ربما بدأ موتها الحقيقي عند تلك اللحظة، عندما انتهى التصفيق. فالفنان، منذ أن يعتاد الضوء، يُصبح أكثر هشاشة أمام العتمة. يعيش عمره وهو يوزع روحه على الغرباء، يبتسم بينما يتآكل من الداخل، ويقف أمام الناس ممتلئًا بالحياة فيما الوحدة تنمو داخله بصمت. وحين يُغادر الجميع، ويعود إلى غرفته الخالية، يكتشف أن أكثر الأصوات قسوةً ذلك الصمت الذي يلي التصفيق. فالتصفيق بالنسبة للفنان ليس مجرد إعجابٍ عابر، وإنما شعوره المؤقت بأنه ما يزال مرئيًا، محبوبًا، وأن وجوده ما يزال يعني شيئًا لهذا العالم.
ومن هنا تبدو النهاية المفجعة للفنانة سعاد حسني كأنها مرثية طويلة لروح أرهقها الضوء حتى احترقت. فالمرأة التي منحت الملايين الضحكة والدفء انتهت وحيدة، مُثقلة بالحزن، كأن الحياة سحبت منها كل شيء بالتدريج، ثم تركتها تواجه هشاشتها الأخيرة وحدها. مأساة سعاد، بقدر ما كانت في داخلها، تمثلت في رفض المجتمع لتبدلات جسدها وملامحها، مما جعل اعتزالها أو غيابها نوعًا من النفي القسري لأنها لم تعد تطابق الصورة الذهنية (الآيكون) المحفوظة في ذاكرة الناس.
كانت سعاد تشبه الحلم العربي الجميل. حضورًا خفيفًا يجعل الحياة أقل قسوة. وحين ظهرت في فيلم «خلي بالك من زوزو» راقصةً وضاحكةً وسط الموسيقى، بدا الأمر كأنها تحتفل بالحياة كلها. ووفق منطق سوسيولوجيا الشهرة، فإن الجمهور العربي لم يقبل أن تكبر سعاد. كان يريدها أن تظل "زوزو" إلى الأبد. ولذلك بدا المشهد لحظة تواريها أكثر وجعًا. كأن تلك الضحكة كانت تحاول الهروب من خوف داخلي عميق من السقوط والنسيان.
والمفارقة هنا أنها كلما ازدادت قدرتها على إقناع الناس بالسعادة، ازداد ابتعادها عن سعادتها الشخصية. فالفنان لا يعتاد الضوء وحده، بقدر ما يعتاد أيضًا أن يكون مرغوبًا ومحبوبًا ومنتظرًا. ولهذا يبدو التلاشي بالنسبة إليه نوعًا من الموت البطيء. فحين يتوقف الناس عن الالتفات إليه، يشعر كأن العالم يسحب اعترافه بوجوده قطعةً قطعة.
المبدع يعيش العالم بأعصاب مكشوفة. التفاصيل الصغيرة تجرحه، والخسارات العابرة تتحول داخله إلى ندوب طويلة العمر. ولهذا يرتبط الإبداع كثيرًا بالحزن، لأن الفنان يشعر بالأشياء بحدة تفوق احتمال الآخرين. وربما لهذا رأى سيغموند فرويد أن الفنان يحول جراحه الخفية إلى جمال يقدمه للعالم، كأن الفن محاولة طويلة لترويض الألم وتأجيل الانهيار الداخلي.
وهذا الجمال المجروح يفسره كارل يونغ برؤية نفسية ترى أن المبدع يعيش ممزقًا بين القناع الذي يقدمه للناس وذاته الحقيقية المثقلة بالعتمة. وربما عاشت سعاد هذا الانقسام القاسي أكثر من غيرها. نجمة تملأ الشاشة بالحياة، وامرأة منهكة تخسر معركتها بصمت بعيدًا عن الأضواء.
وتذهب كي ردفيلد جاميسون إلى أن الحساسية المفرطة التي تمنح الفنان قدرته على لمس أرواح الآخرين، هي نفسها التي تجعله أكثر عرضة للاكتئاب والانكسار. ولهذا يموت بعض الفنانين يوم يتوقفون عن التمثيل، حتى لو ظلوا أحياء بعد ذلك بسنوات. وربما كان الفن طريق سعاد الوحيد لتأجيل السقوط، حتى لو لم يمنعه بالكامل. وربما كانت، دون أن تدري، القربان الذي قدمه الفن دائمًا؛ روحًا شديدة الحساسية تُستهلك بالكامل كي تمنح الآخرين لحظات أقل قسوةٍ.
ومع الزمن، يبدأ الفنان في خسارة المعنى الذي عاش من أجله طويلًا. الجسد يتعب، والملامح تتغير، والناس يفتشون عن وجوه جديدة. عندها يتحول الماضي إلى عبءٍ ثقيل. تصبح الصور القديمة شكلًا من أشكال العذاب، لأن الإنسان يرى فيها النسخة التي أحبها الجميع، بينما يعجز عن العودة إليها. وربما كانت أقسى لحظات سعاد هي تلك التي ترى فيها نفسها القديمة على الشاشة. تضحك هناك بينما تجلس الآن وحيدة في شقتها اللندنية تتأمل ذاتها كغريبة. كأن الإنسان يتحول مع الزمن إلى متفرج على حياته السابقة، لا صاحبها.
في فيلم «الكرنك» بدت نظرات سعاد المنهكة أشبه باعتراف مبكرٍ بالتعب، كأن عينيها كانتا تحملان خوفًا داخليًا يتسلل ببطء إلى روحها. أما في فيلم «شفيقة ومتولي» فتبدو المأساة أكثر اكتمالًا. امرأة تطاردها القسوة من كل الجهات بحثًا عن حب ينقذها، ثم تجد نفسها وحيدةً أمام مصير جارح. وكأن سعاد كانت تختبئ داخل شخصياتها أكثر مما كانت تمثلها.
وفي فيلم «موعد على العشاء» ظهرت سعاد كأنها تمثل خوفها الشخصي من الحب حين يتحول إلى قيد. كانت عيناها تحملان ذلك الذعر الصامت لامرأة تحاول النجاة من رجل لا يعرف الفرق بين العشق والامتلاك. وربما لهذا بدا أداؤها مؤلمًا إلى هذا الحد، كأنها لم تكن تؤدي دور "نوال" بقدر ما كانت تكشف هشاشة داخلية حقيقية أمام الكاميرا.
ثم جاء ظهورها الأخير في فيلم «الراعي والنساء» كأن الكاميرا هذه المرة تلتقط التعب الأخير في روحها. بدا وجهها مثقلًا بحزنٍ هادئ، وعيناها غارقتين في شرودٍ بعيد، فيما تحرك جسدها ببطءٍ موجع، كأن الزمن الذي هزمته طويلًا فوق الشاشة عاد أخيرًا ليسترد انتصاره منها. وما يجعل هذا الظهور أكثر قسوة أن سعاد بدت فيه كأنها تنظر إلى نفسها من مسافة بعيدة.
في أفلامها القديمة كانت الكاميرا تحتفي بها، أما هنا فالكاميرا تكاد تواجه هشاشتها مباشرة. ولهذا بدا الفيلم كله أقرب إلى وداعٍ صامت لامرأةٍ استنزفتها الحياة حتى آخر قطرة من روحها. وربما كانت المأساة الأعمق أن المرأة التي منحت الشاشة ألف وجه، لم يبقَ لها في سنواتها الأخيرة سوى وجه واحد. وجه حزين أنهكه التعب الطويل. كأن كل الشخصيات التي احتمت بها يومًا انسحبت بهدوء، وتركتها أخيرًا وحيدة أمام نفسها.
هكذا دفعت سعاد "ضريبة التقمص"، إذ لم تكن تمثل الأدوار، بقدر ما كانت تستعير حياتها من الشخصيات. فالشخصيات المعقدة التي أدتها مثل "شفيقة" أو "حميدة" أو "زينب دياب" أو "نوال" أو "بثينة" أو أمينة" أو "أميرة" كانت تترك ندوبًا في شخصيتها الحقيقية. فالفنان الذي يغوص عميقًا في سوداوية الشخصيات التي يؤديها، يجد صعوبة في العودة إلى سطح الحياة الطبيعية بعد إطفاء الكاميرا.
وليس من العبث أو التخرص ربط الجسد بالدراما. فتلك الشخصيات ليست نبوءات لمآلها، بقدر ما تمثل التاريخ السري لآلامها ومباهجها. وهذا هو ما يمنح الحديث عن خيانة الجسد للمبدع مشروعيته في قصة سعاد التي كانت رمزًا للخفة والحركة قبل أن يُحاصرها المرض. فهذا النوع من الفنانين تحديدًا يشعر بالعجز أكثر من غيره عندما يصبح جسده، الذي هو أداة تعبيره الأولى، عبئًا عليه.
إن قصة سعاد حسني هي الحكاية الأقدم في حياة المبدعين. مثلها مثل رومي شنايدر، ومارلين مونرو، مع اختلاف الظروف والملابسات. أرواح شديدة الحساسية تمنح الآخرين الجمال، بينما تعجز عن إنقاذ نفسها من الحزن. وربما كانت المأساة الحقيقية أن المرأة التي ملأت ذاكرة أمة كاملة بالدفء، رحلت وهي تبحث عن قليل منه لنفسها. وربما كان انهيارها الحقيقي في تلك اللحظة التي اكتشفت فيها أن التصفيق الذي فتح لها العالم طويلًا، لم يعد قادرًا حتى على إبقاء باب واحد مفتوحًا لها.
وربما هذا هو ما يفسر سعيها لتسجيل رباعيات صلاح جاهين بصوتها في آخر أيامها. فهذه دلالة على أن الصوت هو الخيط الأخير الذي تتشبث به للبقاء. أو محاولتها الأخيرة للتمسك بالحياة والتواصل مع الجمهور بعد أن خانتها الصورة. فالمبدع يحاول المقاومة بآخر ما يملك حتى لو كان مجرد ذبذبات صوتية من غربةٍ بعيدة. وإذا كان موتها الحقيقي بدأ مع انتهاء التصفيق، إلا أنها تحولت الآن إلى حياة أبدية مُقيمة في الذاكرة. فنحن لا نتذكر سعاد الوحيدة في لندن، انما نتذكر سعاد "الفكرة" التي لا تموت، وكأن الفن في النهاية هو الذي انتصر على مأساتها كفنانة.



