لا أعرف متى بالضبط صار تاركوفسكي هاجسًا بالنسبة لي، لا اختيارًا. ربما في المرة الثالثة التي شاهدت فيها «سولاريس» (Solaris, 1972) ووجدت نفسي أبكي في المشهد ذاته، وقد تكرر الأمر مع كل مشاهدة جديدة، دون أن أفهم تمامًا لماذا. وهذا تحديدا ما تفعله أعمال تاركوفسكي، فهي لا تُعطيك إجابات مباشرة بقدر ما تُبقيك في حالة تساؤل تشعر فيها على نحو غريب بالراحة.
في الرابع من أبريل، تحل الذكرى الرابعة والتسعون لميلاد أيقونة السينما الروسية، وهي مناسبة يمكن الانطلاق منها لاستعادة بعض أفلامه الروائية، التي تُعدّ خلاصة مسيرته السينمائية. هذه الأعمال، رغم قلّتها، اكتسبت مكانة استثنائية، حتى باتت تُقارن بقيمة الكنوز الأدبية الروسية الكبرى في القرن التاسع عشر، من حيث العمق والتأثير.
نشأ أندريه تاركوفسكي في مرحلة انتقالية معقّدة من تاريخ الاتحاد السوفيتي، عُرفت بذوبان الجليد في عهد نيكيتا خروتشوف، حيث بدأ انفتاح نسبي بعد سنوات القمع في زمن جوزيف ستالين. رافق هذا الانفتاح توتر واضح بين توجّه رسمي يفرض على الفن الالتزام بالواقعية الاشتراكية، واتجاه ناشئ يسعى إلى التعبير الشخصي والتجريب الجمالي. في قلب هذا التناقض تشكّلت حساسية تاركوفسكي الفنية، بين هامش حرية يتسع تدريجيًا وسلطة لا تزال تحاول ضبطه.
ولد عام 1932 في بيئة ذات ثقل أدبي كبير؛ فقد كان والده، أرسيني تاركوفسكي، شاعرًا غنائيًا شهيرًا ومحاربًا قديمًا في الجيش الأحمر حائزًا على أوسمة. وقد فقَدَ ساقه أثناء الدفاع عن الاتحاد السوفيتي. بينما كانت والدته، ماريا فيشنياكوفا، حجر الأساس العاطفي لأسرة اتسمت بغياب الأب.
شكّلت طفولة أندريه تاركوفسكي في قرية زافرازهي على نهر الفولغا، ثم في موسكو التي أنهكتها الحرب، أرضيةً نفسية مشبعة بإحساس مبكر بالفقد والحنين، وهو إحساس ظل يتردّد في معظم صوره السينمائية. ترك غياب والده فراغًا عاطفيًا واضحًا، غير أن حضوره استمر عبر قصائده التي أصبحت مرجعًا داخليًا دائمًا في وعي الابن، وظهرت بشكل مباشر في أفلام مثل «المرآة»، «مُطارد» (Stalker, 1978)، «الحنين للماضي» (Nostalgia, 1983)، حيث تتحول الكلمة الشعرية إلى جزء من النسيج السمعي والروحي للفيلم.
لم يكن هذا التأثير مجرد خلفية ثقافية، فهو يشكّل مصدرًا لرؤية كاملة للعالم؛ وذلك أن سينما تاركوفسكي تنطلق من إحساس عميق بأن الإنسان كائن يبحث عن معنى يتجاوز الواقع المادي، وأن الصورة يجب أن تلامس هذا البعد غير المرئي. فحين نتحدث عن "نغمة" خاصة في سينماه، نقصد بها الانسجامَ الداخلي بين الصورة والزمن والصوت، حيث يتحوّل الفيلم إلى حالة شعورية وتأملية متكاملة تتجاوز كونها مجرد سردٍ للأحداث.
انطلاقًا من هذه الرؤية، تعامل تاركوفسكي مع السينما بوصفها مسؤولية أخلاقية وفكرية. ورأى أن دور الفنان يتمثّل في مواجهة الحقيقة وطرح الأسئلة الوجودية حول الإيمان والذاكرة والإنسان. وعلى هذا النحو تتحول أفلامه إلى محاولة دائمة لفهم العالم ومنح التجربة الإنسانية شكلاً أصيلًا وصادقًا.
تجوّل أندريه تاركوفسكي في بداياته بين اهتمامات أكاديمية متعدّدة، من بينها دراسة اللغة العربية في كلية اللغات الشرقية. في تلك المرحلة، تدخّلت والدته بشكل حاسم خوفًا من انجذابه إلى أسلوب حياة كان منتشرًا بين بعض شباب موسكو، يُعرف بـ"ستيلياغا"؛ وهم شبّان كانوا يميلون إلى المظهر اللافت، والموسيقى الغربية، ونمط من الحياة يقوم على التمرّد على القيم السائدة والابتعاد عن الجدية والانضباط.
دفعت هذه المخاوف والدته إلى إرساله في رحلة استكشافية جيولوجية إلى منطقة توروتشانسك في سيبيريا. أمضى هناك، بين عامي 1953 و1954، عامًا كاملًا في أعمال التنقيب على طول نهر كوريكا، قاطعًا مئات الكيلومترات في ظروف قاسية. شكّلت هذه التجربة نوعًا من العزلة العميقة والاحتكاك المباشر بالطبيعة، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في حساسيته البصرية والروحية، وأصبح لاحقًا أحد الأسس التي قامت عليها لغته السينمائية.
التحق بعدها بمعهد VGIK الشهير، حيث درس عند المخرج ميخائيل روم. المفارقة أن روم كان مخرجًا ارتبط اسمه بالدعاية الستالينية، لكنه كان في الواقع معلمًا يؤمن بشيء نادر: أن لكل طالب صوتًا خاصًا ينبغي إيجاده وليس قمعه. ولولاه، ربما كنا سنحصل على تاركوفسكي سوفيتي آخر يصنع أفلامًا عن البطولة والواجب.
شكّل فيلم تخرّج أندريه تاركوفسكي «المدحلة والكمان» (1961, The steamroller and the violin) بداية واضحة لخصوصية رؤيته السينمائية. تبدو الحكاية في ظاهرها بسيطةً، تدور حول صداقة تنشأ بين طفل يعزف الكمان وعامل بناء، إلا أن الفيلم يكشف منذ وقت مبكر عن ابتعاده عن المعايير السوفيتية السائدة. ويتجلّى ذلك في اهتمامه بالتفاصيل الحسية للصورة، واستخدامه للمرايا كعنصر بصري دال، وتعامله مع الفن بوصفه تجربة مستقلة قائمة بذاتها، وليس مجرد أداة تخدم وظيفة اجتماعية مباشرة.
شكّل فيلمه الروائي الأول «طفولة إيفان» (Ivan's childhood, 1962)، الحائز على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية، لحظةً مفصلية في ظهور ما عُرف بـ"الموجة السوفيتية الجديدة"، وهي تخص جيلًا حاول تجاوز القوالب الدعائية الجامدة لحقبة الثلاثينيات نحو حساسية أكثر صدقًا وشاعرية، وقدرةً على ملامسة أثر الحرب، التي تركت ندوبها في أعماق الإنسان، كما يتجلى في نفسية طفل مدمَّر.
تتضح في هذا السياق خصوصية تاركوفسكي، الذي يتعامل مع الصورة بوصفها وسيلةً لاستخلاص جوهر التجربة، مع تجاوز حدود السرد التقليدي للحكاية. لقد صاغَ مفهومه الشهير "النحت في الزمن" ليعبّر عن فهمه للسينما كفنٍ يُعنى بالزمن نفسه، يلتقط تدفّقه الخام ثم يُعيد تشكيله، بحيث يُزال كل ما هو زائد ويظهر الإيقاع الداخلي للمشهد. وبذلك تصبح اللقطة مساحةً يُعاد فيها ترتيب الوجود، لا مجرد تسجيل له.
رسّخ تاركوفسكي موقعه كصانع سينما ينشغل بالتأمل في الوجود أكثر من انشغاله ببناء الحكاية، وأسهم في دفع السينما الحديثة نحو أفق روحي، تتحول فيه الصورة إلى أداةٍ للبحث ووسيطٍ يُتيح عيش التجربة بعمق أكبر. ضمن هذا التصوّر، تُقدَّم اللقطة كتجربة حسّية مباشرة تحمل معناها في داخلها، تتداخل فيها عناصر الماء والنار والأرض بوصفها تجلّيات ملموسة لحضور الزمن داخل الصورة.
لقد كان هدف أفلامه أن تتحول إلى "مناطق روحية" يدخلها المتلقي في حالة من التأمل العميق، وأن تحافظ على قدر من الحكمة في زمن رأى أنه زمن "لاروحانية مجنونة". بهذا المعنى، مثّل ظهور تاركوفسكي تحولاً حقيقيًا في لغة الصورة المتحركة. وقد أعاد تعريف موقعه في تاريخ السينما، حيث ارتقت السينما معه إلى أفق تأملي، وصارت أداة للبحث الفلسفي والسعي إلى حقيقة تتجاوز حدود الحكاية والحوار.
تتجذر الفلسفة الأساسية لأندريه تاركوفسكي في الاقتناع بأن الفن هو "نشاط أخلاقي" وواجب روحي وليس مجرد حرفة مهنية، وهي وجهة نظر وضعته في صراع دائم ومثمر مع كل من الإملاءات المادية للدولة السوفيتية ودوافع "الترفيه الجماهيري" في الغرب. كان يتبنى في كثير من الأحيان وجهةَ نظرٍ أرستقراطية لا تقبل المساومة بشأن دور الفنان، مجادلاً بأن الفن موجود لإعداد الروح البشرية لـ"إدراك الخير"، بدلاً من تقديم تفسير سببي للواقع.
كان في صميم هذه النظرية الجمالية رفضٌ جذري لـ"الرمزية" و"السيميائية"، اللتين اعتبرهما تاركوفسكي اختصارات فكرية أو "هيروغليفية قابلة للتفكيك"، وتقلصٌ للغموض اللامتناهي للحياة واستحالته إلى مجموعة من الإشارات الثابتة. أصر على أن الفكر المعبر عنه هو كذبة، وأن الروح لا تنفتح حقًا إلا تحت تأثير صورة فنية لتسهيل التواصل بأسمى معاني الكلمة، وهي تجربة وصفها بـ"الفن المقدس". كان هذا الموقف، المناهض للمادية، ردة فعلٍ جريئة على مجتمع عالمي شعر فيه أن الاهتمامات الروحية مستعبدة لـصالح "حضارة الأطراف الصناعية".
ولعل موقفه من العلم أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه في الظاهر. فحين قال إن معادلة أينشتاين «لا تعبر عن الحقيقة الكاملة»، لم يكن يرفض العلم، بل يرفض الادعاء بأن الحقيقة قابلة للحساب على نحو تام. وهذا موقف يجده الكثيرون ـ وأنا منهم ـ مقبولاً تمامًا دون الحاجة إلى موقف روحاني صريح.
لقد كان يشير في كثير من الأحيان إلى ما يمكن تسميته بـ"مركّب تولستوي"، أي ذلك التوتر العميق بين تطلّعات الفنان الروحية العالية وضرورات العيش في عالم مادي. وفي نظره، فإن أي تغيير حقيقي يبدأ من الداخل، عبر تحوّل هادئ ومتدرّج في الذات، قبل أن يمتد أثره إلى العالم الخارجي.
لم يكن بحثه عن الإيمان التزامًا عقائديًا صارمًا بالمسيحية الأرثوذكسية، رغم أن الروحانية الروسية شكّلت الخلفيةَ العميقةَ لرؤيته، فقد كان هذا البحث انعكاسًا لتوق الفنان الدائم إلى المثالية، الذي يتجسّد في إحساسٍ بالمسؤولية الشخصية تجاه الآخرين وخدمتهم. تأثر هذا التوجّه إلى حدّ كبير بوالده، أرسيني تاركوفسكي، إذ تحوّلت قصائده في كثير من الأحيان إلى بنية داخلية تستند إليها أفلامه، وكأنها خيوط تربط بين العالم الزمني العابر وأفق يتجاوز الزمن.
إن جِداله مع آيزنشتاين مثيرٌ للاهتمام لأنه يكشف الكثيرَ عن طبيعة التفكير السينمائي على نحو يتجاوز حدود التقنية. فإيزنشتاين يريد للقطات أن تتصادم لتولّد فكرةً ثالثةً في ذهن المشاهد، أما تاركوفسكي فيريد للقطة الواحدة أن تغدو مثقلةً بالمعنى، حتى تصبح بنفسها كونًا مكتفيًا بذاته. وكأن الأول يبني الجُمل ويرصّها، بينما الثاني يبني الصمت الذي يتخلل الجمل.
كان الغرض من هذا "الضغط الزمني" هو إشراك المشاهد في ”تجربة تأملية“ حيث تتلاشى الحدود بين العالم الداخلي والخارجي. وقد كان تاركوفسكي يعتقد أن الحياة لا معنى لها بالمعنى السببي والعبودي، لأنه لو كان لها معنى، لكان الإنسان عبدًا لهذا المعنى. لكنه بدلاً من ذلك، يطمح إلى المطلق من خلال أفعال "سخيفة" أو "منحرفة" تهرب من السلوك الواعي والعقلاني.
تتجلى في أعماله اللاحقة فكرة "المجنون المقدّس"، ذلك الذي يحمل رؤى يعجز الآخرون عن إدراكها بوصفها محورًا أساسيًا في بناء شخصياته. تسير هذه الشخصيات نحو نوع من التجدد الروحي عبر أفعال إيمانية تبدو غير عقلانية في ظاهرها، مثل مشهد حمل الشمعة في فيلم «الحنين إلى الماضي»، الممتد لنحو تسع دقائق، والذي صوّره باعتباره اختزالًا لمسار الإنسان كله، من الميلاد حتى النهاية.
لم تكن الحرية عند تاركوفسكي، في معناها الأخلاقي المطلق، هي قدرة المرء على فعل ما يشاء، وإنما القدرة على طلب كل شيء من الذات نفسها دونًا عن الآخرين، وهي صورة من صور "التضحية باسم الحب". فقد كان ينظر إلى الفعل الإبداعي على أنه صلاة، مؤكدًا أنه لا يمكن الإيمان بالفن بدون الله، لأن الفن هو صورة معكوسة لإيماءة الخالق.
والنتيجة، أن تاركوفسكي قد حوّل سينماه، من خلال فهمه للروحانية بوصفها انشغال الإنسان بمعنى وجوده، إلى "منطقة روحية" يدخلها المتلقي في حالة من التأمل العميق، محافظًا من خلالها على حضور الحكمة والتجربة الدينية في زمن وصفه بزمن "اللاروحانية المجنونة". لم تعد السينما ضمن هذا التصور مجرد وسيلة لسرد الحكايات أو تقديم الترفيه، وإنما غدت مساحة للتفكير الفلسفي، ومحاولة لبلوغ حقيقة أعمق، تتجاوز حدود المنطق المرتبط بالبناء الأدبي والمسرحي.
«المدحلة والكمان» حين تتعلم الكاميرا أن تتوقف
يبدو فيلم تخرج تاركوفسكي، للوهلة الأولى، كحكاية ذات طابع مدني، إذ نرى طالبَ كمان يصادق سائق مدحلة. لكن الفيلم في جوهره يظهر مثل بيان صغير؛ يختبر كيف يمكن للصورة والملمس والانعكاس نقلُ المشاعر دون الاعتماد على الحبكة.
ويقوم الفيلم على قصة بسيطة، إذ تدور أحداثه حول "ساشا"، الصبي الصغير الذي يحمل حقيبة الكمان ويستعد للذهاب إلى درسه، بينما تراقب أمه جدوله. يعبر الصبي من فضاء منظم ومراقَب إلى موقع بناء صاخب، تحكمه الفوضى، حيث ينقذه سيرجي، سائق المدحلة، من عصابة من الأولاد، والأهم من ذلك، يعامله كشخص وليس كآلة حساسة تحتاج إلى ضبط. تتوالى أحداث القصة مثل إيقاعات كتاب للأطفال: الإنقاذ، الدرس، الركوب على المدحلة، النزهة المخطط لها التي لا يمكن أن تحدث، والحلم الذي يعوض خيبة الأمل الراهنة.
ومع ذلك، تكمن الدراما الحقيقية في الفيلم في اللحظة التي يقرر فيها التصوير سلوكَ منحى متريث، إذ يلجأ تاركوفسكي إلى مشهد يتباطأ عنده الزمن على نحو جلي، أمام واجهة متجر ما، حيث يعكس الزجاج شارع المدينة في مستويات متكسّرة ومتداخلة. في هذه اللحظة، نرى الشيء وصورته في آن واحد: الشارع كما هو، والشارع في صورته المنعكسة. هنا تبدأ فكرته التي ستتكرر لاحقًا، أن الواقع لا يظهر ككل واحد، بل يتشظّى إلى طبقات تُرى وتُعاد رؤيتها.
وربما يكون الماء هو العنصر المتكرر الأكثر وضوحًا، إذ تظهر المرايا في الفيلم ثلاث مرات، وتحُول اﻷمطار الغزيرة بين الأصدقاء، وتصبح البرك مصابيح ضوئية، ويحول صنبور مياه مفتوح الشقةَ إلى نظام جوي خاص. فيصبح العالم الملموس، الرطب، المعدني، المغبر أقل شبهًا بالمكان وأكثر شبهًا بالمزاج.
هذه الحساسية البصرية ليست مجرد زخرفة، فالصبي ينتمي إلى نظام تعليمي لا يثق بالخيال؛ يوبّخه مدرس الكمان لأنه يمتلك من الخيال أكثر مما ينبغي، كأن الفن يمثل خرقًا لقواعد السلوك. في المقابل، ينتمي سيرغي إلى عالم العمل اليدوي، ومع ذلك يستجيب لموسيقى ساشا بنوع من التبجيل.
تتشكّل في هذا التوتر واحدة من أفكار أندريه تاركوفسكي التي ستلازمه طويلًا: الفن كقوة أخلاقية لا يمكن اختزالها في وظيفة اجتماعية. حتى الصداقة هنا تقوم على سوء فهم دقيق، إذ يغضب ساشا عندما يصفه سيرغي بـ"الموسيقي"، كأن الكلمة نفسها تضعه في خانة منفصلة.
ولعل ثمة تفصيلا إنتاجيًا كاشفًا يستحق الذكر: لقد قُبل سيناريو الفيلم كأحد مشاريع التخرج ضمن وحدة الشباب في موسفيلم، وتعامل أندريه تاركوفسكي مع التصوير بطموح فاجأ من حوله. وغالبًا ما يُشار إلى تأثير الكاتب ألبرت لاموريس في فكرة الفيلم وصوره، غير أن ما قد يوحي به هذا التأثير من خفّة وغنائية سرعان ما يتجه هنا نحو كثافة أكبر. فالحلم الذي يجمع الصديقين على الأسفلت، في نهاية الفيلم، يبدو كأولى محاولات تاركوفسكي المتكررة للإمساك بالرغبة وهي تتشكّل. وعند النظر من زاوية أعماله اللاحقة، سيكون ملفتًا للانتباه حضور أخلاقياته في العمل منذ البداية. وسيؤكد لاحقًا من خلال أعماله وأطروحاته أن صناعة الفيلم ينبغي أن تنصاع أولًا لمتطلباتها الداخلية. يحمل «المدحلة والكمان» هذه القناعة في نسيجه، حيث يتجه نحو تهذيب الإحساس عبر تقليل الحدث وتكثيف التجربة في صور متعددة: انعكاس في زجاج متجر، ماء في كوب، ضوء على جدار. وعلى هذا النحو يبدأ العالم في الظهور كسلسلة من الإشارات ذات طابع روحي.
إذا كانت الأفلام الروائية الطويلة التي تلت ذلك تبدو في كثير من الأحيان كرحلات حج، فإن فيلم «المدحلة والكمان» أقرب إلى اعتراف طفل لأول مرة بما يمكن أن تفعله الكاميرا: تكثيفُ العادي حتى يصبح غريبًا بعض الشيء، وبالتالي حقيقيًا من جديد.
ولكن لو أعدنا التأمل قليلا لوجدنا ثمة شيئًا خفيًا مزعجا في الفيلم، إذ تبدو نهايته الحلمية -وفق المقاييس التي سيضعها تاركوفسكي لاحقًا- أقل حدة مما ينبغي. لكنه رأي معزول، ولا يطرح هنا كنقيصة وإنما كملاحظة في سياق مسيرة الفنان.
«طفولة إيفان، 1962» طائر الوقواق في المستنقع
في خريف عام 1961، أُوكل إلى أندريه تاركوفسكي وهو لايزال طالبًا سوفيتيًا في التاسعة والعشرين من عمره، مشروعًا بدا أقرب إلى مأزق إنتاجي. والأمر يتعلق بفيلم حربي فشل فيه مخرج سابق، وتآكلت معه ثقة شركة «موسفيلم». فقبل أن يصبح «طفولة إيفان» كان فيلمًا مختلفًا تمامًا بنهاية سعيدة ينجو فيها الصبي، وهي لفتة تنتمي بالكامل إلى التربية العاطفية السائدة في ذلك الوقت. الحرب تختبر الطفل، والجيش يحميه، والسلام يبارك الجمهور. أنجز تاركوفسكي خلال أربعة أشهر فقط عملاً سيغدو فيما بعد واحدًا من العلامات الفارقة في تاريخ السينما.
يبدو الفيلم في ظاهره منتميًا إلى تقاليد السينما الحربية السوفيتية، لكنه يخلو تقريبًا من أي معركة. لا نرى الاشتباكات، ولا تتجسد البطولة بصيغتها المعتادة. فالحكاية بسيطة، وتدور حول صبي روسي في الثانية عشرة، يُدعى إيفان، فقَدَ عائلته على يد النازيين، ليتحول إلى كشاف يعمل خلف خطوط العدو لصالح الجيش السوفيتي. غير أن هذه البساطة خادعة ومضلّلة.
لم يكن تاركوفسكي معنيًا بتسجيل الوقائع أو إعادة إنتاج مشاهد القتال، ولم يكن مهتمًا بتصوير الغارات أو تمجيد البطولة. كان يبحث عن أثر الحرب لا عن شكلها، وعما تخلّفه من آثار. لذلك نراه يزيح المعركة إلى الهامش، ويضع في المركز ما هو أكثر قسوة؛ الخراب الداخلي لطفل لم يعد طفلًا. يتمحور الفيلم حول ما تتركه الحرب في أعماق الإنسان من أثر وخراب، وتلقي الضوء بالأخص على أنقاض الطفولة.
يبدأ الفيلم بنبرة رقيقة شفافة، بحلم إيفان وهو يطفو بين قمم الأشجار المضاءة بنور الشمس، ينادي أمه: «أمي، هناك طائر الوقواق!» العالم هنا بسيط، ممتلئ، وكأن الحياة لم تُمس بعد. ثم تخترق طلقة نارية هذا الصفاء فجأة، فينهار الحلم، ويظهر إيفان ملتصقًا بجدران طاحونة مهجورة، بعينين تبدوان أوسع من عمره. يتحرك العمل داخل هذا التوتر الحاد؛ بين صورة الطفولة الأولى، والشكل الذي فرضته الحرب على صاحبها.
الرواية القصيرة الأصلية التي استند إليها الفيلم للكاتب فلاديمير بوغومولوف، حسب رواية تاركوفسكي، كانت قطعة صحفية أدبية متينة لكنها عادية ومقتضبة، ودقيقة، مكتوبة بنبرة متأنية كالتقرير الميداني.
وجد تاركوفسكي أن مادة الحرب مفيدة ولأنها لم تكن جريئة من الناحية الجمالية فقد منحته مساحة للبناء. وقد كان من جملة ما أضافه أربعة مشاهد للأحلام، وبذلك حوّل قصة حرب جيدة إلى شيء أغرب بكثير وأكثر فظاعة.
الأحلام ليست مجرد زخرفة؛ هي بمثابة الثقل الأخلاقي للفيلم. يلين فيها وجه إيفان، ويصبح جسده مجرد جسد طفل مرة أخرى، ويعود العالم المتمثل في الماء، والرمل، والسماء لفترة وجيزة إلى حجمه الطبيعي، فنرى يد إيفان تحت الماء المتساقط، وشاطئًا أو ضفة نهر مغمورة بتفاح متناثر، وحصانًا يشم الفاكهة؛ وضوء الشمس الذي يخترق الفضاء، وكائنا يبدو أنه الأخير الباقي على قيد الحياة. تقترب الصور من مفارقة واضحة؛ الحلم مبهج لأنه سابق للحرب، لكن المشاهد يتأمله وهو على علم بإن الصبي محكوم عليه بالفعل بنهاية مأساوية.
أصرّ تاركوفسكي على أن إشراقة الحلم الأخير ليست تفاؤلاً، حيث قال: «إن النية مؤثرة؛ فهذه مأساة سينمائية-شعرية». تبدو تلك العبارة أكثر من مجرد تعليق؛ إذ يسعى تاركوفسكي من خلالها إلى تحويل الفيلم الحربي من الشكل التقريري إلى شكل له وقع القصيدة.
يُعدّ دور إيفان الذي يؤديه نيكولاي بورلييف أحد أجمل أداءات السينما التي تصور الطفولة المدمرة. الصبي نحيل، شرس، ويهتز بحزن لا يستطيع استيعابه. يرفض أن يُرسل إلى أكاديمية عسكرية. يصرّ على العودة إلى الجبهة، إلى المهمة التي ستقتله. يدرس لوحة دورر "فرسان نهاية العالم الأربعة" باهتمام هادئ لمن سبق له التعرف على الموت. يدور حوله الجنود البالغون (خولين، غالتسيف، وغريازنوف الضخم) بقلق، مشكلين بديلاً جماعيًا عن الأسرة التي سُرقت منه. فهم يريدون حمايته، لكنه لا يسمح لهم بذلك.
يصل الفيلم إلى حل بنيوي في محطته الأخيرة، وهو حل أقرب إلى الرثاء منه إلى الخاتمة. تنتهي الحرب، ويفتش غالتسيف في الأوراق النازية المصادرة في برلين ويكتشف ملف إيفان؛ فتكون الحقيقة الصادمة: تم أسر الصبي وإعدامه. ثم يأتي الحلم الأخير، الذي يوضع في موضع مستحيل منطقيًا في السرد؛ إيفان ميت، ومع ذلك نراه يركض على شاطئ مشمس، يلعب الغميضة، ويركض نحو شجرة مظلمة. فتتلاشى الشاشة إلى اللون الأسود قبل وصوله. يشير تاركوفسكي إلى أن التناقض لا يحل إلا بالموت؛ الجنة التي لم يستطع إيفان أن يسكنها في حياته تُعاد إليه في النهاية.
تظهر لقطات التتبّع فوق سطح النهر، المصوّرة في الليلة التي يعبر فيها إيفان نحو مصيره، بوصفها لحظة تأمل خالص. تتحرك الكاميرا بهدوء فوق الماء، وتنساب الأشجار منعكسة على السطح، عابرة وخفيفة، خفة تشبه مرور الصبي ذاته تحتها. المشهد لا يدفع الحكاية إلى الأمام، وإنما يعلّقها مؤقتًا، ويفتح مساحة للتأمل في هشاشة الوجود وزواله.
إن ما يجعل الفيلم جديرًا بالمشاهدة هو البساطة النسبية للسرد؛ فهو سرد خطي سهل المتابعة، يسهل الوصول إليه، لكنه أيضا شبيه بحصان طروادة في تمويهه. فهو يسمح للفيلم بتقديم هوس تاركوفسكي الشكلي الأعمق؛ الزمن، والذاكرة، والطريقة التي يندفع بها الماضي نحو الحاضر دون تفسير.
غالبًا ما يُعامل فيلم «طفولة إيفان» في أعمال تاركوفسكي كنقطة انطلاق، وهو كذلك، لكنه أيضا يبدو بمثابة حاضنة، تشمل العناصر المتكررة التي ستصبح لاحقًا بصمته المميزة: الماء كوسيط للذاكرة، والتتبع الصبور للكاميرا، ورفض الحلول السهلة.
كان تاركوفسكي، في التاسعة والعشرين من عمره، يصنع بالفعل سينما قائمة على الزمن المُعاش، حيث تصبح اللحظة نفسها موضوعًا لا مجرد وسيلة. ما يحدث خارج الشاشة يكتسب ثقله الحقيقي، فيما تترك مساحة فضفاضة للتأمل. لا تُعرض مهمة إيفان، أو أسره وموته، لأن الحرب هنا ليست سلسلة وقائع، وإنما هي مناخ يحيط بكل شيء. أما الطفولة، فلا تظهر إلا في تلك الأحلام الأربعة الهشة، كذكرى تتسلل ثم تختفي.
فاز الفيلم بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية عام 1962، وأصبح تاركوفسكي مشهورًا بين عشية وضحاها. في وطنه، ورد أن خروتشوف اشتكى من أن الاتحاد السوفيتي لم يستخدم أبدًا أطفالاً بهذه الطريقة في الحرب، ودُفن الفيلم بهدوء في فئة الإصدارات من الدرجة الثانية. لم يكن لدى جان بول سارتر، الذي أشاد بـ"سرياليته الاشتراكية"، أي تحفظات من هذا القبيل. كان ذلك، كما يؤكد تاريخ السينما، مجرد بداية.
«أندريه روبليف» أو فسيفساء المقدس
أندريه روبليف ليس الفيلم الذي نعيد مشاهدته أكثر من غيره، لكنه الفيلم الذي نستمر في التفكير فيه أكثر من أي فيلم آخر. وهناك فرق بينه وبين «المرآة» و«سولاريس» فرغم كونها أشدّ منه جاذبية وقدرة على دفعنا إلى إعادة المشاهدة، إلا أن «أندريه روبليف» يسكن مكانا مختلفا في الذاكرة، كأنه ليس فيلما نشاهده وإنما تجربة كاملة نعيشها.
فيلم تاركوفسكي الطويل الثاني، الذي اكتمل في عام 1966 وحجبته السلطات السوفيتية عن العرض لمدة تزيد عن عقد من الزمان، مبني حول شخصية أعظم رسام أيقونات في روسيا في العصور الوسطى، غير أن روبليف يكاد لا يظهر، لفترات طويلة من الفيلم، وعندما يظهر فإننا لا نراه وهو يرسم أبدا. إنه تأمل مدته ثلاث ساعات حول طبيعة الفن والإيمان والمعاناة والعنف والصمت الإبداعي. وبعد خمسين عاما، ما زال بإمكاننا القول أنه أحد أكثر الأعمال صعوبة وإثراءً في تاريخ السينما.
صُور الفيلم بشكل أساسي بالأبيض والأسود، وبني عبر ثمانية مراحل مفصلية. وقد ابتكر تاركوفسكي وكاتب السيناريو المشارك أندري ميخالكوف-كونشالوفسكي معظم ما نراه في الفيلم.
عمليًا، لم يترك روبليف أي سجلات سيرة ذاتية تقريبا. وفي ظل ذلك الصمت، صب تاركوفسكي في الفيلم كل نسيج الحياة الروسية المضطربة في العصور الوسطى، من المهرجانات الوثنية، وغارات التتار، والمهرج الذي اعتُقل لسخريته من الأقوياء، وصانع الأجراس الشاب الذي يدعي معرفة سرية لا يمتلكها. وقد كان الرابط بين هذه الحلقات هو السؤال: "ما الثمن الذي يدفعه الفنان حين يسعى لخدمة الله والإنسان في عالم يبدو غير مبالٍ بكليهما؟".
يتحرك روبليف، الذي يؤديه أناتولي سولونيتسين بحضور داخلي شديد الهدوء خلال الفيلم، مراقبًا ومتألمًا أكثر من كونه فاعلًا. إنه رجل إيمان متواضع ويكن محبة للشعب الروسي. في المقابل، يضعه تاركوفسكي ضمن شبكة من الشخصيات التي تكشف تناقضات هذا المسار: كيريل، الراهب والرسام الذي تفسده الغيرة ويدفعه شعوره بالتجاهل إلى الانسحاب؛ ودانيال، صديقه وزميله في الرسم، الذي يختار التكيّف مع الواقع والعمل ضمن حدوده؛ وثيوفانيس اليوناني، المعلم الكبير، الذي ينظر إلى البشر بسخرية قاتمة ويقارب الفن من موقع معرفة متعالية أقرب إلى التشاؤم.
لا تقوم الفكرة المركزية للفيلم على أن الفن يخدم الإلهي والإنساني معا، وأن الجمال فعل أخلاقي عبر الحوار، لكنها تتجلى في الطريقة التي ترى بها كاميرا تاركوفسكي العالم. الكادر هنا كثيف، مزدحم، تتحرك فيه الحياة باستمرار حتى أثناء وقوع المأساة في المقدمة. في هذا المعنى، يقترب الفيلم من عالم بيتر بروغل، حيث يتجاور المقدس واليومي، ويتداخل السمو مع الفظاظة، دون فصل أو تبسيط.
لقد أزعجت صور العنف في الفيلم الجمهورَ والسلطات على حد سواء، ففيه يُقتل حصان على الشاشة، وتُشعل النار في بقرة، وتُفقأ عيون الحجارين الذين وافقوا على العمل لصالح الأمير الخطأ في مشهد من الرعب المنهجي، فتاركوفسكي لا يُجمّل العنف هنا وإنما يقدمه بواقعية مملة كأنه سجل تاريخي، مما يجعله أكثر سوءًا.
إن مشهد "صلب المسيح الروسي" يستعصي على التصنيف، إذ نرى المسيح في ملابس الفلاحين، في ثلج روسي، بينما الناس يمرون بجانبه كأنهم ذاهبون إلى السوق. وهو مشهد يجعل من الصعب الجزم إن كان تاركوفسكي يقول إن المسيح روسي، أو إن الشعب الروسي مصلوب، أو إن الصلب يحدث في كل زمان وبكل لغة.
ينتهي الفيلم بانتقال مفاجئ ومذهل إلى الألوان، وتسلسل من اللقطات المقربة المطولة التي تظهر تفاصيل أيقونات روبليف الفعلية: "الثالوث، المعمودية، والبشارة"، حيث يملأ لونها الذهبي والأزرق والقرمزي الشاشة. إنها واحدة من أعظم النهايات السينمائية. تعمد تاركوفسكي عدم إظهار روبليف وهو يعمل طوال الفيلم، بحيث تحمل هذه الأيقونات بعد كل هذا الظلام قوة الوحي. فالفن باقٍ، رغم المعاناة التي أنتجته، والإيمان الذي ساند الفنان خلال الصمت هو ما طلبت منا الساعات الثلاث السابقة أن نفهمه.
عرض الفيلم لسنوات في دار سينما واحدة في باريس بينما حاولت السلطات السوفيتية من خلال عملاء الاستخبارات الروسية (الكي. جي. بي) استعادة النسخة. وقد وصفه إنغمار برغمان بأنه أفضل فيلم شاهده على الإطلاق، بينما غادر بريجنيف عرضًا في موسكو في منتصف الفيلم. لم يُطرح الفيلم رسميا في الاتحاد السوفيتي حتى ديسمبر 1971، أي بعد اثني عشر عاما من بدء تاركوفسكي العمل عليه.
«سولاريس ,1972» أو ضمير البحر
لم يغفر ستانسلاف ليم لتاركوفسكي ما فعله بـ «سولاريس». فقد كتب الروائي البولندي عملاً فلسفيًا صارمًا عن حدود المعرفة البشرية، وعن مواجهة وعي غريب يعجز العقل عن استيعابه. قرأه تاركوفسكي، وصنع فيلمًا يدور حول الذنب والحب والذاكرة، من خلال شخصية كريس كلفن، عالم النفس الذي يُرسل إلى محطة فضائية لدراسة أحد الكواكب، ليجد نفسه في مواجهة ماضيه الشخصي مجسدًا أمامه، وذكرياته التي لم تُحل.
وجد ليم أن إعادة التمركز الإنساني لأفكاره أمر مثير للجنون. ووجد تاركوفسكي أن الخلاف غير ذي صلة. فقد كانا -كما يصف الفيلم نفسه- يواجهان اتجاهين متعاكسين.
ينطلق «سولاريس» من الأرض، من فضاء حميمي مألوف يشكّل أساس التجربة، من الريف الروسي الذي سيعود إليه تاركوفسكي بشكل هوسّي طوال بقية مسيرته؛ حقول رطبة، وبحيرة تتمايل فيها الأعشاب المائية كشرائط بطيئة تحت السطح، وبيت ريفي مليء بالكتب القديمة والمزهريات الصينية والبالونات المطبوعة على الجدران. يتحرك كلفن - وهو عالم نفسي أُرسل لتقييم محطة أبحاث مدارية تعاني من مشاكل- عبر هذه الأماكن المنزلية بهدوء شديد كرجل لديه أمور عاطفية لم تنته بعد. يستغرقُ الفيلم أربعين دقيقة قبل مغادرة الأرض. هذا الجزء الافتتاحي، الذي كرهه ليم بشكل خاص، هو مفتاح كل شيء.
يجد كلفن عندما يصل إلى المحطة التي تدور حول كوكب المحيط سولاريس، طاقما في حالة تعمها الفوضى النفسية المطلقة: زميله جيباريان انتحر، وسناوت ثمل ومراوغ، وسارتوريوس محبوس في مختبره، يرافقه قزم صغير يختفي عند سؤاله. ثم، في الليل، يستيقظ كلفن ليجد في سريره المرأة هاري التي أحبها، والتي ماتت بيده قبل عشر سنوات، وهي تجسيد أنتجه محيط سولاريس من رواسب ذاكرة كلفن وضميره. إنها ليست هاري، إنها ذنبه المقنع الذي يرتدي قناع وجه هاري، أو هي حبه لها، الذي أُعطِي جسدًا مؤقتًا وهشًا.
ما أدركه تاركوفسكي، وعجز ليم عن قبوله، أن ظاهرة سولاريس تتجاوز حدود التأمل الفلسفي، وتتحول إلى تجربة درامية تمس أكثر مناطق الإنسان حميمية. كان تاركوفسكي قد انفصل عن زوجته الأولى إيرما راوش التي كانت تشبه والدته بشكل لافت للنظر، وكان يعاني من العذاب بسبب الفشل والشعور بالذنب الذي نتج عنه. يُوجه فيلم «سولاريس» تلك المعاناة إلى أقوى مشاهد الفيلم: حفلة عيد الميلاد في المكتبة، حيث يسقط كلفن على ركبتيه أمام هاري في لفتة ندم عاجز، ومشهد الهذيان، حيث تتلاشى الحدود بين هاري ووالدة كلفن، وبين الصور المرتبطة ببيته الريفي؛ ذلك الفضاء الأول لذاكرته وعاطفته. وبعبارة أخرى، فإن المنطق العاطفي للفيلم ليس خيالاً علميًا بل تجليًا فرويديا بحق؛ فالمحطة هي اللاوعي، والزوار هم ما نرفض الاعتراف به.
عند نهاية الفيلم، يبدو أن كلفن قد عاد إلى الأرض، إلى بيته الريفي. يسقط على ركبتيه أمام والده في المدخل المبلل بالمطر في تكوين يستشهد صراحة بلوحة رامبرانت "عودة الابن الضال"، ثم تتراجع الكاميرا لتكشف أن المشهد بأكمله قد حدث على جزيرة في محيط سولاريس، وهي واحدة من أكثر الصور النهائية كمالاً في السينما.
لا يقدم تاركوفسكي أي حل للغز الوجودي الذي يطرحه الفيلم. هل كلفن يهلوس؟ هل أنتج المحيطُ -استجابةً لمخطط دماغه- نسخةً من الوطن يمكنه العيش فيها؟ هل وجد، بقبوله استحالة العودة، السلامَ أخيرًا في ظل هذه الاستحالة؟ يتركنا الفيلم مع الصورة والسؤال معًا، رافضًا توضيح أحدهما دون تعميق الآخر.
عُرض فيلم «سولاريس» في مهرجان كان عام 1972 باعتباره الرد السوفيتي على فيلم «:2001 أوديسا الفضاء» (A space Odyssey: 2001) لكوبريك، وهو في كل معنى من المعاني نقيض ذلك الفيلم. فبينما يسعى كوبريك وراء الكوني واللاإنساني، ينظر تاركوفسكي إلى الداخل، نحو الأرض، نحو وجه امرأة، نحو بحيرة تطفو فيها الأعشاب بلا مبالاة مع التيار. لم تكن النجوم بالنسبة لتاركوفسكي هي الهدف أبدًا. فنحن نحمل بداخلنا بالفعل كل ما نحتاجه للاستكشاف، والخروج إلى الخارج هو مجرد نشاط بديل عن الرحلة الأصعب المتمثلة في معرفة ما بداخلنا.



