في حوار مع صديق حول سلسلة أفلام «المدمر» (Terminator) للنجم العالمي أرنولد شوارزنيغر، واختلافنا حول مدى جاذبيتها ونجاحها، أشار إلى أن السلسلة ناجحة بكل المقاييس. هي ناجحة ولا شك، جماهيريًا وتجاريًا؛ الأرقام تتحدث، وشباك التذاكر وجولات فريق العمل حول العالم تؤكد ذلك، الأمر الذي جعل حجّتي في عدم جدواها الفنية تبدو هزيلة أمام فيلم يطاول سقف مبيعات أحد أجزائه ربع مليار دولار. بماذا كنت أقارن نجاحه؟ «سائق التاكسي» (Taxi Driver - 1976)؟ أم «العراب» (The Godfather) في جزئيه الأولين (1972 و 1974)؟! لا يمكن أن نكتفي بمعيار واحد في قياس نجاح عمل مرهون بالذائقة العامة، وهو أمر يتفاوت بين ثقافة وأخرى، وتتسع عوامل التأثير فيه بشكل كبير وفق الزمان والمكان، ودرجة قوة صناعة السينما في زمنها. هذه الأمور كلها اختلطت في رأسي وأنا أطرح أسئلة عن سر النجاح الجماهيري الحاشد الذي حصده الفيلم السعودي «سطّار.. عودة المخمّس الأسطوري» (2022)، سواء عند عرضه في صالات السينما المحلية، أو أثناء بثّه عبر منصة نتفليكس.
يدور الفيلم حول قصة بطلنا سعد الذي لعب دوره ببراعة الممثل إبراهيم حجاج، موظف بسيط ذو أحلام عادية يتشارك همومه مع زوجته المستقبلية التي يخطط معها لبناء حياتهما، يعاني صعوبات مادية تقف حجرَ عثرة في طريقه، ويعاني تسلّط حماته عليه وسخريتها منه، ومحاولاتها المستمرة في إثقال كاهله بأعباء مالية إضافية لا تقع في حدود قدراته. ومن جهة أخرى، فهو يعاني أيضًا من تسلّط مديره في العمل، وحرمانه من الحصول على الحوافز المادية التي ستساعده في تحقيق حلمه بالزواج سريعًا بـ«فلوة» التي تؤدي دورها الممثلة شهد القفاري، وتحت كلِّ هذه الضغوط تتبدَّى له فرصة تحقيق حلم قديم بمزاولة المصارعة الحرّة، والحصول على دخل سريع منها يعينه على الوصول إلى مبتغاه، لكنه سيرتطم مرة أخرى بما يحيله إلى موضع سخرية من المجتمع بأكمله. وهو في ذروة إحباطه هذا، وتصاعد إيقاع معاناته، يلتقطه «علي هوجن» الذي يبرع في تمثيل دوره النجم عبدالعزيز الشهري، لتنقلب حياته رأسًا على عقب، وهو ينخرط في عالم سفليّ لم يتوقع الوصول إليه، لكنه ينساق خلفه رغبةً في تحقيق ربح سريع يغيّر أحواله ومآله.
الملاحظة الأبرز في الفيلم، وبخلاف كل التوقعات المحبطة في أفلام سعودية أخرى، هي النص. يتفوّق الفيلم بتماسكه، وعفوية الحوار بين الشخصيات، وجودته، من دون تكلّف أو إسفاف، ومن دون محاولات لخلق حوار مفتعل لا يشبه الواقع، بل على النقيض تمامًا، يشبه الحوار أي كلام عادي يقال في تجمعات الشباب وجلساتهم، يتحدّث بلغتهم المعاشة، يتناول همومهم وأحلامهم، وسخريتهم وطرفاتهم، وهو ما يبدو أحد أهم الأسباب التي أدت إلى نجاح الفيلم وتسيّده شباك التذاكر.
وفي مزجه بين الكوميديا والحركة، يقدم «سطّار» مَشاهد مثيرة ومضحكة في الوقت ذاته، ويعتمد على أداء الممثلين في تقديم الشخصيات على نحو كرتوني ربما، كما في شخصية علي هوجن، ما يدفع المُشاهد إلى الضحك والتعاطف مع مشكلات وتحديات الأبطال، وهي ميزة جوهرية في فهم ذائقة المتلقي عبر توظيف الجوانب الشخصية والإنسانية مثل الحلم والتحدي والتغلب على الصعاب، الأمر الذي يعكس نضجًا في فهم مسار السينما وضرورة إنجاح الفيلم تجاريًا، ويُظهر كيف يمكن أن تتطور هذه الصناعة وتنتج أفلامًا متنوعة تجمع بين الترفيه والجودة، بالإضافة إلى تقديم رسالة إيجابية حول السعي لتحقيق الأحلام ومواجهة التحديات بشجاعة، حتى إن تطلّب الأمر خوض المخاطر أحيانًا.
ثمة أفراد معجونين بهمومهم دائمًا، لكن هذا الهم اليومي يتوازى في حضوره داخل الفيلم مع حلم يكبر برفقة بطل الفيلم، وإن لم ينل طوال حياته فرصة لتحقيقه على الأرض، بسبب غياب البنية التحتية للرياضة التي يحبها، وعدم وجود أندية رسمية متخصصة، أو بطولات معتمدة تمكّنه من الوصول إليها، لكنّه مسكون بها، وبتفاصيلها، يعرف نجومها، ويحفظ شخصياتها وقوانينها، ويحمل الدمى المصغرة منها، ليختار لها موضعًا في شقة الزوجية. لذلك، لن يتردد عندما تبرز الفرصة الأولى في الذهاب إليها حاملًا شغفه القديم، وهو ما يقدّمه الفيلم في سياق طبيعي غير مفتعل. «سطّار» ليس بطلًا خارقًا بمعايير هوليوود، لكنه كذلك بمعايير مجتمعه. اختار صانعو الفيلم له اسمًا شعبيًا ومألوفًا، وارتدى ملابس مستوحاة من تراث البيئة المحلية، رغم عنصر الغرابة فيها، وهو ما يتوافق مع طبيعة الفيلم التي تخلط الأكشن بالكوميديا الخفيفة، والتي تصنع الضحكة داخل الحكاية، ولا تصطنعها خارجها. إلى جانب ذلك، فإن ثمة كسر للصورة النمطية لصلابة الرجل، نشهد من خلاله تقلّبات عاطفية لبطل القصة، وكيف سيؤدي انهيار العلاقة العاطفية لبطل الفيلم إلى إحداث تغيير جذري فيه على نحو مؤثر وملموس، وهذا الملمح أضاف عنصرًا مهمًا في تطور الشخصية دراميًا، وأثّر على نحو مفصلي في سير الأحداث.
بذل فريق العمل جهدًا واضحًا في بناء الحكاية والشخصيات، والحفاظ على إيقاع منتظم للفيلم، بدأ بورشة كتابة أتقنت التقاط شخصيات من الحياة اليومية، وقدّمتها في سياق روائي خالٍ من المبالغات والإبهار المزيّف، وأدارها الممثل إبراهيم خيرالله، الذي لعب في الفيلم دورًا مميزًا أيضًا. كل العناصر جاءت في مكانها الصحيح. عدسة المخرج الكويتي عبدالله العراك أدارت المشاهد باقتدار، وأظهرت جوانب جمالية وأخرى تلقائية من العاصمة الرياض. المصوّرون أحسنوا صنعًا. الموسيقى التصويرية جاءت مناسبة جدًا للأحداث، بتجلّياتها وارتفاع حدّتها أحيانًا، وخلطها بمقاطع من أغنيات محلية، وشيلات وُظّفت جيدًا في مكانها على الحلبة. الألوان متّزنة وتتناسب مع مواقع التصوير المعَدّة جيّدًا، ومريحة كذلك، لا إسراف في استخدامها، وليس ثمة لعب متعمّد لتغطية نقص ما بالإبهار البصري، وهذا أيضًا أحد الجوانب المنفَّذة بعناية في الفيلم.
لكي يتطور قطاع السينما بسرعة -والذي نتعطش لحدوثه في السينما السعودية- يجب إنتاج أفلام تشبه في إتقانها ما فعله فريق «سطار»، ليس بالموضوع، ولا المحتوى -رغم جودته- وإنما بالقدرة على تقديم قصة محلية حقيقية، ذات شخصيات واضحة، تشبه الأشخاص الذين يمكنك مصادفتهم في الشارع. فيلم لا يعتمد على الإبهار البصري والأفراد ذوي الملامح الصارخة والمصنوعة، بل على أشخاص طبيعيين، يعيشون بيننا ويتحدثون بمفرداتنا، أفراد يحملون همّهم اليومي على كتف، وعلى الكتف الأخرى يحملون أحلامهم وطموحاتهم، مهما بدت صعبة التحقق، لكنهم يشبهوننا. هذه النقطة الفاصلة ستكون بوابة العبور إلى الآخر، والعالم كله.