السينما السعودية: خمس سنواتٍ انقضت، فماذا قُضي؟

عشية إعلان الخبر. عشية يوم بارد تجمدتْ من صقيعه الأطرافُ، وتسارعت مع رياحه العظام بين ارتجاف وارتشاف، اتخذتُ لنفسي ركنًا قصيًا في غرفتي واحتضنت المدفأة، والتحفت صوفًا تتخطاه رجلاي حين أمدهما، هاتفي بيدي وشاحنه بمقبسه. يغلب على ظني أنَّ اليوم حينها أحد. ليلة أَحَدٍ شتوية تراوح عيناي فيها بين النعاس والقراءة، تويتر الذي غدى مع نوائب الدهر إكسًا، قرع لي في أذني حينها جرسًا أزال النوم من جفوني. لم يكن جرسَ قدّاس في بولونيا، بلغ صداه الآفاق حتى وصل المليداء حيث أسكن في 2017. كان ذلك ليغدو أكثر منطقيةً ممَّا سمعت، خصوصًا أن اليوم أحد، والشهر شهر أعياد عند القوم. ولكن الأمر لم يكن كذلك، إنما كان ذلك الجرس مطرقة كروية تصدح من الرياض قارعةً بالخبر الآتي: «أعلنت السعودية السماح بفتح دُورٍ للعرض السينمائي والموافقة على إصدار التراخيص للراغبين في دخول هذا النشاط، حيث وافق مجلس إدارة الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع برئاسة الدكتور عواد العواد، وزير الثقافة والإعلام، في جلسته، على إصدار تراخيص للراغبين في فتح دور للعرض السينمائي في السعودية». خبر منطقي وفق سياق الأحداث، ولا يغلب عليه المنطق لمن أمضى دهره يحلم.

الطليعة الرائدة وما تعد به. مرت حينها عشر سنين على الفيلم الذي أخرجه عبد الله آل عياف، والذي أصبح رئيس هيئة الأفلام فيما بعد: «السينما 500 كم» (2006)، والذي عبّر خلاله عن شغف أجيال حُرمت من ضوء هذه الشاشة المستطيلة بلا سبب واضح، وعن جيل بجعبته كثيرٌ من القصص السعودية التي يريد أن يحكيها عبر تلك الشاشة. كنت متحفزًا أيما تحفيز وأنا أرى الوعود قد هلّت حينها مع البشرى وردًا، يلقيه جيل قد نشأتُ في ظلال أعماله، جيل رأيتُ فيما ينتج، نفسي ماثلة في كل قصة هزلية يحكونها، حكايات دونت عبر فضاء مختلف هم أربابه، مساحة كانت خاصة بي وبهم خارج إطار السلطة الفنية التقليدية وغبارها. ومما أستعجب منه حينما أتذكر هذه اللحظات، هو أنَّني لم أرَ جدلًا حول مشروعية القرار، بل رأيت وجوهًا مستبشرة، وثُلّة متندرة، أي أنَّني لم أرَ سوى الشغف في تلك الأيام، وليت شعري حينها «وشو الشغف؟»

أول فيلم سعودي. وبعد أن هدأت العاصفة بشهور، واصطف الكل خلف الكاميرا ينتظر قرع الكلاكيت، سبق الأمريكيون أنفسهم كعادتهم في أي موقف تجاري، واستخرجوا أول ترخيص لتشغيل دور العرض في السعودية، واختاروا من مركز الملك عبد الله المالي منطلقهم نحو السوق السعودي، ووعدوا بتهوُّر أنه سيكون هناك أربعون دارًا للعرض تحمل اسمهم خلال خمس سنوات، وصحيح أنهم انتشروا انتشارًا كاسحًا أبلغهم حفر الباطن وجازان، لكنهم لم يصلوا إلى نصف هذا الرقم المبالغ فيه، وقد اقتربت تلك السنوات الخمس أن تبلغ ستةً. وعلى الرغم من حماستي في ذلك الوقت، فإنني لا أذكر حقًا ماذا عُرض في البداية لنا -الجمهور- ولكنَّني أذكر أن هناك جدلًا قد أُثير حول أن أول فيلم أفطر عليه السعوديون بعد صيام طويل، كان بصلًا نيئًا كما يُقال في الأمثال، إذ كان فيلمًا كرتونيًا عن الإيموجي أو الملامح التعبيرية، ولست متأكدًا إن كان قد عُرض فعلًا أم لا، ولكن أذكر لحظة التندر التي طغت على ملامح وجهي حين سمعت الخبر، والتي لم أحتج إلى إيموجي لكي أُعبّر عنها، بل لم تكفِني حتى ملاحظة صوتية طويلة، أرسلتُها إلى صديق شاركني الخبر ساخرًا من أحلامي. وعلى كلٍ، فإن غث هوليوود وسمينها لم يكن يعنيني بالدرجة الأولى، بل كنت أصبو لذاك الوعد الذي يشرق من بعيد، الفيلم السعودي الذي لا أزال حتى يومنا هذا متشوقًا إليه. ومجددًا، الأعوام تأخذ من ذكرياتي ولا تُبقي لي منها شيئًا... لا أذكر حقًا ما هو أول فيلم سعودي عُرض على مستوى التوثيق في السينما. أذكر أن 2018 - 2019 مرحلة سمّاها جيلنا بسنة أول فيلم سعودي، وذلك على غرار تسمية أسلافنا للأعوام ذات الأحداث الفارقة والخارقة، كسنة الرحمة وسنة الهدام -لا عادهما الله.

يبقى السؤال مفتوحًا لي ولكم وللمختصين في الأنثروبولوجيا والتاريخ: هل كان فيلم «بلال: سلالة بطل جديد» (2015) هو أول ما عُرض لنا؟ الفيلم الذي كان محملًا بتقنية مبهرة في الرسم والتحريك، ويحمل في قلبه قصة مثالية ليحكيها. لا أذكر أنه أثار حديثًا بين أحد حوله، لربما لم يُعرض عندنا إلا في مقالات صحافتنا الفنية، التي كعادتها منذ التسعينيات، لا تتوانى عن أي فرصة لتطير بأي شيء عنان السماء... أم كان «شمس المعارف» (2020) هو أول ما عُرض؟ أول إنتاجات الأخوين قدس، والذي شهد حضورًا كبيرًا، وجماهيرية واسعة في أوساط المشاهدين من مختلف الأعمار، وحظي باستقبال نقدي محترم... أم كانت حياة الفهد وكوكبة الشاشة الخليجية بفيلم «نجد» (2020) هم أول من أطلوا علينا من تلك الشاشة؟ أولئك الذين لم تكفِهم إطلالاتهم المكررة علينا على شاشة رمضان، ونظروا إلى تلك القاعات بوصفها فرصة ذهبية لشيء ما، أظنهم لم يحصدوه... أم كان فيلمًا كنت أجهل أنا قبل أن أكتب هذا المقال - وأظنكم كذلك يا إخوتي - أن الله قد خلق مَن أنتجه، فضلًا عن أن هناك من أنتجه، سُمي في الإعلانات «فركش»؟ وجدتُ أثناء البحث لكتابة هذه التدوينة أن مُنتِجه أجرى حوارًا حينها مع مجلة «سيدتي»، يبشرنا فيه بعرض أول فيلم من إنتاج سعودي، ولا أظنه على كلٍ قد عُرض، بل رأيت أنه موجود في اليوتيوب من سنتين، وكُتب في عنوانه: «سرقة فيلم فركش قبل عرضه في السينما». على كلٍ، سأقول إنها حقبة غامضة وسأفضّل أن أتجاهل حقائقها بانحياز معرفي سافر، وأقول إن «شمس المعارف» كان فيلمًا جيدًا وبداية واعدة للقطاع، إذا ما استثنينا طبعًا صراخ الشبيلي المتكرر وغير المبرر، وشخصيته المقدَّمة من منظور طفل في الابتدائية، وعدم نضج القصة من ناحية البناء. وبالرغم من هذه المشكلات الموضوعية التي أعتقدها، فهو فيلم ممتع وبداية مبشرة تفتح الآفاق لسوق واعد، وخير بداية تبدأ السينما منه رحلتها لإيصال رسالتها وغايتها الترفيهية... إلى أن حل على العباد ما لا يُحمد عقباه.

يوم حلّت الجائحة. في يوم لا يرتضيه المرء على عدوه، عصف باقتصاديات العالم الموسم الثاني مما يُعرف بسارس كوف، والذي كان له عنوان فرعي هذه المرة سُمي بالجائحة. الناس فيه اعتزلت الفتنة، واعتصمت في دورها خشية الولوغ في الدماء المعصومة الزكية، جائحة كنا نرى فيها أرقام الوفيات في عداد عالمي يحصي مَن نفقد، ولا يغادر منه أحد، خمسة عشر مليونًا أُضيفوا إلى المحصلة النهائية، وكأنهم أرقام نتكاسل عن إضافة الكسور أثناء الحديث عنها. كل الأفلام السعودية التي كان يتم الحديث عنها تشرنقت في حالة سبات، أو ماتت مع الذين ودّعونا، وما كان يُعرض في السينما منها، بات يُباع لأي منصة جامحة مهما قل الثمن، خسائر تطال الصناعة من الصين إلى البحرين، ومن هوليوود إلى بوليوود، أُجهضت فيها مشروعات، واهتز جدوى القطاع اقتصاديًا في عيون الرياديين، حتى أولئك الذين فاضت الحوارات الإذاعية بقصصهم العصامية في تأسيس المطاعم والمقاهي، لا يسعهم بأي شكل أن يتهوروا في الدخول إلى المجال، على الرغم من كونه -تاريخيًا- أكثر المجالات جاذبية من الناحية الاستثمارية، ولعل النموذج المصري في السبعينيات والثمانينيات خير ما أستدل به في دعواي، ولكن للجائحة أحكامها على ما أظن، ويبدو أنه لن يكون هناك مشروع خلال الخمس سنوات القادمة بلا تعميد وتمويل حكومي، مما يَعِد طبعًا بمزيد من الركود.

غبار لا ينفضه الهواء. وبعد سنتين من التوجس والصمت الخانق الذي أسر الجميع، حان وقت استئناف ما توقفنا عنه بواقع وتحديات أصعب. الشباب الذين تحدثتُ عنهم أول هذه التدوينة، حانت بشراهم أخيرًا، شراكة استراتيجية مع نتفليكس تمتد إلى ثمانية أفلام قابلة للزيادة. كل شيء جاهز إذًا، التمويل والاستثمار والانتشار والخبرة، موجة ضخمة تدفعها رياح التغيير بادية لي في الأفق، والأمل باقٍ ويعمر في نفسي. ولكن! هناك دائمًا أشخاص لا يمكن للرياح أن تنفضهم، يسعك أن تراهم في كل زاوية في تاريخنا الفني، أقوام لا تعي ما لا يستوعبهم وتعجز عن قراءة الساعة وما تأذن به. «فركش» الذي تحدثتُ عنه يُعدّ مثالًا واضحًا، ولكن لا أريد أن أكتفي به، لكونه لم يحقق الفشل المحقق بمعناه الحقيقي، والذي شُخّص بلحمه وشحمه فيمن سأتحدث عنهم الآن.

فيلم «لم يحضر أحد»، أو «123 أكشن» (2020)، كما يقول بوستر الفيلم، والذي لمّت فيه السيدة ميساء مغربي بكتابتها الرائعة الشامي على المغربي، وجمعت ابن مطرب فواز بابن لينين الرملي، وابن حجاب بن نحيت بأقرانه من مشاهير التواصل الاجتماعي، وتخيّرت فيه النجمة ميساء وسط هذه الكوكبة الدور الذي ترى أنه يناسبها وتناسبه من تلقاء نفسها بوصفها كاتبةً للفيلم، في مشهد كوميدي جميعه مفارقات. فَشَلٌ ذريع آلم وأوجع من دفع ثلاثة عشر مليونًا في إنتاجه، تخرج بعده ميساء لتقول -في مشهد هزلي- إن هناك مأجورين أفشلوا الفيلم عمدًا بعد أن قبضوا الثمن. تشبث أمام الريح العاصفة يدل على أن هناك مشكلة تحيط بذاك الجيل.. هل من الصعب فعلًا قراءة ما يجري؟ هل هم واثقون أنَّ أعمالهم التي تُعرض سنويًا على الشاشة كانت ناجحة فعلًا؟ هل هذا بفعل المقالات الصحفية الفنية التي لم يكن يقرؤها أحد عن المسلسل الفلاني الذي قلب الطاولة، والعمل العلاني الذي كسر القاعدة، وعمل زيد الذي حرق الشاشة، وعمل عمرو الذي صعق المشاهدين السادة؟ هناك نرجسية عامة يشترك فيها فنانو العالم أجمع، ولكن ما نراه في هذه الحالة مختلف تمامًا، فنرجسيتهم هذه تجعلهم وبكل جسارة يظهرون بلا حياء، في منصات خاضعة للعرض والطلب كالسينما التجارية.

لا أريد أن أكون قاسيًا على ميساء وحدها وكأنها رأس البلاء، فالمصيبة أعظم، ودعوني هنا أكسر خطّية السرد وأقفز إلى عامنا هذا، وأحكي عمّا يضيق منه صدري، عن آخر إبداعات أ. محمد العيسى الذي -على عكس ميساء- كانت له أيام عامرة في «طاش»، وإن هدمها الظلام الذي حلّ علينا مع مسلسلات الألفية الثالثة السعودية التي لا تتوقف عن العائلة الكبيرة التي تسكن فيلا من دورين، وتحدُث لأفرادها مواقف يقال إنها كوميدية، أكمل منها محمد العيسى مسيرته هذه بفيلم «مناحي 2»، أو مجددًا إذا ما خضعنا لتسمية البوسترات: «عياض في الرياض» (2023)، بالثيمة نفسها، وبالقيمة نفسها، وبالكوميديا الفاقعة المحروقة نفسها، وبمستوى الاستسهال نفسه، وكأن الأرض لا تدور والزمان لا يتحرك. على أي حال، لا يمكننا - مهما بلغت طفوليتنا بوصفنا مشاهدين، وشموليتنا بوصفنا وطنيين يغمرنا الشعور الوطني في كل حين وفي كل لحظة - أن نتحكم بالمشهد وألا يخرج إلا كما نرتضيه، وعلى الخط الذي نهواه، وأن يُعبّر عنا، وخلافه من المشاعر التي تنتابنا دائمًا حينما نرى مثل هذه الأعمال من الذين لا يكلّون ولا يملّون في إغاضتنا. وإن مشهدًا متنوعًا فيه الجيد والسيئ هو مشهد صحي يُعبّر فيه كلٌ عن معدنه، ولكنَّني لا أستطيع أن أمنع نفسي في كل مرة من إبداء حيرتي إزاء هؤلاء القوم.

فيلم تجريدي، وفيلم تجريدك. إن ما كان يحدث في الأمس ونحن بلا هواء نُعبّر فيه عن استيائنا، بات يحدث اليوم في وضح النهار من دون اكتراث بما نشعر. أصبح للجميع فقاعة يحيط بها نفسه، ورأيك سيثير غضب أحد النرجسيين حتمًا، رغم أن هذا النرجسي نفسه كان يدون في نقد أوزو ولينش وكوبريك وتاركوفسكي في ليلة واحدة حينما كان محنكًا مثلك، فجاز له أن ينتقد القامات في 2011، وحرم عليك يا من كنت معه في المجموعة نفسها أن تنتقد مقامه، فبِتَّ تجامله خشيةَ أن يغشاه الغضب، وتكتب مقالًا طويلًا لمجاملة فيلمه غير المترابط، والذي رمى فيه رمزيات فاقعة في مَشاهد عشوائية، في كادرات طويلة ومملة، تحت عنوان: «فيلم تجريدي سعودي، قدم نقدًا جادًا للأيديولوجيا، ومحاولة جريئة في الإجابة على الأنطولوجيا»، والأَولى أن يكون: «فيلم تجريدي سعودي، يجردنا من كل صبر، ويدفعنا فورًا للمغادرة». هذا ما يجب أن تعج به الساحة بعد إعدام المجاملة.

ما يحدث في المهرجان، يبقى في المهرجان. لأنَّ الفنان المثقف لا يستطيع أن يخرج خارج فقاعته ويتصل بالجمهور، ولا نستطيع أن نفهم لغة أعماله، ولأن هناك شيئًا متخبطًا يعجّ في استراتيجيات توزيع الأفلام، بتنا الشعب الوحيد الذي لا يشاهد شيئًا من إنتاجاته، وكأن الذي صنع هنا لم يصنع لأجلنا، بل صنع للأولمبياد ربما، كما يحدث للرياضيين الصينيين، إذ يطير الفيلم السعودي إلى كل جزء في هذا العالم قبل أن يُعرض عندنا - هذا إن عُرض طبعًا - ولا أدري ماذا نحاول أن نثبت بذلك، وكأن هناك حضورًا محليًا أصلًا لنتشبع منه ونتواجد دوليًا. تشعر أن هناك مسابقة بين المخرجين السعوديين عمّن بإمكانه أن يطأ أكبر قدر من السجاجيد الحمراء.

أزمة تشريعية. وعلى ذكر ما هو أحمر، فإن الجائحة وصنائعها في نظري ليست هي مَن تُنفّر السوق بالمقام الأول من أن يتكون، بل إن هناك فجوة واضحة في فهم اللوائح والتشريعات لا نريد أن نُبخسها حقها بالذكر حين نتحدث في هذا الشأن. وحينما أقول إن ما أراه يمثل عدم وضوح في لوائح الجهات التنظيمية للمتلقي، أو إن هناك ما يعيق التواصل في هذه المواد، فأنا أعني أن هناك سلسلة فضفاضة قانونيًا يمكن تفسيرها على نحو مختلف من شخص إلى آخر، وهذه الضبابية التي تطغى على هذا الواقع، من شأنها أن تعيق تمكين القطاع على الوجه الذي يُرتجى. ومع أننا نشهد تحسنًا نوعيًا وتحديثًا دائمًا عليها، بموجب أننا لا نزال نعيش مرحلة انتقالية، فإنني أرى أننا ما زلنا بحاجة إلى تطور أسرع. ومنشأ نقديْ هذا ليس لكوني فقيهًا قانونيًا، أو أعي ما يجب فعله، ولكن هي ملاحظات متابع، يرى أنها مواد لا تُطبَّق على الدوام، رغم تشابه الظروف والحالات في كثير من الأفلام، مما يعني ببساطة عدم فاعليتها -أو هكذا تعي قراءتي البسيطة لها- والحاجة الماسة إلى الارتقاء بها.

الفشل التجاري. على ذكر ملاحظات متابع، فإن أبرز ما ألاحظه على المشهد اليوم، هو ما يعتريه من فشل تجاري محزن، وكم من فيلم حضرته روحي المحبة، عدتُ منه مثقلًا بالوحدة بسبب أن السينما كانت خاوية من سكانها، ولا أدري ما السبب في ذلك حقًا، لعله أن القطاع يحتاج فعلًا إلى تسويق أكبر يتجاوز الطرائق التقليدية المتمثلة في التريلر وحده، لعلنا نحتاج إلى أكثر من ذلك حين نسوّق لفيلم سعودي، ولا أتمنى أن يكون زرع مشاهير التواصل الاجتماعي هو فقط كارت النجاة من أن يعاني المرء من وحدة السينما كلما أراد أن يذهب لحضور فيلم، ولعلنا أيضًا نحتاج إلى تخفيض الرسوم المحصلة من الأفلام السعودية لتشجيع الناس للذهاب إليها، فلا أعتقد أن شابًا يدّخر مبلغ الذهاب إلى السينما ليشاهد آخر ما تقيأته «مارفل»، سيعطي شيئًا من وقته لفيلم سعودي يحمل السعر نفسه. وهذه -على كلٍ- مطالبي الشعبوية بوصفي جاهلًا في الحركة الاقتصادية، ومتابعًا لا يمكنه أن يجحد أن هناك فشلًا تجاريًا لا يمكن إنكاره، على الرغم من نجاح صاخب حققه كل من «مندوب الليل» (2023) و«سطّار» (2022).

المنصات وسنينها. هذا الفشل أيضًا تعيش السينما حول العالم جزءًا منه، ولا يمكن طبعًا عزلنا عمّا يفشل به العالم، وذلك عائد لعملاق أعانته الجائحة على تدمير ما قد بدأ قبله في تدميره. المنصات الرقمية باتت تثري مكتباتها من إنتاجاتها، لتتجاوز دورها في أرشفة إنتاجات العالم، إلى أن تكون بذاتها سينما منزلية، وهذا ما يمثل اليوم للسينما السعودية، نجاحًا تجاريًا سهلًا، يمكّنها من تجاوز العقبات المحرجة التي تمثلها تقارير دور السينما وشركات التوزيع عن مبيعات التذاكر، إلى أن تحتل المراكز الأولى في نِسَب المشاهدات التي لا يعلم أحد مقدارها، إلا أرباب المنصات الذين يكترثون كثيرًا بها. هو ترتيب يجعلك تتحفز لمشاهدة العمل، ولا يهم إن كان دقيقًا حقيقيًا هذا الترتيب أم لا. خطوة المنصات ستجعل العمل أكثر انتشارًا، ولكن أسرع نسيانًا في الذاكرة، و ضائعًا بين أعمال العالم في تلك المنصة، وذلك بالطبع خسارة جسيمة.

أمامنا مستقبل باهر. ورغم ما عجّت به هذه الصحيفة من سلبيات، فإن ما قُضي في خمس سنين كان إيجابيًا إلى حد ما. أعمال مثل «المسافة صفر» (2019) و«آخر زيارة» (2019) و«حد الطار» (2020) و«أربعون عامًا وليلة» (2021) و«الهامور ح.ع» (2023) و«أغنية الغراب» (2022) و«ناقة» (2023) و«مندوب الليل»، كانت أفلامًا جميلة وتَعِد بكثيرٍ مهما اعتراها من مشكلات أو نواقص، وإنّ الكمال في تشريحنا للأفلام لن يُبلغنا الرضا أبدًا، وإنّ عادية الشيء لا تنفي جوانبه الجمالية، وإن كان بلوغ العادي مرام الجمال سهلًا ممتنعًا، لا أشك في إمكانيتنا في الوصول إليه يومًا ما.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى