«فرنسا، الجيش، جوزفين».. يُذكر أن هذه هي الكلمات الأخيرة التي نطق بها نابليون وهو يلفظ أنفاسه في منفاه في جزيرة سانت هيلانة، وكأن الإمبراطور وهو يجود بروحه قرر ترتيب أولوياته، وهو الترتيب الذي قلبه المخرج الإنجليزي ريدلي سكوت رأسًا على عقب، ليعيد تركيب شخصية نابليون في فيلمه الجديد والذي بدأ عرضه قبل أيام.
في نسخة سكوت، ليس نابليون هو القائد العسكري العبقري الذي اجتاح أوروبا وهزم تحالفاتها حتى احتاجت العروش الأوروبية إلى سبعة تحالفات لهزيمته، كما أنه ليس المشرّع الذي لا تزال القوانين التي صدرت في زمنه حية إلى يومنا هذا، ولا السياسي الذي حاول بناء عالم أوروبي جديد وولّى إخوته على عروش أوروبا، كما أنه ليس الرجل الذي أحدث غزوُه لمصر زلزالاً أيقظ العالم العربي وبعث تاريخه الحديث.
هو ليس هذا كله حسب رؤية المخرج الإنجليزي، والذي يذكّرنا فيلمه بالدعاية المعادية (بروباغاندا) البريطانية التي صاحبت الحروب النابليونية، نابليون كما جسده خواكين فينيكس ليس إلا رجلاً أرعن، يتخبط في أسر عقده النفسية، وعلاقته بعشيقته فزوجتِه ثم طليقتِه جوزفين، حتى كان حريًّا بالمخرج أن يسمّي فيلمه «نابليون وجوزفين» أو «جوزفين ونابليون» ما دامت علاقة نابليون بجوزفين هي مفتاح شخصيته وتعليل مفاصل حياته.
لا خلاف أن نابليون شخصية إشكالية، وأن المؤرخين يتفاوتون ما بين مُبجّلين، بل ومبالغين في قدراته السياسية والعسكرية، ومحقّرين يجرّدونه من كل خصاله ومزاياه. بعض المؤرخين يعمد إلى وصف معاركه وتكتيكاته وقوانينه ورسائله ليستخرج منها روح القرن التاسع عشر الأوروبي، فيما يلجأ آخرون إلى تعداد ضحايا حروبه وسنوات انعدام الاستقرار التي عصفت بأوروبا وأنظمتها خلال تلك الفترة. ولكن قبل أن نتحدث عن الفيلم، من المهم أن نذكر أن ما عُرض في السينما ليس النسخة الكاملة كما أرادها ريدلي سكوت، وأن نسخة المخرج ستتوفر كاملة على «آبل تي في» مطلع العام القادم، وستتجاوز الساعات الأربع طولاً. ربما لهذا بدت النسخة السينمائية خاطفة وينقصها كثير.
كما أنه علينا أن نعترف في البداية أن إخراج فيلم عن شخصية مثل نابليون ليست مهمة سهلة؛ لقد قضى نابليون حياة حافلة، وعاصر وصنع كثيرًا من الأحداث المهمة خلال سنوات عمره الواحدة والخمسين، من صباه في كورسيكا إلى حياته الدراسية ودخوله الكلية العسكرية ليتخرّج فيها ضابطًا في سلاح المدفعية، معاصرته للثورة الفرنسية، حصار تولون، حملاته في إيطاليا، حملته على مصر، حملاته الأوروبية وانتصاراته التي تحبس الأنفاس، صناعته لإمبراطورية فرنسية وتتويجه إمبراطورًا عليها، حروبه الأيبيرية، وحملته المشؤومة على روسيا والتي ذهب فيها بستمئة ألف جندي وعاد بأقل من عُشرهم أحياء، هزيمته في لايبزغ ونفيه إلى جزيرة ألبا، ومن ثم عودته الجريئة ليخوض معركته الأخيرة في واترلو والتي انتهت بهزيمته ونفيه إلى سانت هيلينا ليموت هناك بعد سنوات.
حتى نفهم ثقل المهمة علينا أن نتذكر أنه في سنة 1970 احتاج المخرج السوفييتي سيرجي بوندارشك إلى ما يزيد على الساعتين ليقدم تحفته الرائعة عن معركة واترلو، ساعتين كاملتين، وجيش من الممثلين الثانويين، ليقدم أجمل ما صنع عن فترة الحروب النابليونية، ساعتين لعرض الموقف السياسي والنفسي لأبطال المعركة، تكتيكات المعارك، كل ما جعل واترلو ومِن ورائها أوسترليتز ويانا حاضرة وحية إلى يومنا هذا.
ولكن فيلم «نابليون» الجديد لا يقدّم إلا لمحات خاطفة، بالكاد يفهم منها المُشاهد شيئًا. حملة نابليون على مصر تُظهر نابليون واقفًا أمام تمثال أبو الهول ومن ثم وهو يضرب الأهرام بمدافعه ويهزم المماليك، ثم مشهد غريب وهو يتأمل مومياء فرعونية، لتنتهي مَشاهد الحملة بعد ذلك بأحد جنرالاته يخبره بخيانة جوزفين له، فيقرر نابليون ترك جنوده في مصر تحت قيادة كليبر والعودة إلى فرنسا. غزو نابليون الملحمي لروسيا ليس إلا بضعة مَشاهد كذلك، معركة بوردينو وموسكو المهجورة ومن ثم موسكو المحترقة. لا ذِكر لحملات نابليون الإيطالية ولا حروبه الأيبيرية. لا يمكن لمن يشاهد الفيلم أن يفهم من هو نابليون ولماذا كان لزامًا على المخرج أن يصنع عنه هذا الفيلم اللاهث!!
اختيار خواكين فينيكس للعب دور نابليون لم يكن موفقًا كذلك، ففينيكس -على الرغم من براعته- صبغَ الدور بنبرة اكتئابية تُذكّرنا بدوره في فيلم «الجوكر»، وكأن نابليون ليس إلا «جوكرًا» بلا أصباغ، هذا غير أن خواكين فينيكس في عمر نابليون وهو في نهاية حياته، فكان الأَولى اختيار ممثل أصغر سنًا وأكثر حيوية ليجسد نابليون الذي تشي حروبه ورسائله وعباراته الخالدة بشخصية جذابة ومتأججة.
هذا النقد لا يمنعنا من إدراك وتقدير بعض محاسن الفيلم، فنقدنا لصف الأحداث بلا سياقات واضحة، وضآلة دور بقية الشخصيات حتى إننا نخرج من الفيلم من دون أن نتذكر أي شخصيات مميزة وذات قيمة ما خلا نابليون وجوزفين وربما ويلنغتون وتاليران، كل هذا لا ينفي أننا حصلنا على فرصة لمشاهدة بعض معارك الفترة النابليونية الشهيرة مجسدةً على الشاشة، مثل أوسترليتز وواترلو. صحيح أننا بالكاد ندرك التكتيك الذي أُديرت به هذه المعارك وتأثيراتها وأهميتها السياسية والعسكرية، ولكن محبي الأفلام التاريخية سيقبلون على مضض ما تقدمه لهم الشاشة الكبيرة ولو كان أقل مما أملوه وانتظروه، خصوصًا بعد سنوات فقيرة بالأفلام التاريخية حيث تفرغت هوليوود لأفلام الأبطال الخارقين، التي نأمل أنها أفاقت منها هذا العام لتقدّم تُحَفًا سينمائية طال انتظارها.
بقي أن نشير إلى بعض الأخطاء التاريخية في الفيلم، حتى ولو غضب السيد سكوت وطلب منّا أن «نحظى بحياة» كما فعل مع كل مَن أشاروا إلى الأخطاء التاريخية التي يعجّ بها الفيلم، مما دفع بأحد المؤرخين الغاضبين إلى أن يقول إن الأحداث الحقيقية في الفيلم نادرة. هناك مثلاً مشهد ضرب نابليون للأهرامات بالمدافع وهو ما لم يحدث في الواقع، حيث كانت المعركة تبعد عن الأهرام مسافة لا تصلها المدافع، وكذلك مشهد إعدام ماري أنطوانيت، فنابليون لم يكن حاضرًا وقتها، ومشهد البحيرة المتجمدة في معركة أوسترليتز غير دقيق، وكذلك لقاء ويلنغتون بنابليون في بلايموث لم يحدث، وأظن أن المهتمين بالتاريخ سيجدون أن المُخرج تعامل مع الأحداث التاريخية بأريحية واختار تعديل بعضها ربما لتعظيم الأحداث دراميًا.
في النهاية أظن أن الفيلم سيحظى بردود متفاوتة، سيُعجَب به بعض الجمهور كثيرًا ويصنّفه تحفةً سينمائية، وسيبالغ آخرون في كراهيته واعتباره فرصة مضيعة، وربما يغيّر بعضُهم آراءهم عندما يرون النسخة الكاملة لاحقًا.. ما يمكن التأكيد عليه هو أن شهية الجميع مفتوحة لمزيد من الأفلام التاريخية الملحمية بعد نجاح أفلام مثل «أوبنهايمر» و«قتلة زهرة القمر».