المشاعر لغة السينما

April 28, 2023

السينما لسان المجتمع، وعلى المواضيع التي تتناولها أن تعكس شيئًا منه، وهذا ما لمسته في أفلام السينما الإيرانية التي تعالج مواضيع مهمة وجريئة ومتصلة بالواقع اتصالًا وثيقًا.

أذكر جيدًا لحظة لقائي الأولى بالسينما الإيرانية حين شاهدت فيلم المخرج أصغر فرهادي «انفصال نادر وسمين»، وقد أصابني حينها الذهول من الاهتمام بالتفاصيل والحوارات التي تدفع المرء للإحساس بأن ما يراه ليس تمثيلًا على الإطلاق. ورغم أنني لم أحمل أي حماس للفيلم قبل مشاهدته بل وتوقعته فيلمًا ساذجًا، إلا أنه سرعان ما زالت هذه النظرة حتى بلغ بي الأمر أن أوصيت عددًا من الأصدقاء بمشاهدته، وإذ لم يشاهد ربعه أي منهم فإنهم قد فوّتوا بذلك على أنفسهم خيرا كثيرا. انطلقت بعدها باحثًا عن الأفلام التي أخرجها أصغر فرهادي لأن فيلمه كان سبب تعلّقي بالسينما الإيرانية بشكلٍ عام، ولم أرِد أن أُتابع غيره كي لا أخذل أو يقل حماسي فشاهدت جميع أفلامه وكانت كلها تفوق توقعاتي وتزيدني حُبًّا للسينما الإيرانية.

وأخذ حرصي يزداد مع الوقت، فشاهدت فيلمًا وثائقيًا عن السينما الإيرانية بعنوان  «الروح المجهولة»  حيث استضاف كبار صنّاع السينما الإيرانية من مخرجين ومنتجين وكتّاب وممثلين؛ رغبةً مني في فهم تطوّر أفلامهم وتاريخ هذه السينما. وفيه وجّه المُحاور سؤالاً للمخرج «كيانوش إياري» قائلًا: «هل الأشخاص العاملون في السينما الإيرانية يعتمدون على فطرتهم الإنسانية في الأعمال أم أن أعمالهم نتاج تعليم واكتساب؟»، وأجاب: «أن ما أدى إلى تطوّر السينما الإيرانية هو تجارب الإنسان الحياتية فهي الأساس، أمّا ما يتعلّمه من مهارات فهي أدوات يجب توظيفها بالشكل المطلوب وليس الاعتماد عليها فقط». وقد أشعل هذا الجواب لمبة في رأسي وولّد تساؤلات كثيرة عن كتابة سيناريو الفيلم ومراحله، فقرأت لأصغر فرهادي وشاهدت جميع لقاءاته، وفي أحد اللقاءات، سأله المُحاور عن سِر  تميّزه في كتابة الشخصيات، وأجاب «بأنه يعطي مساحة كاملة لكل شخصية بأن تستخدم ذكرياتها وأفكارها وأسلوبها وآرائها، على نحو يساعد المُشاهد على فهم السبب من وراء تصرفاتهم بما يخدم القصة ويضعها في صُلب واقع المجتمع». ولا أخفي عليكم هذا الفضول لدي، والذي كان سببا أساسيا لفهم من يكون الشعب الإيراني؟، وكيف هي حياتهم المعيشية التي بالكاد نسمع عنها شيئا.

يحوز المخرج أصغر فرهادي فلسفة تكمن في إعطاء الحرية للمُشاهد للحُكم على نهاية القصة فتأخذ القصة منحنيات مرنة وواقعية لا تربط المخرج في إطار صغير ضيق يُجبره على سلوك اتجاه واحد وكأنهُ يهمّش بطريقة غير مباشرة الآراء المختلفة، ولذلك هو يفسح المجال لوجهات النظر المختلفة، لكل شخصية من الشخصيات أو لكل مجتمع، ويدع للمُشاهد حرية اتخاذ القرار بناءً على تجاربه وآرائه. وما يؤكد هذه الفلسفة أن غالبية أفلام أصغر فرهادي غير متوقعة النهاية، وما زادني تعلّقاً بها هو كونها الأقرب إلى الواقع والأصدق شعورًا.

توصيات شخصية لدخول عوالم السينما الإيرانية

يعد فيلم «انفصال نادر وسمين» للمخرج أصغر فرهادي أحد أشهر الأفلام الإيرانية التي لاقت احتفاءً عالميًا كبيرًا، فقد حصل على جائزة الأوسكار، إلى جانب جوائز عالمية أخرى مرموقة، ونال تقييمًا عاليًا من طرف النقاد والمشاهدين على حد سواء. ويتناول الفيلم حياة زوجين يواجهان قرارًا صعبًا، يتمثل في الاختيار بين الهجرة من أجل توفير حياة أحسن لطفلهما، أو البقاء في إيران لرعاية الوالد المصاب بمرض الزهايمر ومتابعة حالته المتدهورة.

‍إلى جانب ذلك يأتي فيلم «بخصوص إيلي»، من إخراج أصغر فرهادي، الذي لفت نظر النقاد هو الآخر وحصل على تقييمات مرتفعة. وتدور أحداثه حول مجموعة من زملاء الدراسة السابقين في إحدى الجامعات الإيرانية، الذين قرروا التخطيط للذهاب مع عائلاتهم في نزهة على شاطئ بحر قزوين. وهناك تدعو سيبيده، منظمة الرحلة، إيلي، وهي معلمة في الروضة التي يرتادها طفلها، إلى مقابلة صديقٍ لها يدعى أحمد، وهو مهاجر يُقيم في ألمانيا. تتردد إيلي في قبول الدعوة ولكنها توافق في النهاية.

وفي الختام، يأتي فيلم «طعم الكرز» من إخراج عباس كيارستمي، بوصفه الفيلم الأكثر تأثيرًا في المشاهدين، بما ينطوي عليه من شعرية، وتجربة نفسية وروحية عميقة. وتدور أحداثه حول السيد بادي، الذي يخطط لوضع حد لحياته وهو في منتصف العمر، ويشرع في البحث عن أي غريب يساعده على إتمام خطته. فقد أنجز المهمة الأولى بنجاح وحفر القبر، الذي سيُواري فيه جثمانه، لكنه يظل بحاجة إلى مساعدة لأجل إتمام دفنه. فيسأل الجندي الكردي، والعامل الأفغاني، وكل عابر يجده في طريقه، لكن الجميع يصرون على الرفض.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى