ما الذي يبقى بعد الزوال؟ حين تنهض حكايات الجيل الجديد

من أبرز الظواهر الأدبية في الشعر الجاهلي - والتي استمرت في عصور لاحقة - الوقوف على الأطلال: اللحظة التي يقف فيها الشاعر أمام آثار دياره أو ديار محبوبته، التي كانت يومًا أعمدةً لصدى حياةٍ سكنت المكان، ولعل كلمة "أعمدة" هي إحالة أيضا إلى المشاعر، الذكريات، الأشخاص أو حتى الأنقاض ذاتها، وسقوط الأعمدة على اختلاف أشكالها امرٌ حتمي إلا أن استحضار سقوطها ليس دعوة إلى مشاركة سوداوية الحياة، بقدر ما هي فرصة لتأمل جمالية الزوال، أو كما يعرف بمفهوم «المونو نو اوراي» (Mono no aware) في الثقافة اليابانية، وهو الإحساس الرقيق بحزنٍ لِعلة استدراك فناء الأشياء وتحولها، والذي يوقظ وعيًا عاطفيًا ما بأن قيمة الشيء تكمن -ولو جزئيًا- في قابلتيها للزوال. وهو ما جعلني أطرح تساؤلًا ملحًا: ماذا نترك خلفنا؟ وماذا نأخذ معنا؟ 

إن ما بقي من الماضي، وواصلنا حمله في الحياة، أبعد من أن يكون شيئًا ماديًا، فكلما أصبح الشيء معنويًا ازداد ثقلًا، وعندما تتسع المسافة بين ما نراه أمامنا وما تستحضره الذاكرة، يتشكّل نوع من التضاد السلمي بين حاضر الأثر وغائب الوجود، وحينها يتجرّع الإنسان الشعورَ الذي خلّفه الزمن، فيترك فيه -في مرحلة ما بعد الحنين- إحساسًا جديدًا ذو وقع وأثر على النفس، يعيد تشكيله في نسخة أخرى.

ولعلّ السينما نفسها تقوم بالدور ذاته في حفظ الأثر قبل أن يتلاشى، فصناع الأفلام لا يعيدون بناء الأحداث كما وقعت بقدر ما يعيدون تجسيدَ الرؤية التي تشكّلت في الوعي، وبمجرد أن تُلتقط التجربة من خلال الصورة -بكل أبعادها السينمائية- تتحول إلى هيئة جديدة من المعنى. ولهذا لا يكون الفيلم مجرد رواية لقصة ما، وإنما أثرًا جديدًا يضاف إلى الأثر الأول، ما يمنح اللحظة قابليةً للبقاء في الوعي الجمعي وقد يصبح هذا المعنى أكثر وضوحًا في الأفلام الوثائقية، فهي إلى جانب كونها عملًا سينمائيًا تؤدي دورًا إضافيًا كأداة للحفظ والتوثيق، وبهذا المعنى تتحول السينما إلى تيار يقاوم النسيان، لا حبسًا للضوء طلبًا للخلود، وذلك عبر إبقاء الماضي قابلًا للمس حتى بعد أن يغيب.

التحول من تجارب إلى حكايات

وأثناء مشاهدة مجموعة من الأفلام المشاركة في مهرجان عفت السينمائي لأفلام الطلاب، تحت شعار «حينها تحيا القصص»، بدا لي أن كثيرًا منها لم يقف خاوي الوفاض أمام أطلاله الخاصة، بل على العكس، أُتخذت تلك الأطلال كمنهجٍ لإعادة صياغة التجربة وتقويمها، فلا تبقى مجرد ذكرى أو حادثة عابرة، بل تتحول إلى معنى يختزل ما يكمن في القصص، ومن خلاله يعاد تشكيل شخصياتها. 

وبهذا بدت الأفلام وكأنها تثري ذلك التساؤل القديم نفسه: ما الذي يبقى بعد أن تمر التجربة؟ ففي بعض الأعمال يظهر الأثر كلحظةِ نضجٍ للشخصيات، نتيجة تجارب شخصية معقدة تدفعها إلى بناء واقعٍ مغاير لإعادة اكتشاف الذات، كما في فيلم «صرخة نملة» أو فيلم الأنميشن «بوابة نجد»، أو حتى باستمرارية تناول التجربة ذاتها وإبقائها، من خلال طرح الفن نفسه، مثل فن السامري في فيلم «بين الطيّران» أو فن الجرافيتي في فيلم «النجمة»، وفن النسيج في فيلم «ليلة الشهب» وهي جميعها توثّق الفن قبل أن يُترك للتلاشي أو يتأثر بالحداثة. كذلك الأمر بالنسبة للأفلام التي حملت ثيمات مثل الشغف والاهتمامات الخاصة، إذ عرجت على مفهوم المناضلة مثل فيلم «0-400» وفيلم «يا جالد يا مجلود». وعلى هذا الأساس بدت الأفلام على اختلاف موضوعاتها كأنها طرقٌ مختلفةٌ للإجابة، وقد امتلك كل فيلم إجابته النموذجية الخاصة.

«يا قلب ياللي كل زول تصافيه 

اللّي تغلّا بالوصل وش نبي به»

من فيلم «بين الطيّران»

أن تجد الحكاية طريقها إلى صوتها الخاص

مع البداية الفعلية للسينما في المملكة العربية السعودية، ظهرت أفلامٌ استندت إلى قصص من الموروث وقُدِمت بمضامين ناجحة، غير أن هذا النجاح، في بعض الأحيان، تجاوزَ البعد الفني ليصبح مرتبطًا بمدى ملامسة العمل لفردانية وقداسة التراث أو بقدرته على إبراز ملامح بيئة محلية تشبه المشاهد. وقد أصبح ذلك معيارًا يصبو إليه الصنّاع، إذ تكون الإجابة عن هذا السؤال: «هل العمل يمثلنا؟» شرطًا لاستقبال نجاح العمل، فيأتي ذلك التشابه بين أجواء الفيلم والبيئة المحلية، ولكن مع غياب عوامل أكثر جوهرية عن المكان، بعيدا عن القصة. خصوصًا مع وجود دعم إنتاجي من جهات مختلفة لتصوير الأفلام في بيئات صحراوية أو مواقع بعينها، بما يعزز هذا التوجه. ووجود دعمٍ هو في حد ذاته خطوة إيجابية ومهمة في بناء الصناعة، لكنه أحيانًا قد يضع الصناع أمام مفترق طرق: حيث يمنحهم هذا الحافز للالتزام بقالب أكثر جاهزية للحصول على الدعم الإنتاجي والترويجي، بدلًا من أن يكون ذلك فرصةً لتجريب أشكال سردية وبصرية أوسع، ولا يقع هذا الأمر على عاتق الجهات الإنتاجية فقط، وإنما يشمل كل من يكتفي بتوظيف المكان بوصفه هو القصة فحسب.

غير أن ما ظهر في مجموعة الأفلام المعروضة في مهرجان «شوريل» أتى مختلفًا، حيث رأينا تحرّر هذه الأعمال إلى حد كبير من تلك العقدة، فلم تعد تستدعي التراث أو الهوية بوصفها موضوعًا مفروضًا - وإن كانت مفروضة- وإنما يأتي ظهورها داخل القصص بشكل طبيعي، وقد كانت ملامح الأصالة حاضرة، دون تكلّف أو تصنّع وكأن الأفلام لم تكن تحاول التحدّث عن التراث بقدر ما وجدت نفسها تنتمي إليه تلقائيًا وهو ما منحها صدقها وقوتها.

حين تروي الأفلام صراعين

إن المحرك الأساسي في أغلب نظريات السرد والكتابة هو الصراع، الذي يعتبر المحرك الأساسي للقصة، وبدونه قد لا يكون المسار واضحًا، أو لا تستدعي القصة سببًا لتطور الأحداث وتصاعدها، أو لتتحرك الشخصية نحو هدف معين.

لقد كانت أغلب الأفلام تروي قصصًا عن شخصيات تحاول تجاوز صراعاتها مثل فيلم «انبعاث» الوثائقي أو فيلم «من تراب» الروائي وفيلم «جناح ٧» وفيلم «بيكنج باودر» أو «رهين»، وقد يكون هذا انعكاسًا ولو بشكل غير مباشر لتجربة الصناع أنفسهم. ولعل هذه الفكرة تبدو أكثر اتساقًا في سياق الأفلام الطلابية، بمعنى أن الصراع الذي نراه داخل القصة لا ينفصل تمامًا عن صراع آخر يحدث خارجها، وهو ما برز في فيلم «انبعاث» الذي كان يحكي عن قصة مخرج العمل وهو منهكٌ من القلق وضغوط الحياة بعد حادث مفاجئ، ليجد في الجري طريقًا لاستعادة توازنه النفسي وتحويل الألم إلى قوة.

فعندما يحاول صانع الفيلم أن يحول فكرته المجرّدة إلى عمل حي على الشاشة، بما يملكه من إمكانات محدودة، وهو يبحث في الوقت نفسه عن لغة بصرية قادرة على ترجمة رؤيته، يصبح الطريق ذاته ساحةَ صراع لا تقل تعقيدًا عن الصراعات التي تعيشها الشخصيات داخل القصة. ولهذا، تبدو بعض الأفلام تجسيدًا لصراع الجيل الجديد من الصناع، في سعيهم إلى تحويل رؤاهم إلى صور قابلة للحياة. وهي ليست مهمة يسيرة، وإنما تجربة لا يدرك ثقلها الحقيقي إلا من خاضها.

ومع ذلك فإن صعوبة الطريق لا تُعفي العمل من أن يكون محل تقييم خارجي والنظر إليه بعين المشاهد، فالفيلم بعد اكتماله يغادر تجربة صانعه ويفقد حصانته ليصبح عملًا عامًا يخضع لقراءة الجمهور ونقده.

تجارب في طور التكوّن

لقد ظهرت مفارقة لافتة تشير إلى تطور واضح في أساليب الصناع في بعض أفلام المهرجان، فمثلا من الناحية التقنية بدا من الواضح أن الفجوة التي كانت تُلاحظ سابقًا في كثير من الأعمال الطلابية قد بدأت تضيق، إذ ظهرت بمستوى جيد من حيث الصورة النهائية للعمل كما في فيلم «0-400» مثلًا، وهو جانب ظلّ لفترة طويلة أحد أبرز التحديات في الأفلام القصيرة السعودية، ولكن هذا التحسن في الجانب التقني يكشف في المقابل عن تحدي آخر لا يقل أهمية، وهو فهم الأدوات السردية في الفيلم الوثائقي والخيارات الإخراجية، فالجوانب التقنية رغم أهميتها لا تكفي وحدها لبناء تجربة سينمائية متماسكة. 

وكذلك فيلم «بين الطيّران» الذي يأخذ طابعًا سرديًا أقرب إلى المقابلة التلفزيونية، ويفتقر إلى القليل من الجرأة في الإخراج تسمح له بالخروج عن النص والوثائقيات التقليدية، على خلاف ما تم في فيلم «النجمة» بشكل بديع، الذي يحمل قدرًا من الجرأة والخروج عن القوالب المألوفة، وهو خيارٌ يبدو منسجمًا مع موضوع الفيلم نفسه، وهذا ما كان ينقص بعض الأفلام، ألا وهو اللغة الخاصة بالفيلم. فعلى سبيل المثال يتناول فيلم «النجمة» فن الجرافيتي بوصفه توجهًا فنيًا خارج المنظومة التقليدية للفن، وغالبًا ما يمارس دون إذن، ولهذا انعكس هذا الطابع المتمرد في اللغة البصرية للفيلم.

وفي فيلم «انبعاث» الذي تناول تجربة القلق وضغوط الحياة، اعتمد الصناع في السرد على مسارين متوازيين: مسار علمي يشرح ما يحدث في الجسد عبر استشاري متخصص، ومسار إنساني يروي فيه المخرج تجربته بنفسه، ولكن الإيقاع البصري جاء متوترًا ومتسارعًا، وربما كان ذلك سعيًا لنقل الاضطراب الذي عاشته الشخصية الرئيسية قبل بلوغ هذا التوازن، وهو خيار مفهوم في هذا السياق الرامي إلى توثيق الاضطراب، غير أنه انزلق إلى سرد عشوائي أضعف لحظةَ التأمل التي كان يمكن أن يخدمها الموضوع أكثر.

وفي خضم هذه التجارب برزت أعمالٌ سينمائيةٌ متميزة بوضوح أكثر من غيرها، ففي فيلم «قرن المنازل» يظهر المكان بوصفه ذاكرةً حية تتجاوز الحدود الجغرافية وتستحضر العلاقة التي تربط الإنسان بأرضه، بينما يقدم «صرخة نملة» قراءةً إنسانيةً حساسة لتحولات الشخصية وصراعاتها الداخلية، وفي أفلام الأنميشن يبرز «حقيبة عمل» الذي يرفع سقف التوقعات لما يمكن أن يقدمه فيلم تحريك ضمن الأفلام الطلابية. 

ورغم أن الكثير من هذه الأفلام أُنجز في سياق مشاريعَ دراسية أو مشاريع تخرج، فإنها تكشف عن جدية واحترافية لافتة لدى الطلاب، ما يجعلها - على تفاوت مستوياتها- تجارب تستحق الإشادة. ومن اللافت أن بعض هذه الأعمال لم تكتف بالإطار الأكاديمي، بل اتجه صناعها إلى بناء علاقات تعاون مع شركات إنتاج، وهو مؤشرٌ إيجابي على تنامي الثقة المتبادلة بين الجيل الجديد من صناع الأفلام وشركات الإنتاج.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى