، إلى جانب اللقطات الواسعة التي تجعل الإنسان يبدو صغيرًا في مواجهة المكان والزمن. تبحث شخصيّاته التائهة عن شيءٍ ما؛ قد يكون ذكرى، فيلم، وطن، أو معنى ضائع. وفي هذا التيه الذي تخلقه أفلامه، نرى أنفسنا. إننا لسنا جميعًا نبحث عن فيلمٍ ضائع كما في «تحديقة عوليس» (Ulysses’ Gaze، 1995)، لكنّنا جميعًا نبحث عن شيءٍ ما فقدناه أو لم نجده قط، شيء قد يكون في أفقنا لكنّنا غير قادرين على تملّكه. 

يصنع أنجيلوبولوس سينما تدفعك إلى الشعور بثِقَل الوجود وطول الرحلة، وبالصمت الذي يملأ الفراغات بين الكلمات. وحين تشاهد أفلامه، لا تشعر بأنّك ترى قصّة، بل يراودك الشعور بأنّك تعيش حالة ما؛ هي حالة التيه والبحث والسؤال الذي لا ينتهي. هذا هو التجسيد الغائب؛ أن ترى رحلتك الداخليّة معكوسةً في رحلة شخصٍ آخر، وفي زمنٍ مختلف، وفي مكانٍ لا تعرفه، لكنّك تعرف تمامًا الشعورَ المرافق له.

وبلا شكّ، في سعينا لتفكيك هذا الشعور، لا بدّ لنا أن نتوقّف عند عتبات أفلام المخرجة القديرة شانتال أكرمان «Chantal Akerman»، لأنّها تأخذنا إلى مساحةٍ أخرى من هذا الإحساس. ففي فيلمها «جان ديلمان، 23 شارع كوميرس، 1080 بروكسل» (Jeanne Dielman, 23 Commerce Quay, 1080 Brussels، 1975)، نشاهد ثلاثَ ساعاتٍ ونصفَ الساعة من حياة امرأةٍ عاديّة تقوم بأعمالها اليوميّة: تطبخ، تنظّف، تنام، تستقبل أشخاصًا في شقّتها. لا نرى أي حدث درامي يتسلل إلى الفيلم حتّى اللحظات الأخيرة. ومع ذلك، ينفذ هذا الفيلم إلى مكانٍ ما قصيٍّ داخلك بطريقةٍ غريبة ويبقى هناك. لأنّك ترى في هذا الروتين المُرعب شيئًا تعرفه؛ ليس بالضرورة تكرار نفس الأفعال، بل الإحساس بأنّ الحياة تعيد نفسها، وبأنّ الأيّام تمرّ وأنت تفعل الشيء ذاته، وفي مكانٍ ما بداخلك تشعر بأنّ شيئًا ما ينهار ببطء وصمت. لا تُقدِّم أكرمان أيّ شرحٍ أو تعليق، بل تعرض روتين الحياة فقط. وفي هذا العرض المُجرَّد، نرى أنفسنا، ليس في تفاصيل حياة جان ديلمان، بل في الإحساس بالفراغ الذي يملأ الأيّام، في الصمت الذي يُثقِل الغرف، في تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى المرآة ولا تعرف مَن الذي تنظر إليه. 

إن هذا الشعور بالفراغ، وبالانهيار البطيء، ليس مرتبطًا دائمًا بالروتين الخارجيّ. أحيانًا يأتي من رغبةٍ في الانسحاب الكامل من الحياة نفسها. فيلم «الرجل الذي ينام» (The Man Who Sleeps، 1974) يستكشف هذه الرغبة بشكلٍ مباشر؛ شابٌّ يقرّر أن يتوقّف عن المشاركة في الحياة، لا يُنهي حياته، لكنّه يتوقّف. يبقى في غرفته، لا يخرج، لا يتحدّث إلى أحد، يراقب فقط، دون أن نعلم حقًّا ماذا يراقب! 

ويروي الفيلم هذا بصوتٍ داخليّ، وبتأمّلاتٍ فلسفيّة عن الوجود والعدم، عن اللامبالاة، وعن الرغبة في الاختفاء دون الموت. وحين تشاهد هذا الفيلم، قد لا تكون اجترحت ما فعله هذا الشاب، لكنّك تعرف الشعور نفسه. تعرف تلك اللحظات التي تريد فيها أن تتوقّف، أن تختفي، أن تغدو لا مرئيًّا للعالم ولنفسك. وهذا الفيلم يُجسِّد شيئًا لا نتحدّث عنه كثيرًا، نخاف الاعتراف به، لكنّه موجود في مكانٍ ما بداخلنا، ينتظر أن يُرى، أن يُعترَف به، حتّى لو كان ذلك منعكسًا على فضاء الشاشة، أو في كلمات.

المرآة التي تشاهدنا ونحن نشاهد 

إن السينما لا تعكس فقط لحظات الانسحاب والفراغ والتيه، بل تعكس أحيانًا الصراعات الحميميّة، والعلاقات المُعقّدة التي تربطنا بمن نحبّهم ونجرحهم في الوقت نفسه. من السينما الكنديّة، يأتي فيلم «أمّي» (Mommy، 2014) لكزافييه دولان، الذي يصرخ بعاطفته دون خجل. أمٌّ تحاول تربية ابنها المراهق الذي يعاني من مشكلاتٍ نفسيّة وسلوكيّة. العلاقة بينهما مُعقّدة، مليئة بالحبّ والغضب والإحباط واليأس والأمل. 

يُصوِّر دولان هذا بحميميّةٍ مؤلمة، يضع الكاميرا برفقتهم داخل المنزل، فنَتجوّل داخل قلوبهم. ويستخدم في الوقت ذاته الإطارَ المُربّع، الذي وظفه في معظم الفيلم، لينقلَ الشعور بالاختناق، بالضيق، ثمّ، في لحظةٍ واحدة، تتّسع الشاشة، وتشعر بأنّك تستطيع أن تتنفّس. هذا الفيلم ليس عن أدوارنا الأبويّة، لكنّه عن كلّ علاقةٍ قريبةٍ ومؤلمة، وعن كلّ مرّةٍ حاولنا فيها أن نحبّ شخصًا يؤلمنا، وعن كلّ مرّةٍ كنّا فيها ذلك الشخص الذي يؤلم مَن يحبّه. نرى أنفسنا في هذا الصراع، في هذا التناقض، وفي هذا الحبّ الذي لا يكفي وحده لإنقاذ أحد. 

إن العلاقات الإنسانيّة لا تحتاج دائمًا إلى هذه الكثافة العاطفيّة لتترك أثرًا. أحيانًا، تعد أعمق الارتباطات هي تلك الارتباطات الهادئة، العابرة، التي تحدث في لحظات الصمت المُشترك. يعد فيلم «كولومبوس» (Columbus، 2017) لكوغونادا فيلمًا قريبًا من أجواء ثلاثيّة لينكلاتر. في مدينةٍ صغيرةٍ في إنديانا  مشهورةٍ بعمارتها الحديثة، يلتقي شابٌّ كوريّ وفتاةٌ أمريكيّة. يتحدّثان عن العمارة، عن الحياة، عن العلاقات، عن الخيارات. لا يحدث شيءٌ كبير، لا علاقة دراميّة، ولا اعترافات عاطفيّة صاخبة. فقط حواراتٌ هادئة، صمتٌ مُشترك، ونظراتٌ طويلة إلى المباني. 

ومع ذلك، يمكث هذا الفيلم بداخلك لوقت طويل. لأنّه يتحدّث عن شيءٍ نعرفه جميعًا؛ تلك اللقاءات العابرة التي تترك أثرًا على صاحبها، تلك المحادثات التي تفتح شيئًا بداخلك، وتلك اللحظات التي تشعر فيها بأنّك فُهِمتَ وفَهِمت، حتّى لو كان ذلك لبرهةٍ قصيرة. يصنع كوغونادا سينما تحتفي بالهدوء، بالتفاصيل الصغيرة، وباللحظات التي لا نلاحظها عادة. وفي هذا الهدوء نرى أنفسنا؛ ليس في الضجيج، بل في السكون. 

في هذا السياق، لا بد من ذكر فيلم «قهوة في برلين» (A Coffee in Berlin، 2012)، الذي يتبع هذا النمط — السينما الهادئة — إذ نتابع فيه شابًا خلال يوم واحد؛ يوم عادي في حياته، أو ربما يوم استثنائي في عاديته. يتجوّل في المدينة، يلتقي بأشخاص، يحاول أن يشرب قهوة لكنه لا يستطيع لأسباب مختلفة. صُوّر الفيلم بالكامل بالأبيض والأسود، وكأنه يرمز إلى حياة أشبه بقالب واحد يمكن أن يلائم الجميع. وبينما نتابعه، نرى أنفسنا مختزلين في حيرته، في تسكّعه، في محاولاته لإيجاد معنى أو هدف، أو حتى مجرد فنجان قهوة جيد. يصوّر الفيلم ذلك الشعور بالعيش دون معرفة الوجهة، وبأن الحياة تحدث لك، لا أنت من يصنعها. وهو شعورٌ نعرفه جميعًا في مرحلة ما من حياتنا، حين نكون تائهين بين شيء وشيء آخر، لا نعرف ماذا نريد، ولا نعرف من نكون على وجه الدقة. 

وإذا كانت هذه الأفلام تستكشف اللحظات الهادئة والعلاقات العابرة، فإن أفلامًا أخرى تغوص في الظلام الداخلي، في تلك الأغوار التي نخاف من استكشافها. إنغمار برغمان، في فيلمه «عبر زجاج مظلم» (Through a Glass Darkly، 1961)، يدخلنا إلى هذا العالم الأكثر قتامة. عائلة تعيش في جزيرة نائية، مكوّنة من أب، وابنه، وابنته التي تعاني من انفصام الشخصية، وزوجها. العلاقات متوترة، الصمت ثقيل، والجنون يتسلل ببطء. 

 برغمان لا يخاف من استكشاف الظلام الداخلي، ومن طرح الأسئلة الصعبة عن الله، وعن الحب، وعن الوحدة التي نشعر بها حتى ونحن محاطون بمن نحب. والأهم، هو أننا حين نشاهد هذا الفيلم أو ذاك من أفلامه، فإننا قد لا نعاني من الأعراض نفسها، لكننا نعرف الشعور بالانفصال، بالعزلة، وبأننا محاصرون داخل أنفسنا، غير قادرين على الخروج أو الوصول إلى الآخرين، حتى لو كانوا يقفون أمامنا مباشرة. برغمان يصنع سينما تستكشف الروح الإنسانية بلا أغطية، وبصدق مطلق، وفي هذا الصدق نرى انعكاسًا مؤلمًا لأنفسنا. 

 لكن ليست كل الأفلام التي تحمل قدرًا من الانعكاس الذاتي تستكشف الظلام أو الألم. فبعضها يلتقط ببساطة الحياة العادية بكل عاديتها، دون محاولة تجميلها أو إضفاء معنى زائد عليها. كرحلة المخرج الإيطالي إرمانو أولمي في فيلمه «المكان» (Il Posto، 1961)، حيث يقدم لنا قصة بسيطة للغاية، مراهق يحصل على وظيفته الأولى في شركة كبيرة في ميلانو، بعد أن يُجبر على التخلي عن طموحه في استكمال دراسته. نتابعه وهو يتعلم الروتين، ويتعرّف على زملائه، ويحاول إيجاد مكانه في هذا العالم الجديد. 

لا توجد أحداث كبيرة، ولا تحولات درامية، وإنما حياة عادية فحسب، يومًا بعد يوم، ولحظة بعد أخرى. لكن أولمي يصوّر ذلك بحنان وفهم عميقين. يفهم شعور الضياع حين يبدأ المرء بتلمس «الحقيقية»، وحين يدخل عالم الكبار ويحاول إيجاد موطئ قدم له. وحين تشاهد هذا الفيلم، تتذكر بداياتك: تلك الأيام الأولى في أي شيء، الخوف، والحماس، والشعور بأنك لا تعرف ما الذي تفعله، لكنك تحاول. يجسّد أولمي الحياة العادية بكل بساطتها وتعقيداتها، دون أن يجمّلها أو يضيف إليها ما ليس فيها. 

 وإذا كان أولمي يلتقط عادية الحياة بحنان، فإن مخرجين آخرين يلعبون بطبقات الواقع نفسه، ويجعلوننا نتساءل عمّا نراه، وكيف نراه. فالراحل عباس كياروستامي، مخرج إيران الأكبر، يعرف جيدًا كيف يصنع سينما تتحدث عن الحياة الحقيقية بطرق غير متوقعة. في فيلمه «شيرين» (Shirin، 2008)، وهو أحد أفلامي المفضلة والحجر الأساس لهذا المقال، والذي لم ينل القدر الكافي من التقدير، يقدم لنا تجربة فريدة، يصوّر فيها مئة وأربع عشرة امرأة يجلسن في السينما ويشاهدن فيلمًا. نحن لا نرى الفيلم الذي يشاهدنه، بل نرى فقط وجوههن، وتعابيرهن، ودموعهن، وضحكاتهن. 

بهذا يخلق كياروستامي مرآة معقّدة؛ فنحن نشاهد نساءً يشاهدن فيلمًا، وفي وجوههن نرى انعكاس أنفسنا ونحن نشاهد. يصبح الفيلم متمحورًا حول فعل المشاهدة ذاته، عن كيفية تلقّي القصص، وكيف تؤثر فينا، وكيف نرى أنفسنا فيها. هذا هو التجسيد الغائب في أوضح صوره: لا نرى ما يرونه، لكننا نرى أنفسنا في ردود أفعالهن، وفي المشاعر المنعكسة على وجوههن. وهذا اللعب بطبقات المشاهدة والانعكاس يقودنا إلى سؤال أعمق: ما الذي نراه حقًا حين نشاهد؟ هل نرى القصة على الشاشة، أم نرى أنفسنا منعكسين فيها؟ 

يجعلنا كياروستامي نفكر في ذلك ونحن واعون بفعل المشاهدة نفسه، وبالطريقة التي نحيط بها ما نراه بأجزاء من أنفسنا، ومشاعرنا وذكرياتنا. ومن منظوري الشخصي، فإن هذا ما يحدث حين نشاهد أي فيلم؛ نحن لا نتلقى القصة بشكل محايد، بل نملؤها بأجزاء ونفحات من أنفسنا. 

 الارتباك بوصفه فعل تعرّف

كل هذه الأفلام، على اختلافها، تشترك في شيء واحد، وهو أنها لا تحاول أن تكون مثيرة بالمعنى التقليدي. لا توجد مطاردات بين سيارات أو انفجارات، ولا قصص حب مثالية، ولا نهايات سعيدة مضمونة. بدلًا من ذلك، تُقدَّم لنا الحياة كما هي، أو كما تبدو في لحظاتها الخاصة، حين لا يكون هناك أحد ليراقب، وحين نكون وحدنا مع أنفسنا. تقدم لنا الواقعية لا بوصفها توثيقًا حرفيًا، بل بوصفها التقاطًا للشعور الحقيقي بالوجود؛ ذلك المزيج الذي يجمع بين الملل والخوف والأمل واليأس والحنين والترقّب الذي يشكّل أيامنا. وحين نشاهد هذه الأفلام، نشعر بأننا مرئيون، بأن هناك من فهم ما نمر به، حتى لو لم نكن نعرف كيف نعبّر عنه. 

 لكن لماذا هذا الارتباك؟ لماذا حين نرى أنفسنا منعكسين على هذه الشاشات، في هذه الوجوه الغريبة، وفي هذه القصص التي ليست قصصنا، نشعر بهذا المزيج الغريب من الألفة والغربة؟ ربما لأننا نادرًا ما نرى أنفسنا حقًا. نحن نعيش حياتنا من الداخل، ولا نراها من الخارج. ونادرًا ما تمنحنا الثقافة الشعبية، بأفلامها ومسلسلاتها، فرصةً لرؤية الحياة الحقيقية؛ الحياة العادية التي لا تحدث فيها أشياء استثنائية كل يوم. هذه الأفلام تمنحنا تلك الفرصة، تمنحنا مرايا ليست واضحة تمامًا، ولا مباشرة، لكنها صادقة. وفي هذا الصدق، وفي هذه الرغبة في إظهار الحياة كما هي، دون تجميل أو تبسيط أو حلول سهلة، نجد شيئًا نادرًا: التعرّف. 

 نتعرّف على أنفسنا في هذه اللحظات البطيئة، وفي الحوارات الطويلة، وفي الصمت الذي يملأ الشاشة. نتعرّف على مخاوفنا، وآمالنا، ويأسنا، وحبّنا، وعلى تلك المشاعر المعقّدة التي لا نعرف كيف نسمّيها. ونشعر بالارتباك لأن هذا التعرّف ليس كاملًا ولا محددًا. ليس شبيها برؤية صورة فوتوغرافية لأنفسنا، بل أشبه برؤية ظلّنا، أو انعكاسنا في ماء متموّج؛ نرى الشكل العام، ونعرف أنه نحن، لكن التفاصيل تظلّ مشوّشة ومتغيّرة. وهذا الغموض هو ما يجعل التجربة غنيّة، لأنه يترك لنا مساحة نملؤها بتجربتنا الخاصة، وبمشاعرنا وذكرياتنا. 

أما الغربة التي تتحدث عنها هذه الأفلام، فليست فقط غربة المكان أو الوطن أو المنزل، بل غربة أعمق، غربة عن الذات. نحن غرباء عن أنفسنا، لا نعرف حقًا من نكون، ولا ماذا نريد، ولا إلى أين نتجه. نعيش حياتنا ونحن نحاول فهم أنفسنا واكتشاف ذواتنا في هذه اللحظة، وفي هذا العمر، وفي هذا المكان. لذا فإن هذه الأفلام تعكس هذه الغربة، وتجعلها مرئية، وتمنحها شكلًا. وحين نراها على الشاشة، نشعر براحة غريبة؛ ليس لأنها تحل المشكلة، بل لأنها تعترف بوجودها، وتقول لنا: نعم، هذا حقيقي، وما تشعر به حقيقي، وأنت لست وحدك. 

 العودة إلى الذات عبر المرآة 

في النهاية، ربما هذا هو ما تفعله السينما في أفضل حالاتها، لا تنقلنا إلى عوالم خيالية بعيدة، بل تعيدنا إلى أنفسنا، إلى حيواتنا، ولكن من زاوية مختلفة، ومن منظور جديد. تمنحنا فرصة لرؤية ما نعيشه وما نشعر به منعكسًا على الشاشة، متجسّدًا في شخصيات فيلمية، ومنسوجًا في قصص. وفي هذا الانعكاس نجد شيئًا نادرًا: الفهم. نفهم أنفسنا أكثر، ونفهم تجربتنا، وندرك أننا لسنا وحدنا، وأن ما نعيشه ليس فريدًا بشكل مطلق، بل هو جزء من التجربة الإنسانية الأوسع والمشتركة التي تربطنا جميعًا، رغم اختلافاتنا، ورغم المسافات، ورغم الغربة. 

 وربما هنا يمكننا فهم ما عناه رولان بارت حين تحدث عن «موت المؤلف»؛ فالفيلم، في هذه اللحظة، لا يعود ملكًا لمخرجه، ولا لمعناه الأصلي المفترض، بل يصبح ملكًا لمن يشاهده. فكل مُشاهدٍ يعيد كتابة الفيلم داخله، ويملؤه بتجاربه وذكرياته ومخاوفه الخاصة. فالمعنى لا يأتي من الشاشة وحدها، بل يتكوّن في المسافة بيننا وبينها.

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى