في عصر السيولة الفائضة بالآراء، لا يكاد متسع الشِدق يحتفي باقتراب صدور رائعة كريستوفر نولان، وأقصد بذلك فيلم «الأوديسة» (The Odyssey, 2026)، حتى يُفسَد التقوّس ويُستَبدل بعبوس، بسبب وعي جمعي -بنزعة يمينية- عززته الخوارزميات، يميل، في تصويره للشقراء "هيلين الطروادية"، إلى أن يكون إما شعريًا أو نزويًا أو حتى غانديًا (في إشارة إلى موقف غاندي المبكر حين اعترض على مساواة المستعمر للهندي بالأفريقي، لاعتقاده بتفوّق الأول حضاريًا)، إذ يجد العربي نفسه أحيانًا يستعير هذا المنطق الهيراركي الأخير، حين يستنكر حلول الأسود محل الأبيض في ملحمة فلكلورية أجنبية لا تخصّه!
وقد تعزّز هذا الجدل، الذي انخرط فيه القاصي والداني، أكثر بعد تريلر مولّد بالذكاء الاصطناعي تفاعل معه إيلون ماسك إيجابًا عبر منصة X، وكأن «غروك» أصبح وسيلة تصحيحية لحالة الزيف كما يتصوّرها البعض. إذ يُظهر الفيديو هيلين وفق تصوّره لما قصده هوميروس: امرأةً بيضاء شقراء تستحق أن تُخاض من أجلها الحروب، كتفضيلٍ جمالي جمعي تشكّل عبر تاريخٍ من الوصف القوقازي وهو يتلو الملحمة.
وهذه الملحمة تحديدًا هي سبب كتابة هذه المقالة، حيث يتحوّل النقاش فيها إلى فوتون يتتبّع الضوء عائدًا إلى منشأ القصة الأولى، التي بدأت سيرتها المتوافقة مع العقل في محيطه الضيق، من المنصات الكهفية وصولًا إلى المنصات الرقمية. وذلك كنتاج لموهبة سردية نشأت في بقعة فقيرة في فسيفسائها المجتمعية وحدودها الفكرية، فتجاسرت على الاستنتاجات العاجزة، ليبدع أحدهم بجهالته وهرطقاته الخالية من الواقعية تفسيرًا للظواهر الفلكية بقوله: «نشأت مجرة درب التبانة من الحليب الذي قذفته حلمتا إلهةٍ من آلهة العالم القديم، والشتاء الذي يعصف بنا ليس سوى كمدٍ لازم ديميتر الحزينة على غياب ابنتها في العالم السفلي، لذلك تذبل الأرض حتى تعود!».
ومن خلف كل ظاهرة، سواء كانت طبيعيةً مرتبطةً بالبيئة أو إنسانيةً نابعةً من اعتلاجات النفس غير المفسّرة، تُبتدع قصةٌ ذات مآلات تراجيدية، وتتحوّل إلى مشاعةٍ قبلية، فتأخذ حيّزها من التطوّر والانتشار الأشبه بالانتشار الوبائي الذي ينتج تحوّراته المتماهية مع كل ما يقضّ مضاجع الحواضن المتباينة، وهذه هي طبيعة الفكر في مرحلة من مراحل تطور العقل واللغة.
فنجد نظير لوكي، إله الخداع والفوضى في الميثولوجيا الإسكندنافية في أنانسي الأفريقي، الرجلَ العنكبوت المحتال الذي نسج حيله بين الآلهة والبشر، حيث تتكرر صورة المخادع الذكي كرمزٍ للدهاء وتحدّي السلطة. وإن ظلّت أسبقية أنانسي على لوكي حبيسة التاريخ الشفهي غير المحسوم، فإن أنانسي حتمًا سبق سبايدرمان كرمزٍ للرجل العنكبوت، فهل كان سبايدرمان تحريفًا لذاكرة أنانسي؟
لنقل إن الحكايات خيوطٌ تتشابك بين الشعوب، تتبدّل أشكالها دون أن تفقد أثرها، وهي أكبر دليل على أن عقول البشر تتشابه، وأن العبقرية تجد متنفسها بصورٍ متقاربة مهما تباعدت البيئات. ومع انتقال الميثولوجيا من الذاكرة الشفهية إلى الصورة السينمائية، ومن المحلية إلى العولمة الكونية، أصبحت الأسطورة فضاءً مشتركًا يُعاد قراءته وتجسيده وفق تعدد الأعراق والثقافات، في عالم بات أكثر حاجة إلى إرث مشترك ولغة جامعة تستوعب هذا التقارب الإنساني.
وهذا ما فعله كريستوفر نولان، المؤمن بأن التصورات الفنية الجديدة معنية بإيصال الشعور قبل الارتهان للجمال والوصف الأفروديتي الذي كان بمثابة «البنشمارك». والجمال اليوم ليس سوى صفة قشورية ولا يناسب السياق الدرامي، وحتى الجمال الذي جرى التمسّك به في وصف هيلين عند هوميروس، قد لا يتوافق بالضرورة مع معاييرنا الجمالية اليوم، كونه ابن زمنه وسياقه، وتزيده النزعة الشعرية هالةً تتجاوز الملامح. وكما يُروى عن هارون الرشيد حين سمع بقصة مجنون ليلى وقصائده، ظنّ أن ليلى لا بد أن تكون امرأة استثنائية الجمال، فلما رآها لم يجد فيها ما يوازي ذلك الهيام، وسألها متعجبًا: أأنتِ ليلى التي جُنّ بها قيس؟ فأجابته: نعم، أنا ليلى، لكنك لست قيسًا. وكأن وصفها كان مبالغة، فلذلك نحن بدورنا لسنا هوميروس، كما أن هارون غير المهذب في هذه القصة لم يكن قيسًا بل ولسنا نولان في إدراكنا لرؤيته الجمالية!
ولهذا السبب يبقى الفن في حالة ترميم دائمة، ووسيلةً لتقليم براثن الفجاجة، وصقل أخلاقياتٍ جمعية، ويعيد تفحّص الحكايات واستشفاف خطورة رسائلها. فإن كان لا بد من التنقيح الذي لا يمسّ جوهره ولا يُخلّ بأثره، وقد يفضي إلى نسيج ديموغرافي أكثر تصالحًا وأقل عنصرية، فمن الممكن اعتبار هذا التحوّل امتدادًا طبيعيًا لمراحل تطوّر القصة والارتقاء بالحالة الحضارية، وليس استيلاءً ثقافيًا كما يدّعي البعض. لنقل إنه أصبح فنًّا خِلاسيًا وُلد من رحم التصادم العرقي، وتشكّل عبر امتزاج الهويات وتداخل الذاكرات. أي بما معناه: أن القصص الميثولوجية قرينةٌ بالقصص المختلَقة، وشخصياتها تعيش بقدرتها على إعادة التشكل والتغلّب على ثبات الملامح. ومن هذا المنطلق يمكن لزيوس أن يُعاد تخيّله أسود، بقدر ما يمكن لجيمس بوند أن يحمل ملامح إدريس ألبا، أو لباتمان أن يتجسّد عبر تشيويتل إيجيوفور، فاستمرارية هذه الشخصيات تستند إلى الأثر والرمز الذي تحمله، والعمق الذي يمكن أن يُضاف إليها، بعيدًا عن الاختزال الشعبي لصورتها، والذي كلما عدنا لتفحّصه وجدنا فيه من العيوب ما يتصل بالنظرة القاصرة.
وقد يبدو العتب على الجماهير ثقيلًا، وأقصد تلك التي سخطت من مشاهدة رايتشل زيغلر في دور سنوايت ولم تسخط من تقزيم عقول السبعة المصابين بداء التقزّم. وتلك التي شاهدت مسلسل «آل التنين» (House of the Dragons) وقبلت مخيلتها رؤية التنانين تطير، وتصهر الأعداء، وتكنز كهوف الذهب، ثم عجزت عن تقبّل شخصية اللورد "كورليس" التي جسّدها الممثل "ستيف توسان" بأن تكون سوداء البشرة، وفوق ذلك ثرية!
كيف لعقلٍ أن يقبل بهذه الترهات كلها، ثم يتعثّر أمام لون بشرة؟
بكل بساطة، بسبب الحقبة الراهنة التي حضرت بشكلٍ متذبذب عبر التاريخ، وتصل في حدّتها الراديكالية إلى التشكيك بأنوثة نساء مثل ميشيل أوباما واتهامها بالرجولة لمجرّد خروج ملامحها عن مقاييس جمالية موروثة، وهي العقلية ذاتها التي تحرّض على تقنين الإرث الفني -كما يصفونه- وحصره داخل العرق الآري، بحجة أن صانعه الأول أو صورته المتوارثة انتمت إليه، ما يجعل الأغلبية تتناسى أن الفن لم يكن يومًا وثيقة نسب. دون إغفال الميثولوجيا، كما وصفها لطفي الخوري بأنها تنتصب فوق الأثافي الثلاثة في كتابه "معجم الأساطير"، إذ قال: «الميثولوجيا جزءٌ منها ديني وآخر تاريخي وثالث شعري». وهو ثالوث زائف يمنحها شيئًا من القدسية، ويدفع البعض إلى التعامل معها من منطلق عاطفي ورجعي، بل وهمجي، يقدّس الصورة الأولى ويقاوم كل محاولة لإعادة تخيّلها، كما هي مقاومة مشاهدة لوبيتا في دور هيلين، وديف باتيل في دور السير غواين، وفي الموروث الحديث، هالي بيلي في دور حورية البحر!
وهذا الاسترسال المتشابك حول الفن الذي أصفه بالخلاسي وضرورة التصالح معه، يجعلني أستحضر سخرية كريستوفر فالتز في مشهد فيلم «جانغو» (Django unchained, 2012)، حين حاول تفكيك وهم النقاء العرقي لدى مستر كاندي، عبر الإشارة إلى أن مبتكر «الفرسان الثلاثة»، تلك الشخصيات التي تحوّلت عبر الزمن إلى رمز أوروبي خالص في المخيلة الشعبية، هو ألكسندر دوما، الكاتب الذي حمل في جذوره امتدادًا أفريقيًا.
وهذا الاستحضار القادم من الاسترسال أعلاه يجعلني أطرح على نفسي تساؤلًا.. بل عدة تساؤلات: لو شهد مسيو كاندي نفسه عرضًا مسرحيًا، في حقبته، يجسّد «الفرسان الثلاثة» عبر ممثلين ملوّنين، وفق ما نعرفه اليوم بالاختيار العرقي المحايد للممثلين (Color-blind casting)، هل كان سيعيد إنتاج رفضه ذاته رغم أن خالق هؤلاء الفرسان كان انعكاسًا حيًا للامتزاج الذي يحتقره؟ وهل سبب قبول هذا التجسيد اليوم يعود فقط إلى دوما، الذي يحمل في جذوره امتدادًا أفريقيًا، أم أن المنطق ذاته سيصمد لو انتقلنا إلى أدباء عاصروه وأسهموا معه في تشكيل الأدب الأوروبي، مثل فيكتور هوغو؟ هل سيبقى الفن مساحة عبور تتجاوز ملامح صانعه، أم سنظل نبحث في نسب الحكاية قبل السماح لها بوجهٍ جديد؟
يجيبنا على هذا السؤال الممثل الأسود ديفيد أوييلوو، الذي جسّد شخصية المفتش "جافير" في مسلسل «البؤساء» (Les Miserable) المقتبس من رواية فيكتور هوغو، حين قال: «أعتبر ذلك انتصارًا في مواجهة ذلك التصوّر الضمني الذي يرى أن اختيار ممثل على شاكلتي لأداء دور جافير أمرٌ يناقض الدقة التاريخية، وبالتالي لا ينبغي السماح به. وبحكم اهتمامي بقضية تمثيل الملوّنين في التلفزيون والسينما، عدتُ إلى الأبحاث وكتب التاريخ، وأدركت أن ظهوري في دور جافير لا يتجاوز حدود الممكن تاريخيًا، فقد كان هناك أشخاص ملوّنون في تلك الحقبة يعيشون حيواتٍ متعددة، ولم يقتصر وجودهم على صور الاضطهاد أو العبودية أو القهر».
وفي هذه النقطة نعود إلى "دوما" نفسه، كإثباتٍ لما ذهب إليه أويلوو، فالأحداث التي تناولتها رواية «البؤساء» كانت من صميم القرن الذي عاصره الأديبان، وكان الأديب الأسود "دوما" رجلًا نبيلًا ينافس هوغو في المكانة الأدبية والاجتماعية، وقد يتفوّق عليه عند المقاربة البروسبوغرافية.
إذن علينا أن نشعر بحماسة تجاه زمنٍ فني يحتفي بقدرة الممثل على حمل جوهر الشخصية أكثر من مطابقته لصورتها المتوارثة، وأن نتساءل في المقابل عن مقدار ما نحمله من تعصّب يجعلنا، دون إدراك، أقرب إلى مسيو كاندي، والعربي حين يقحم نفسه في معارك هوية لا ناقة له فيها ولا جمل -يدخل عصه في شي ما يخصه- يصبح أقرب إلى ستيفن، الذي قام بدوره صامويل جاكسون، الرجل الذي يحرس أفكارًا لم تُخلق لصالحه. لاسيما حين يدافع عن تصوّرات وضعها من اختزل العربَ أنفسهم يومًا بوصف «زنوج الصحراء».
كما علينا أن نتجاوز المشتتات وأن نترقب رائعة الرجل الذي كان يحوم حول تخوم قصص العودة، من خلال كوب الذي اقتحم طبقات الأحلام ليتسنّى له لقاء ولديه، وكوبر الذي اخترق الفضاءات وسلك معابر الثقوب الدودية ليعود إلى ابنته. واليوم يبدو أن «الأوديسة» تستكمل رحلة العودة الكبرى، حيث ينتقل نولان من عودة الإنسان عبر الحلم والزمن والكون، إلى أقدم حكايات العودة التي عرفتها الذاكرة الإنسانية. المخرج الذي قد يكون "متنبي" عالم السينما وينظم شعره يومًا في لوبيتا إعجابًا بتفوقها، فيقول: «تفضح الشمس كلما ذرت الشمس، بشمسٍ منيرةٍ سوداء».



